هناك سؤال يحتاج له الكثير من مشرفي الثانوي، وخاصةً صغار السن منهم، هو: كيف نربي روح الانتماء عند الطالب لمشرفه وزيادة أسباب التعلق به؛ حتى يجعله قدوته ويطيع أمره ونصائحه؟!

 

وقبل أن نبدأ في الردِّ على السؤال، تعالوا بنا نراجع لفظًا واحدًا حتى نقرِّرَ إن كانت مناسبةً للعمل الدعوي أم لا، لفظ "الانتماء".

 

فمصطلح الانتماء يعني الانتساب، وهو لفظ يعني تبني الفرد مجموعة المبادئ والقيم والأفكار- والتي تتحوَّل فيما بعد إلى سلوكيات عملية- إلى من ينتمي إليه، مثل انتماء العقيدة والوطن، كانتماء المسلم لدينه وهويته الإسلامية وانتماء المصري أو السعودي أو الكويتي لوطنه، أو انتماء العامل لمصنعه، أو المدرس لمدرسته.. الخ.

 

هذا الكلام يعني أن الانتماء لا يكون ولا ينبغي أن يكون لأشخاص بل لمنظومة عمل؛ لأن الأشخاص يخطئون، وتتغيَّر أفكارهم، وتتقلَّب قلوبهم، وتتناقض سلوكياتهم، ولكننا نريد للأفراد الانتماء إلى القيم الثابتة والمبادئ المستقرة والأصول التي ليس عليها خلاف.

 

هذا يعني أننا نريد أن ينتمي الطالب إلى الإسلام نفسه إرضاءً لله، وليس إرضاءً لنا، وأن ينتمي إلى دعوتنا "التي نعتقد يقينًا أنها مستقاةٌ من فهمنا الصحيح للإسلام" بعد اقتناعه أن تلك المبادئ والأفكار تتجه بمؤشرها إلى اتجاه واحد: طاعة الله.. الفوز بالجنة.. نصرة الإسلام.

 

أتمنى بعد هذا التوضيح- أخي الرّحال- أن تتفق معي أن لفظ الانتماء ربما يكون غير مناسب تمامًا للعلاقة بين الطالب والمشرف، فالطالب يطيع الله من خلال المشرف، ويتخذه معينًا للوصول إليه.

 

إذن ما هي مواصفات العلاقة المطلوبة بين المشرف والطالب، حتى تتحقق مهمة المشرف في تكوين شخصية إسلامية متزنة أولاً، ومنتمية للدعوة ثانيًا.

 

وفي رأيي ينبغي لتلك العلاقة أن تتسم بالمواصفات التالية:

1- الثقة.

2- الصداقة.

3- الاحترام.

فالثقة تعني أن يكون الطالب مقتنعًا بأفكارك وأسلوبك في التفكير وطريقتك في حلِّ المشكلات والرد على أسئلته، وهي مسألة تتطلَّب أن يكون المشرف ملمًّا بثقافة مرحلة المراهقة، والتي تتنوع بين "خصائص مرحلة المراهقة وكيفية التعامل معها- الثقافة الشرعية المطلوبة للمرحلة- الثقافة العامة سواءٌ اجتماعية أو سياسية أو رياضية"، ويمكن الاستعانة بكتاب "ثقافة الداعية" للدكتور يوسف القرضاوي في هذا الشأن.

 

والصداقة تعني: أن يحبك الطالب، وأن يريد الجلوس معك، ويشعر بالراحة في الحديث إليك، وأن يستطيع أن يبوح لك بأسراره ومشاكله، ولا يجد غضاضةً في أن يتحدث إليك في مواضيع عامة عادية وبسيطة وتلقائية، بعيدًا عن المواضيع الدينية والدعوية.

 

الصداقة تعني أن يشعر المدعو بأنك شخص تحبه حبًّا حقيقيًّا، لا لغرض أن تضمَّه للحلقة المسجدية أو أن يوافقك على آرائك، فإن رفض الحضور أو تكاسل أظهرت له الوجه الآخر الذي يرفضه ويبغضه، وهو خطأٌ يقع فيه الكثير من الدعاة مع المدعوين، ولكن الصداقة بين المشرف والطالب لا بد أن تلتزم بخطوط حمراء، هي التي تميز بين المشرف وبين زميله من نفس عمره.

 

لا بد أن تراعي حدود الألفاظ في الحديث، وأن تضبط الحركات بالأيدي، وهي ألفاظ وإيماءات من الممكن أن تكون مقبولةً بين الأصدقاء، وبعضهم من نفس السن، ولكن لو سمح المشرف بها، فسيسقط بينه وبين الطالب عنصر مهم وخطير في التربية، وهو عنصر الاحترام.

 

وهذا هو العنصر الثالث في مواصفات العلاقة بين الطالب والمشرف، وهو عنصر حساس جدًّا، وهو الذي يستطيع أن ينقل المشرف إن كان مثقفًا وصديقًا للطالب، إلى مرتبة المعلم والأستاذ والقدوة، وهي المرتبة المطلوبة كي يتقبَّل الطالب آراء المشرف وتوجيهاته بصورة سَلِسَة تضمن الارتقاء بمستواه وتقدمه.

 

وشخصية المشرف هي المسئولة عن هذا الاحترام، فلا بد أن تتنوع الشخصية بين الحزم واللين والقوة والرحمة، وخفَّة الظل والجدية وتحمل المسئولية وإتقان العمل، وكلما رأى الطالب في مشرفه كل هذه الجوانب في مواقف مختلفة، زاد احترامًا له واقتناعًا به وقبولاً لتوجيهاته.

 

وكلما كان المشرف صادقًا مع نفسه، مقتنعًا بما يقول، ملتزمًا بتطبيقه على نفسه أولاً قبل غيره، كلما كان أكثرَ احترامًا وأكثرَ تأثيرًا فيمن يدعوه.

 

بقي أن نقول إن استجابة الطالب للمشرف لا تعني أن يكون منقادًا له دون نقاش، فالوصول لهذه النقطة يعني الفشل الكبير في التربية، لأنه يهدم شخصية الطالب، ويجعله تابعًا غير قادر على التفكير واتخاذ القرار والقدرة على الابتكار.

 

بقي أن نقول أيضًا إن إخلاص المشرف، وتطويره لقدراته وزيادة ثقافته، وإصراره على حل المشكلات مهما تكن الظروف، عوامل مهمة جدًّا في نجاحه مع الطلبة المدعوين.