- الخضيرى: يريدون سلطةً قضائيةً منفذةً لإرادة الحكومة ولن نكون ألعوبةً
- محمود مكي: الأزمة القادمة ستكون مع النظام وليس الوزير، والقضاة مستعدون
- الزيني: القانون كان متوقعًا منذ التعديلات الدستورية، والدور على البرلمان
تحقيق- علاء عياد وإسلام توفيق
ما زال معول الهدم الذي يحمله النظام مستمرًّا في اقتلاع حصن الدفاع الأخير الذي يمثله القضاة؛ حيث بات في الأفق مشهد جديد أشبه بمذبحة القضاة الشهيرة في الستينيات؛ حيث فاجأت الحكومة مُمَثلةً في وزير العدل بنيتها إصدار مشروع قانون جديد ينظم عمل مجلس الهيئات القضائية الذي من المقرر أن يتم مناقشته خلال الدورة البرلمانية الحالية لمجلس الشعب.
المجلس المقترح للهيئات القضائية، والذي تمَّ استبداله بالمجلس الأعلى للهيئات القضائية من المتوقع أن يرأسه رئيس الجمهورية، ويتكون من وزير العدل، إضافةً إلى رئيس المحكمة الدستورية العليا، ورئيس محكمة النقض، ورئيس مجلس الدولة، ورئيس محكمة استئناف القاهرة، والنائب العام، ورئيس هيئة قضايا الدولة، ورئيس النيابة الإدارية.
وسيكون هذا المجلس هو المسيطر على شئون القضاة وأمورهم، وهو ما أثار غضب القضاة، بل والشارع المصري عمومًا، خاصةً بعد الهجمة الشرسة للقانون المقترح على حصانة القضاة والسيطرة عليهم من خلال هذا المجلس، وطبقًا للقانون الجديد فإنه يجوز إحالة القاضي إلى المحاكمة بل وحبسه دون الانتظار لموافقة مجلس الهيئات القضائية، بل إنه في حالة عدم موافقة المجلس المقترح فإن هذا لا يُعطِّل سير الدعوة الجنائية ضد القضاة، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات عن أسباب هذا التصعيد من الحكومة ضد القضاة، وهل الأزمة مع النظام بشكلٍ عام أم مع وزير العدل بشكلٍ خاص؟!.
![]() |
|
المستشار محمود الخضيري |
ويؤكد المستشار محمود الخضيري- رئيس نادي قضاة الإسكندرية- أن القانون المقترح يمثل عدوانًا صارخًا على السلطة القضائية، وأن هناك محاولاتٍ مستمرة للسيطرة على القضاة، فقديمًا كان ما يُسمَّى بمذبحة القضاة، والآن هيمنة من نوع آخر؛ وهي استيعاب السلطة القضائية لتكون منفذةً لإرادة الحكومة عن طريق الانتقاص من اختصاصاتها وتمركزها بين جهات متعددة والضغط على رجال القضاء وجعلهم أداةً في يدها تستخدمها متى سمحت به أو في الظلم والبطش إذا أرادت.
عدوان غاشم
ويرى المستشار محمود مكي- نائب رئيس محكمة النقض- أن مشروع القانون بالصورة التي قُدِّم بها وبالتشكيل المقترح صادم للغاية، مشيرًا إلى أن مجلس الهيئات القضائية الجديد سيُكرِّس تدخل هيئات تنفيذية في السلطة القضائية، خاصةً أن الرئيس مبارك من المفترض أنه سيكون رئيس المجلس، وهو في نفس الوقت يمثل أعلى السلطة التنفيذية، بل هو أيضًا الرئيس الأعلى لمجلس الشعب الذي يعتبر السلطة التشريعية، وهو أيضًا رئيسٌ للحزب الوطني الحاكم، وهو ما يتعارض مع الفصل بين السلطات.
![]() |
|
المستشار محمود مكي |
ويشير المستشار مكي إلى أن الظروف التي يمر بها القضاة الآن تشبه نفس الأجواء التي كانت موجودةً قبل مذبحة القضاة 1969م قائلاً: "إذا كانت نكسة 1967م العسكرية هي التي سبقت مذبحة القضاة 1969م فإن مصر الآن تعيش انتكاساتٍ متعددةً وليس نكسةً واحدةً، فمصر تعيش نكسةً في المجال الاقتصادي والسياسي وفي التعليم وفي كل المجالات"، مؤكدًا أن نكسة حقوق الإنسان والتعديلات الدستورية هي أكبر الانتكاسات.
ويرى أن هذا القانون المقصود به إسكات صوت القضاة، ليكون القضاة موظفين في النهاية، مشيرًا إلى أن المواطن هو مَن سيخسر إذا تمَّ تطبيق هذا القانون؛ لأنه سيمس ضمانة استقلال وحرية القضاة.
ويؤكد أنه لا يتصور أن يكون هناك قاضٍ محترم سيقبل السكوت عن انتزاع استقلال القضاء بمثل هذا القانون، موضحًا أن الأزمةَ الجديدةَ ستكون مع النظام وليس مع وزير العدل؛ لأن المستشار مرعي ليس إلا منفذًا للسياسة التي تضعها الحكومة وليس هناك حكومة إلا في يد حاكم واحد هو رئيس الجمهورية.
