- الفنانة أمية جحا: لن أنتظر فتح المعبر وأبحث عن عمل بالقاهرة

- المصري: الموت البطيء ينتظر 1000 عالق وموقف رام الله مخجل

- تهميش القضية بعد مرور أعضاء التشريعي أصاب الباقين باليأس

- الأطفال العالقون بلا مدارس ولا أمل في مستقبل سعيد

 

تحقيق- إيمان يس

شهدت القضية الفلسطينية مصطلحًا جديدًا أضيف إلى مصطلحات معاناتها، وهو مصطلح "عالقين"، الذي أضيف إلى مصطلحات "مهجرين"، ثم "نازحين"، ثم "لاجئين"، تلك المصطلحات التي سبقت "عالقين" في رسم معاناة شعب يرابط تحت نيران الاحتلال، ظن هؤلاء العالقون أن معاناتهم قد انتهت وأن الأزمة قد انفرجت، بعد وعود السلطات المصرية لهم بعمل تنسيق خاص لأولئك الذين لا يمكنهم المرور عبر معبر العوجا- الذي تسيطر عليه قوات الاحتلال الصهيوني- لمشاركتهم في أعمال مقاومة، والسماح لهم بالمرور إلى غزة مباشرة عبر الأراضي المصرية.

 

لكنهم لم يعلموا أنهم على موعد مع حلقة أخرى من سلسلة المعاناة، بدأت منذ تسلمهم كشف أسماء المسموح لهم بالمرور، والذي سقط منه 600 اسم لا يزالون حتى الآن عالقين على الأراضي المصرية ينتظرون المجهول، بعضهم لا يمكنه المرور من العوجا، أو من أي معبر يسيطر عليه الصهاينة.

 

وازدادت حدَّة هذه الأزمة بعد مرور "العالقين الدبلوماسيين" من أعضاء المجلس التشريعي؛ حيث ظن الجميع أن مشكلة العالقين قد انتهت، ونسيها أو تناساها.

 

البعض منهم فكر في التعامل مع الأمر الواقع، واعتبر أن مصر ستكون محطة بقاء وليست مرورًا له، تاركًا أهله وحاله في غزة، وهو ما دفع فنانة الكاريكاتير أمية جحا إلى مغادرة العريش؛ حيث كانت تنتظر ورود اسمها في "كشف النجاة"، وعادت إلى القاهرة لتقول: لقد سلمت بالأمر الواقع، وقررت أن أعيش يومي وإلا فلن أجني غير القلق والتوتر؛ ففي البداية لم أكن أفكِّر في شيء سوى انتظار العودة على وجه السرعة، أما الآن فقد تغيَّرت نظرتي كثيرًا، وبدأت أوطِّن نفسي على ألفة الواقع، وفكرت في اغتنام الفرصة لأصقل ريشتي وأنمِّي موهبتي ببعض الدورات المتخصصة، وأوسِّع من دائرة أعمالي.

 

وتضيف جحا: ولكني تركت الجميع هناك في أوضاع إنسانية ومعيشية وصحية ونفسية سيئة جدًّا.

 

وعن سبب عدم استطاعتها المرور مع مَنْ مرُّوا من خلال معبر العوجا- الذي يسيطر عليه الصهاينة، وانتظارها لتنسيق أمني يسمح لها بالمرور من معبر رفح ذي السيادة المصرية الفلسطينية فقط- قالت: تلقيت فيما سبق العديد من التهديدات، وتعرض موقعي الإلكتروني للقرصنة، وتم قصف جريدة "الرسالة" في غزة؛ بسبب نشرها إحدى رسوماتي، فكيف لي بعد كل هذا أن أذهب إليهم بقدمي؟ مضيفةً أن صدمتها الكبيرة عندما لم يرِدْ اسمها في كشف العالقين الذين مرُّوا من معبر رفح قبيل عيد الفطر الماضي.

 

 الصورة غير متاحة

رسم لأمية جحا يعبر عن مأساة معبر رفح

وتقول: في بادئ الأمر ظننتها مزحةً من بعض الإخوة، وظنَّتها أسرتي في غزة مزحةً مني، لكن الصدمة الكبرى كانت عند سؤالي عن السبب؛ حيث جاءتني الإجابة: إن الطريق الذي سيمرون منه غير ممهد؛ فهو طريق آخر غير الطريق المعتاد، وأنهم سيمرون في وقت متأخر من الليل، وهذا لا يناسب النساء!!وتساءلت في نفسي: وهل يناسب النساء أن تبقى بلا مأوى، بلا أهل أو وطن؟!!

 

وأضافت: هناك سيدتان أيضًا لا يمكنهما المرور عن طريق معبر العوجا حتى وإن فتحوه!!، وابتسمت قائلةً: أضحك كلما تذكرت حديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"، وأتساءل: أين هذا الجسد مما يجري لنا؟!

