- إجراءات شديدة الصرامة لعصابات التسفير والصليب الأحمر الجنة الموعودة

- أسعار السفر: 13 ألف جنيه للزورق و18 ألفًا للمركب و23 ألفًا للجرَّافة!!

- أحد المهرِّبين: 200 يورو كفيلة بدخول إيطاليا وكنيسة الدوما سخية جدًّا

 

تحقيق- أحمد رمضان

احتلت كارثة غرق عشرات المصريين على سواحل إيطاليا فيما عُرف بـ"الهجرة غير الشرعية" مساحاتٍ واسعةً في وسائل الإعلام المختلفة، إلا أن هناك جانبًا آخر من الصورة لا يعرفها أحد؛ وهي لا تقل مأساةً عن حادثة الغرق؛ لأن هناك عالمًا خفيًّا اسمه "الهجرة غير الشرعية"، لا يستطيع أحد أن يصفه بدقة إلا من كانوا طرفًا فيها، وهو الجانب الذي نتناوله في هذا التحقيق مع الناجين من الغرق في رحلات البحث عن المال أو الموت.

 

ففي الحادثة الأخيرة على سبيل المثال، هناك ناجون ما زالوا قابعين في مناطق الإيواء بايطاليا، فبالنسبة للمركب الأول الذي عُثِر عليه عند سواحل مدينة سيراكوزا كان على متنه 24 فردًا، تمَّ إنقاذ 7 أفراد منهم اثنان قاصران، وفيما يتعلق بالمركب الثاني الذي عثرت عليه السلطات الإيطالية قرب مدينة كالابريا، كان على متنه 160 فردًا، نجا 126 منهم 12 قاصرًا، نجحوا في الهروب من مراكز الإيواء.

 

فما هو مصير هؤلاء الناجين؟! وقبل ذلك ماذا حدث لهم؟! ولو أردنا توسيع دائرة مناقشة قضية "الهجرة غير الشرعية"، فإننا نتساءل: كيف تتم عمليات النصب عليهم؟ وما هي السيناريوهات المتبعة في تلك الهجرة؟ ولماذا إيطاليا بالذات؟ كلها أسئلة ملحَّة نجيب عليها في التحقيق التالي:

 الصورة غير متاحة

أهالي الضحايا في انتظار استلام جثث ذويهم

في البداية، التقينا كمال الزواوي- عم أحد ضحايا الغرق، خالد محمد عبد العزيز، من أبناء محافظة الشرقية ويعمل في الولايات المتحدة الأمريكية- والذي أوضح، بعد فاصل من الهجوم على الحكومة المصرية مثلما فعل أقرانُه من أهالي الضحايا، أنه قضى عشرة أيام بلياليهن بحثًا عن ابن أخيه، سواء حيًّا أو ميتًا أو مفقودًا؛ حيث سافر الزواوي من أمريكا إلى إيطاليا، وعاملته المخابرات الإيطالية على أنه أمريكي الجنسية، وطالب السلطات هناك بأن يأتوا بابن أخيه سواءٌ ميتًا بالحصول على جثته أو إثبات أنه مفقود أو حيًّا عبر لقائه بالناجين في مناطق الإيواء، وهو ما حدث بالفعل.

 

في بداية لقاء الزواوي بالناجين في مراكز الإيواء، أنكروا له هويَّاتهم المصرية، وأعطوا له أسماء مغلوطة، وعندما تعرَّف عليهم واطمأنوا إليه، أوضحوا أن رحلتهم بدأت من الإسكندرية؛ حيث أقلَّتهم مراكب إلى رشيد، وهناك تم احتجازهم لمدة يومين من قِبَل الذين تولَّوا تسفيرهم لإيطاليا، وجرَّدوهم خلالها من أي أوراق أو مستندات تُثبت هويَّاتهم حتى الساعات أو التليفونات، كما سألوا كلَّ شاب فيهم عن رقم تليفون أهله.

 

وأضاف الزواوي أن أحد أفراد هذه "المافيا" اتصل بأخيه وقال له: "ابنك خالد معايا في المركب.. واحد هايجيلك إدي له 10 آلاف جنيه ولو ماديتوش هانحدف ابنك في البحر"!!.

 

مشيرًا إلى أنهم أجبروا خالد على أن يحدّث والده ليؤكد له ذلك، ووالد خالد لا يملك سوى ألفي جنيه فقط، وقام بجمع باقي المبلغ من أهالي القرية.

