في ذكرى استشهاد الرئيس ياسر عرفات، قررت إسرائيل قطع التيار الكهربائي، إمعانًا في الإذلال والتنكيل، وليس ذلك أغرب ما في الأمر؛ لأن الأغرب أن الخبر لم يُحدِث صدًى يُذكر في العواصم العربية ولا لدى رئاسة السلطة الفلسطينية، كأنَّ هناك توافقًا بين الجميع على تمرير الجريمة، التي تعد عقوبةً جماعيةً للمدنيين، تنتهك بشكلٍ صارخٍ مبادئ القانون الدولي وأبسط حقوق الإنسان.

 

على مرأى ومسمع من الجميع جرى حصار الفلسطينيين وتجويعهم منذ شكَّلت حماس الحكومة الفلسطينية إثر فوزها في شهر مارس 2006م، واستمرَّ الحصار رغم تشكيل حكومة الوحدة الوطنية في مارس من العام الحالي ومنذ الأحداث التي وقعت في غزة في منتصف شهر يونيو الماضي ضوعفت الضغوط على غزة، فانضمَّت رئاسة السلطة إلى أطراف الضغط؛ حيث قطعت رواتب كل الموظفين المدنيين والعسكريين الذين استمروا في أعمالهم، بل قطعت أيضًا رواتب أعضاء المجلس التشريعي الذين يمثلون القطاع، وكانت النتيجة أنه خلال حوالي أربعة اشهر تدهورت الأوضاع الإنسانية والاقتصادية بصورةٍ فادحة.

 

إزاء السكوت المدهش على ذلك من جانب رئاسة السلطة في رام الله، فإن عناصر النخبة في غزة تنادوا فيما بينهم وشكلوا اللجنة الشعبية لمواجهة الحصار التي رأسها النائب المستقل عن غزة في المجلس التشريعي جمال ناجي الخضر، وفي بيانها الأول الذي صدر في يوم استشهاد أبوعمار (11/11) عرضت اللجنة الوضع الإنساني والاقتصادي في القطاع على النحو التالي:

* هنالك أكثر من ألف حالة مرضية تتعرض لخطر الموت وأصحابها بحاجةٍ ملحةٍ للعلاج خارج غزة، لكنهم غير ممكنين من المغادرة بسبب الحصار، علمًا بأن سبع حالات لقيت ذلك المصير بالفعل وتُوفي أصحابها تباعًا.

 

* يتعرض القطاع لنقص شديد في الأدوية ومستلزمات المستشفيات، وكذلك لنقص في الأغذية والمواد الأساسية ومطلوب إغاثة السكان بالسماح بإدخال هذه المستلزمات الطبية والحياتية؛ حيث بلغ عدد الأصناف الأساسية من الأدوية والتي نفد مخزونها حوالي 100 صنف، يضاف إليها 83 صنفًا على وشك النفاد، علمًا بأن القطاع الصحي يعاني من تعطل عددٍ كبيرٍ من الأجهزة والمعدات الطبية بسبب عدم توافر قطع الغيار اللازمة لإصلاحها نتيجة الحصار، وقد بلغ عدد أجهزة غسيل الكلى المتعطلة (23) جهازًا؛ الأمر الذي يهدد حياة مرضى الكلى في القطاع، علمًا بأن الخطر يتهدد عمل غرف العمليات في المستشفيات الفلسطينية نتيجة نقص غاز النيتروز، وعدم التمكن من إصلاح الأجهزة والمعدات.

 

* يوجد في قطاع غزة آلاف الطلاب المسجلين في الجامعات الخارجية وآخرون من أصحاب الحالات الإنسانية الذين منعهم الحصار من الالتحاق بدراستهم وأعمالهم وأسرهم.

 

* تسبب الحصار في توقف مشاريع البنية التحتية مثل مشاريع إسكان العائلات التي تفتقد للمأوى، وكذلك مشاريع المياه والصرف الصحي، والتي تنفذها وكالة الغوث والمؤسسات الدولية والقطاع الخاص بقيمة (250) مليون دولار، مما تسبب في توقف أكثر من (100,000) عامل عن العمل، وتسبب في كوارث إنسانية خطيرة ومطلوب السماح بإدخال مواد البناء اللازمة لاستئناف هذه المشاريع.

 

* تقليص كمية الوقود بشكلٍ حاد أثَّر على جميع مناحي الحياة بشكلٍ خطير، وسوف يزداد أثره مع قدوم فصل الشتاء، ومطلوب السماح بإدخال الوقود لمنع حدوث كوارث إضافية.

 

* لقد أُصيب القطاع الزراعي بدمارٍ كاملٍ بسبب عدم مقدرة المزارعين على تصدير منتجاتهم الزراعية، واستيراد البذور والأسمدة اللازمة؛ الأمر الذي كبَّد المزارعين خسائر تجاوزت قيمتها 50 مليون دولار، ومطلوب إنقاذ هذا القطاع بالسماح بتصدير المنتجات الزراعية وإدخال المستلزمات الضرورية لإنقاذ قطاع الزراعة.

 

* توقفت جميع المصانع والورش والمعامل عن العمل وعددها (3500) مصنع ومشغل، بسبب عدم دخول المواد الخام اللازمة لتشغيلها، مما تسبب في بطالة (65,000) عامل كانوا يعملون بها، ومطلوب إنقاذ هذا القطاع من الشلل التام الذي أُصيب به.