 

وإذا كانت جحا تستطيع مزاولة بعض أعمالها خارج وطنها، أو أن تغتنم الفرصة فيما يعود عليها بالنفع، فهي فرصة غير متاحة لـ599 عالقًا آخرين!! فيقول محمد ناصر: أنهيت أعمالي في إحدى دول الخليج على وعد بوظيفة تنتظرني فور عودتي إلى غزة، ولكن أي وظيفة تلك التي تنتظر صاحبها ثلاثة أشهر!! وبالطبع لا أستطيع العودة إلى عملي الأول!! ويضيف لا أنتمي إلى أي فصيل، فأنا خارج وطني منذ 7 أعوام، ولكن حتى معبر العوجا لم يفتح منذ حوالي 3 أشهر.

 

أطفال بلا طفولة

 الصورة غير متاحة

العالقون في العريش يقيمون حفل زفاف

لكن "الطامة الكبرى" كما عبَّر عنها (س . ل)- حاصل على دكتوراه في الشريعة الإسلامية- قائلاً: أبنائي 11 بين طالب في المدرسة أو الجامعة، وقد اقترب الفصل الدراسي الأول على الانتهاء، وحتى الآن لا أحد يعرف ما مصيرهم، وأضاف: طرقنا كل الأبواب، محاولين إلحاقهم بالدراسة في العريش لحين فتح المعبر، لكن محاولاتنا جميعها باءت بالفشل، مضيفًا أنه منذ شهر تقريبًا لم أرَ في أي من وسائل الإعلام أية إشارة لكلمة "عالقين"، فهل نسينا الجميع؟! وهل سأقضي ما تبقَّى من عمري عاطلاً؟! وهل سيتحول أطفالي إلى أطفال شوارع مشردين بلا دراسة ولا وطن؟!!

 

وتضيف زوجته: أبنائي يستيقظون كل يوم في الصباح يراقبون الأطفال من خلف النوافذ وهم يرتدون زيَّهم الدراسي ويحملون حقائبهم ويتوجهون إلى مدارسهم، ثم ينظرون إليَّ فأتظاهر بالنوم هروبًا من سؤال لا أعرف إجابته!! وتابعَت: كم كانت أيامًا قاسيةً تلك التي قضاها أبنائي قبل بدء الدراسة، وقد امتلأت الأسواق بالزي المدرسي والأدوات المدرسية وهم حتى لا يعلمون هل بإمكانهم اللحاق بإحدى المدارس أو لا؟ وتتابع قائلةً: لعله خير، فلو التحق أبنائي الـ11 بمدارسهم لما استطعنا أن نتكفَّل بمصروفات دراستهم.

 

وحول إمكانية تحويل أموال لهم من أسرهم في غزة أجابت: أصبح هذا الأمر مستحيلاً، فجميع البنوك ترفض تحويل أموال من أو إلى غزة، كما أن وضع غزة الاقتصادي الخانق جعل معظم الأُسَر تدبِّر أمرها بصعوبة؛ مما يجعل التفكير في مساعدة الغير ليس منطقيًّا.

 

أصعب يوم

وعن أصعب يوم مرَّ على العالقين قالت نوال يحيى بلا تردُّد: يؤسفني أن أقول إنه كان أول يوم في شهر رمضان المبارك!!، فعلى قدر عظمة هذا اليوم وانتظار جميع المسلمين له، على قدر الحيرة والدهشة التي شعرنا بها، عندما أعلنت وسائل الإعلام أن غدًا هو أول أيام شهر رمضان المبارك، فلم يكن أيٌّ منا يخطر له ببال أن يمر علينا ذلك اليوم ونحن على بُعد عدة كيلو مترات من منازلنا في غزة ولا نستطيع أن نصل إليها، فكأننا كنا في حلم واستيقظنا على كابوس.

 

وتطرق برأسها لتقول على استحياء: من المعلوم أن ميزانية الأسرة في رمضان تختلف عن أي شهر آخر، ولا أدري حتى متى سيتحمَّلنا محمد أخو زوجي، فأسرتي تتكون من 8 أفراد، وأسرة محمد 7، فأي منزل وأية ميزانية تلك التي تكفي 15 فردًا!!.

 

أما (ح . م) فتقول: إن أول أيام عيد الفطر السعيد كان أصعب كثيرًا من أول أيام رمضان؛ حيث رأيت الحزن يكسو وجوه أطفالي الذين لم يجدوا من يشاركهم اللعب هذا اليوم من أبناء الأقارب أو الجيران كما اعتادوا كل عام، فلا ملابس جديدة ولا عيدية، ولا فرحة ولا بهجة كباقي الأطفال في أيام العيد، ثم همْهَمَت قائلةً: يكفي أنني وأبنائي الـ5 ضيوف عند ابن عمي منذ ما يزيد على شهرين، فكيف لي أن أفكر في ملابس العيد؟!