 

وأضاف الزواوي أنه قابل في الناجين مهندسين وأطباء وفلاحين، مشيرًا إلى أنه رغم الحادث لو سألت أحد الشباب- خاصةً طلاب الجامعة-: هل ستسافر إلى إيطاليا مرةً أخرى سيُجيب بالإثبات، بل وسيوفِّر المبلغ المطلوب منه فورًا؛ لأن الكل ينظر للأحياء الذين نجوا وكوَّنوا ثرواتٍ، مطالبًا بعدم تحميل الأهالي مسئولية ما حدث.

 

كما ألقى باللوم الشديد على الحكومة المصرية، خاصةً الملاحة البحرية، التي تراقب مثل هذه المراكب التي تقلُّ الشباب إلى عالم المجهول والمجازفة بأرواحهم، كاشفًا النقاب عن أن التسهيلات التي يلقاها الشباب المصري الذين ينجون من الموت في الرحلة إلى إيطاليا مغزاها أن السلطات الإيطالية تريد تشويه صورة مصر في المنطقة، عبر الإعلان عن كثرة الهجرة غير الشرعية إليها.

 

أنواع السفرية

 الصورة غير متاحة

الهجرة غير الشرعية.. حلم الباحثين عن الثراء بأي ثمن!!

أما حمادة إيطاليا- كما يحب أن يطلق عليه، والذي سافر إلى إيطاليا بطريقة غير شرعية مرتين، وشارك في عمليات تهريب الشباب- فتحدث معنا باستفاضة عن طرق تهجير الشباب، وماذا يحدث معهم، فيقول: إن أول شيء يتم عمله هو الاتفاق على نوع السفرية، وهي ثلاث وسائل: الأولى عبر الزورق، وهو قارب صغير، "كاوتش" يتم نفخه، ولا يسع أكثر من 20 فردًا، وهو أخطر أنواع السفريات، رغم أن الفرد يدفع فيه 12 ألف جنيه، خاصةً أنه لو حدث أي ثقب به، فمعنى ذلك الموت في عرض البحر المتوسط، والغرق لا محالة!!.

 

والوسيلة الثانية هي المركب، ولا يسع أكثر من 70 فردًا ويدفع فيه الفرد المهاجر 18 ألف جنيه، موضحًا أن السبب الأكبر في غرق المركبَين الأخيرَين قرب السواحل الإيطالية هو الحمولة الزائدة، خاصةً في المركب الثاني الذي كان يقل 160 فردًا أو الارتطام بصخرة، وهو ما يمكن أن يكون قد حدث مع المركب الأول الذي كان يقل 24 فردًا فقط، فضلاً عن أن وسيلة المراكب تُستعمل فقط في الصيف بسبب عوامل المدِّ والجزر، وكل هذه عوامل أدت إلى غرق المركبين من وجهة نظر خبير "الهجرة غير الشرعية"!!.

 

أما الوسيلة الثالثة فهي ما يطلق عليه "الجرافة"، والتي تسع نحو 500 فرد، وهذه تكلفتها 23 ألف جنيه، وذلك لأنها الأكثر أمانًا؛ لأنها تشبه السفينة، خاصةً أنها تدخل المياه الإقليمية الإيطالية دون أدنى حرج قانوني من خفر السواحل الإيطالي؛ لأنه مرخَّص لها الإبحار في هذه المنطقة، إلا أن بها عيبًا أو صعوبةً واحدةً عن الوسيلتين السابقتين، وهو عدم قدرتها على الوصول إلى الشاطئ؛ حيث تقف بعيدًا عنه بنحو 2 من الكيلو مترات بسبب الموتور الخاص بها، وبالتالي فللتغلب على هذه الصعوبة تُستخدم تلك الجرافات في السفر إلى جزيرة مالطة؛ حيث يوجد إيطاليون هناك يساعدون الشباب المهاجر بتوفير قوارب أو "لانشات" صغيرة تقلُّهم من الجرافات إلى الجزيرة، ومنها إلى الأراضي الإيطالية بمبالغ طائلة بالطبع.