 

* رجال الأعمال الفلسطينيون لهم بضائع محتجزة في الموانئ الصهيونية بقيمة مائة مليون دولار، وهي تُلبي حاجات أساسية ومهمة لاستمرار وتسيير الحياة اليومية، والمطلوب اتخاذ خطوة سريعة لإدخالها.

 

(للعلم: اللجنة الشعبية لها موقع على الإنترنت بوسع مَن يريد أن يعرف المزيد عن الأوضاع الكارثية في غزة، عنوانه كالتالي: (www.freegaza.ps).

 

القهر الاقتصادي الذي تمارسه "إسرائيل" في غزة يتوازى مع قهرٍ آخر تمارسه الأجهزة الأمنية ضد نشطاء حماس في الضفة كأن "الإسرائيليين" تكفلوا بتأديب كل قطاع غزة (مليون ونصف مليون نسمة)، وبالمقابل تكفَّلت أجهزة السلطة بتأديب نشطاء حماس في الضفة، وذلك كله يتم وسط صمتٍ عربي مدهش وتأييدٍ أمريكي حدوده مفتوحة لكل الممارسات.

 

وشاء ربك أن تتصدى كاتبة "إسرائيلية" منصفة لفضح ما يجري في الضفة؛ حيث كتبت عميرة هاس مقالة نشرتها صحيفة "ها آرتس" في 19/9 الماضي تحت عنوان يتساءل: لماذا يتجاهلون القمع ضد حماس في الضفة؟ في مقالها أشارت الكاتبة إلى أن قادة الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة في رام الله يشيرون بأصابع الاتهام إلى ممارسات عناصر في القطاع، والطرفان يقولان إن ما يُمارَس من قمعٍ ومساسٍ بالحريات المدنية هو مجرد تصرفات فردية، وليس مصدره تعليمات من السلطات الأعلى.

 

وأضافت أنه رغم أن هناك فرقًا نوعيًّا من هذه الزاوية بين ممارسات حماس في غزة وممارسات الأجهزة الأمنية في القطاع إلا أن ما يحدث في غزة يحظى بتغطيةٍ إعلاميةٍ واسعة في "إسرائيل" والعالم الخارجي، في حين أن ما تقوم به أجهزة السلطة في الضفة الغربية يتم التعتيم عليه دائمًا، وأضافت عميرة هاس أنه حسب تحقيقات منظمات حقوق الإنسان الفلسطينية، فإن الأجهزة الأمنية التابعة لأبومازن قامت باعتقال المئات من نشطاء حماس بالمخالفة للقانون، وعلى أيدي جهات ليست مخولة بالاعتقال.

 

ففي حماس يتحدثون عن قيام عناصر الأمن التابعين للسلطة بانتظار أعضاء حماس أثناء خروجهم من المساجد بعد صلاة القيام خلال شهر رمضان، وهناك دلائل مقلقة متراكمة حول تعرض نشطاء الحركة للتعذيب الشديد الذي بسببه نقل بعضهم إلى المستشفيات للعلاج والهدف من ذلك هو الانتقام والترهيب وبعض الذين أطلق سراحهم من أولئك النشطاء تحدثوا عن أنهم أُجبروا على التعهد بعدم الحديث عمَّا تعرضوا له، ولا يكتفي رجال أبومازن بالاعتقال والتعذيب، ولكنهم يقومون أيضًا بإطلاق النار على أولئك الناشطين وتخريب ممتلكاتهم وإحراق مكاتب ومؤسسات الحركة، إلى غير ذلك من الممارسات التي يلتزم الإعلام الخارجي الصمت إزاءها.

 

فسرت الكاتبة صمت العالم العربي على ما تقوم به أجهزة السلطة من انتهاكاتٍ بأن الدول العربية تعتبر حماس تنظيمًا إرهابيًّا في حين أن أبومازن وجماعته أكثر توافقًا مع السياسة الأمريكية، والهدف من غض الطرف على القمع الذي يمارس في الضفة هو تشجيع أبومازن وفريقه على التوقيع على "اتفاق استسلام" مع "إسرائيل" يؤدي إلى إقامة دولة فلسطينية تكون عبارة عن "كانتونات" تفصل بينها المستوطنات "الإسرائيلية"، أو دولة لها حدودها المؤقتة.

 

يكمل الصورة السريالية للمشهد الفلسطيني في غزة أمران؛ الأول أن عملية ذبح غزة مستمرة في الوقت الذي تتوالى فيه اللقاءات بين أبومازن وأولمرت رئيس الوزراء الصهيوني وكأنَّ الحاصل في القطاع إما أنه خارج موضوع التفاهمات، ولا أريد أن أقول إنه محل توافق بين الطرفين، ليس ذلك فحسب، وإنما تستمر هذه اللقاءات في حين يعلن باراك وزير الدفاع أن العملية العسكرية ضد غزة أصبحت وشيكةً، لكي يمتزج الذبح بالتمثيل بجثة القطاع.

 

أما الأمر الثاني فهو مشروع القرار الذي قدَّمه المندوب الفلسطيني لدى الأمم المتحدة الذي اعتبر فيه حماس "ميليشيات فلسطينية خارجة على القانون استولت على السلطة في القطاع".

 

إن هذا الذي يحدث للقطاع يفوق قدرة العقل على التصديق، ويمثل صفحةً مشينةً في سجل الجميع، الفاعلين والمتسترين والمتفرجين، والعرب من المحيط إلى الخليج يتوزعون على الفئتين الأخيرتين- يا ويلاه.

-----------------

* نقلاً عن الشرق الأوسط 14/11/2007م