ممدوح مرعي وزير العدل
ودعا مكي جموع الشعب المصري إلى القيام بانتفاضة للدفاع عن القضاء والحفاظ على بقائه سلطةً مستقلةً لها احترامها وحمايتها من الوقوع تحت سيطرة السلطتين التنفيذية والتشريعية، مؤكدًا أن القانون الجديد وإن كان يهدف للاعتداء على هيبة القضاء وإرادته، إلا أن العدوان الحقيقي يقع على الشعب كله، موضحًا أن ما يحدث حلقةٌ من الحلقات التي تهدف إلى السيطرة على السلطة القضائية وابتلاعها ضمن هيمنة وسيطرة السلطة التنفيذية التي تمكَّنت من التغول والسيطرة على السلطة التشريعية.

ويوضح أن السلطة القضائية الآن ما زالت هي العقبة الوحيدة التي تُمثِّل متاعب للسلطة التنفيذية وما زالت هي الحصن الوحيد للدفاع عن حقوق المواطن وكرامته، وهو ما يجب أن يتنبه إليه المواطن المصري جيدًا.
خروج عن وعد الرئيس
المستشار أحمد مكي
ويشير المستشار أحمد مكي- نائب رئيس محكمة النقض ورئيس لجنة تفعيل قرارات الجمعية العمومية لنادي القضاة- إلى أن مشروع القانون الذي قام باقتراحه المستشار ممدوح مرعي هو خروج عن وعد الرئيس في برنامجه الانتخابي بإلغاء مجلس الهيئات القضائية، كما أنه يؤكد تدخل وسيطرة السلطة التنفيذية على القضاة، كما أن هذا القانون سيهدم مشروع استقلال الميزانية التي تقدَّم به القضاة العام الماضي، مشيرًا إلى أن ما حققه القضاة عام 2006م هدمته الحكومة والسلطة التنفيذية بهذا المشروع في 2007م.

وأضاف أن مثل هذا القانون هو استمرار لسيطرة الحكومة على كل مؤسسات الدولة من نقاباتٍ وأحزابٍ وقضاة أيضًا، وأنه لا يدري إن كانت الحكومة هي مَن يتكلم على لسان المستشار مرعي أم أن المستشار هو مَن يتكلم بالنيابة عن الحكومة؟، داعيًا منظمات المجتمع المدني وكل صاحب رأي حر أن يقف ضد هذا القانون، ودعا القضاة خاصةً إلى أن يدافعوا عن حقوقهم وعن مصالحهم.
![]() |
|
المستشارة نهى الزيني |
وترى المستشارة نهى الزيني- نائب رئيس النيابة الإدارية- أن مشروع مثل هذا القانون كان متوقعًا حدوثه منذ التعديلات الدستورية الأخيرة، والتي قررت إلغاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية، وهذا المشروع صدمة حقيقية للقضاة الإصلاحيين الذين حاولوا جاهدين لإلغاء المجلس الأعلى للهيئات القضائية الذي كانت تتحكم من خلاله الحكومة في القضاء، وقالت: "هذا القانون المقترح لم يختلف كثيرًا عن القانون السابق، وأن مذبحة القضاة تتكرر مرةً أخرى، فمذبحة القضاة لم تكن فقط لفصل القضاة ولكنها امتدت إلى إصدار قوانين غير صالحة ومقيدة للحريات مثل هذا المشروع".
ووصفت تشكيل المجلس بالشكلي، وأن الأمر فيه لم يختلف كثيرًا عمَّا سبق، وأن الفرق الوحيد في هذا القانون أنه بتاريخ جديد وبقانون جديد عن القانون السابق- قانون 82 لسنة 1969م- الذي يصيب القضاة بإحباط شديد بعد كفاح طويل لهم على مدار السنوات السابقة من أجل استقلال القضاء.
وعن رد فعل القضاة قالت الزيني إنهم ليس أمامهم إلا أن يوجهوا الرأي العام، مطالبةً من أعضاء مجلس الشعب رفض هذا القانون؛ لأنه ليس إلا استبقاء للوضع الحالي، ومتمنيةً من المستشار مرعي ألا يتقدم بالفعل بهذا القانون الذي يهدد استقلال القضاة.
![]() |
|
د. أحمد أبو بركة |
ويرى الدكتور أحمد أبو بركة- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو اللجنة التشريعية بالبرلمان- أن القانون الجديد يشكل حلقةً من حلقات بسط السلطة التنفيذية وإحدى محاولات تركيع القضاة وإخضاعهم بشكلٍ مباشر لسلطات وزير العدل أحد أعضاء السلطة التنفيذية.
مشيرًا إلى أن الخطيئة الكبرى في هذا القانون نص المادة 5 المقترح والذي يخضع قرارات مجالس الصلاحية في الهيئات القضائية المختلفة في الطعن عليها أمام هذا المجلس المزمع تشكيله بالقانون الجديد، ليصبح المجلس هيئةً استئنافيةً في القرارات الصادرة عن مجلس القضاء الأعلى والمجلس الخاص بمجلس الدولة والمجلس الأعلى لهيئات النيابة الإدارية والمجلس الأعلى لمحكمة النقض والجمعية العمومية للمحكمة الدستورية بما يُقيم رقابةً على هذه المجالس كلها، والتي تعتبر رمز استقلال السلطة القضائية.
مؤكدًا أن المجلس يُقيم وزير العدل قيمًا على هذه المجالس جميعًا ومعقبًا عليها، وهو ما يمس السلطة القضائية في الصميم، ويُنهي بشكلٍ عملي استقلال القضاء.