 

أما إذا وصلت الجرافة ولم تجد هذه القوارب أو "اللانشات" فإنها تعود فورًا، خاصةً في ظل ظروف الإبحار الصعبة التي تتسم بها تلك المنطقة من البحر الأبيض المتوسط، وفي كل الأحوال فإن الزورق أو المركب معدَّان للسفر مرةً واحدةً فقط؛ حيث يتم تحطيمها بعد الوصول، حتى إن من يقودهما يكون أحد المهاجرين، ويكون قد هاجر من قبل لكي يكون ملمًّا بمعالم الطريق البحري إلى أن يصل للشواطئ الإيطالية.

 

ويصف حمادة إيطاليا رحلةَ الشباب منذ خروجهم من بيوتهم إلى إيطاليا، بأنه يتفق مع الشاب على السفر إلى منطقة معينة في رشيد أو الإسكندرية، هذا إذا كانت الهجرة من مصر إلى إيطاليا، وهناك طريقة ثانية عبر ليبيا.

 

تجريد

 الصورة غير متاحة

الحلم إما أن يتحقق أو تكون النهاية الرجوع جثة هامدة

وبالعودة لوصف رحلة الهجرة من السواحل المصرية؛ حيث يتم حجز الشباب وإخفاؤهم في منطقة غير معروفة، ولا يعرف الشاب متى سيسافرون، وقد يمكثون يومًا أو أسبوعًا أو حتى عدة أشهر؛ وذلك لأن القائمين على تسفيرهم لا يعرفون أيضًا ميعادَ السفر؛ لأنهم ينتظرون تهيئة الأجواء لشحن الشباب في المركب الذي يغفل عنه خفر السواحل أو بعد الاتفاق مع أحد منهم بمقابل مادي.

 

أثناء فترة الاحتجاز يتم تجريد كل شاب من أي أوراق أو حتى ملابس أو ساعات من الممكن أن تساعد خفر السواحل الإيطالية في التعرف على جنسيتهم أو هويتهم حتى "التيكيت" الذي يكون على الملابس الداخلية يتم نزعه، وبالطبع يتم تلقينهم بعض الإجابات التي من الممكن أن توجه إليهم إذا تم القبض عليهم وتسليمهم للصليب الأحمر في إيطاليا، الذي تشرف عليه كنيسة الدوما، المعروفة بدعمها المادي الكبير له، ثم بعد الوصول إلى هناك غالبًا ما يتم القبض على الهاربين بنسبة 90%؛ حيث يتم تسليمهم للصليب الأحمر، وهناك يعامَلون معاملةً كريمةً جدًّا، من حيث الإقامة والإعاشة، فضلاً عن أنهم يقومون بإرسال من هم دون العاشرة من عمرهم إلى المدارس.

 

ويظل الشباب المهاجر في الصليب الأحمر مدةً لا تزيد عن 21 يومًا، لو لم يتم ضبط هاربين خلالها يطلقون سراحهم، ويُدخلونهم الأراضي الإيطالية، أو هم يقومون برشوة أحد أفراد شرطة الصليب الأحمر بحوالي 200 يورو مقابل فك أسرهم، كما يقومون بإطلاق سراح كل من له أحد الأقارب في إيطاليا، بشرط التأكد من ذلك.

 

 الصورة غير متاحة

أهالي الضحايا يسألون رجال الأمن عن مصير جثث ذويهم

 أما لو لم تحدث كل هذه السيناريوهات وجاءت دفعة من المقبوض عليهم تقوم السلطات الإيطالية بتخييرهم بين الدول التي يرغبون بالسفر إليها في المطار، وبالتالي يُجبَر المهاجرون على أن يصعدوا لسلَّم الطائرة التي ستعود بهم إلى جحيم بلادهم مرةً أخرى كما يعتقدون، أما إذا نجحوا في دخول إيطاليا عبر أيٍّ من السيناريوهات السابقة فإنهم يُعتبرون إيطاليين؛ حيث لا أحد يسألهم عن هويَّاتهم.

 

ويشير حمادة إلى أنه عمل هناك في النقاشة في ميلانو التي يوجد بها 90% من المصريين المهاجرين، ويقول إنه استطاع توفير مبلغ 42 ألف جنيه مصري في 3 أشهر فقط.

 

وعندما سألناه عن شعوره بالراحة النفسية في وطنه الأم مصر؟! كانت الإجابة كالصاعقة: لا.. طبعًا بحس بالراحة في إيطاليا؛ لأنها مش بتشدد الإجراءات زي الدول التانية، ولأن راحتي النفسية متعلقة براحتي المادية!!.