 

 الصورة غير متاحة

أحد العالقين ينام على أرض المطار في العريش

وتشاركها في ذلك (س، ع) قائلةً: كان غاية ما يتمناه أولادي في هذا اليوم أن يطرق بابنا زائر، فجلسوا قريبًا من الباب، وببراءة الأطفال كانوا تارةً يسألون الله أن يأتينا زائر، وتارةً يتراهنون على الزمن الذي سيمرُّ حتى يطرق أحدهم بابنا، فتقول مها: بعد عشر دقائق سيدق جرس الباب، ويقاطعها سامر: لا بعد ربع ساعة، كنت أنظر إليهم لا أدري أأضحك للعبهم أم أحزن على حالهم؟!

 

وفجأة دقَّ أحدهم الجرس فاندفعوا نحو الباب، وقد انفرجت أساريرهم، ليجدوا عمتهم العالقة معنا جاءت لتزورهم تعيِّدهم (تعطيهم عيدية)، فسعدوا بذلك جدًّا واستقبلوها قائلين: لولا أنت ما عيَّدنا أحد ولا شعرنا بأي عيد، فحمدت الله على استجابة دعائهم، وتذكرت باقي الأطفال العالقين، وسألت الله أن يسعدهم في هذا اليوم.

 

وعن استطاعة (س .ع) توفير متطلبات الحياة لأبنائها قالت: نتلقَّى مساعدات من اتحاد الأطباء العرب ومن نقابة الأطباء مشكورين، لكنها لا تكفي لإقامة حياة كريمة، وأضافت: أشتاق لأهلي في غزة وأحتاج للتواصل معهم، لكنني لا أستطيع تحمُّل نفقات الاتصال، غاية ما أستطيعه هو إرسال رسالة عبر الجوال، وأحيانًا أُضطَّر أن أطلب منهم الاتصال.

 

وتروي (أ . ف): أكثر المواقف إيلامًا، كان عندما جُرح ابنها باسم وهو يلعب أمام المنزل وذهبت به لمستشفى العريش، فرفضوا أن يعالجوه مجانًا، قائلين لها: العلاج المجاني للمصريين فقط، وأضافت: حتى غرز خياطة الجرح لم يوفِّروها لي وقمت بشرائها بنفسي!!.

 

معتقل المطار

ولأن أكثر من ثلث العالقين تقريبًا من الأطفال، فأحدهم اعتبر نفسه سجينًا في مطار العريش، ومن هناك- حيث يقيم الآن في صالة المطار التي لا تصلح لأي حياة آدمية ما يزيد على 25 شخصًا، منهم 3 نسوة- قال حاتم أكرم: نحن 19 طالبًا في سنوات دراسية مختلفة، ولا أعلم لماذا نُحتَجَز في مطار العريش، فنحن لا ننتمي لأي فصيل، كما أننا خارج غزة منذ سنوات طويلة، فمعظمنا طلبة في كليات الطب والهندسة، وندرس الماجستير، وأضاف: جئنا لقضاء العطلة السنوية مع أسرنا في غزة، وعندما طال الانتظار طلبنا أن نعود إلى الدول التي قدمنا منها لاستكمال الدراسة، ولكن حتى هذا الطلب رفضوه!!، فطلبنا من المسئولين التواصل مع سفارات هذه الدول حتى لا نفقد إقامتنا ولم يلتفت لطلبنا أحد، ولا ندري أي مصير ينتظرنا بعد أن فقدنا مقاعدنا الدراسية؟!

 

وعن قضاء رمضان والعيد في ظل هذه الأجواء، قال محمد هشام: طلبنا من المسئولين السماح لنا بالخروج ولو لساعة في اليوم فرفضوا.

 

ويضيف (م . أ): زوجتي في العريش عند أحد الأقارب، وفي أول أيام العيد توسلنا للمسئولين أن يخرج فقط من لهم أهل في العريش على أن نترك جوازات سفرنا وشهادات تخرجنا وجميع ممتلكاتنا لقضاء أول أيام العيد مع الأسرة على أن نعود في آخر اليوم، ولكنهم رفضوا.

 

ولكن على أية حال فهم جميعًا أحسن حالاً من توفيق عادل، الذي خرج من غزة للعلاج إثر إصابته بانزلاق غضروفي، ومن المفترض أن تُجرَى له عملية في معهد ناصر، لكنه تم احتجازه في مطار العريش؛ مما أدى إلى تراجع حالته الصحية كثيرًا، ويقول: فقدت وظيفتي في غزة، وأصبحت أسرتي هناك بلا عائل، وكان من المفترض أن يَرِدَ اسمي ضمن كشف التنسيق الأمني؛ لأنني لا يمكنني العبور من العوجا، ولكني تساءلت عن سبب عدم وروده فكان الرد: "معلش حنحاول نعمل لكم تنسيق أمني تاني".

 

 الصورة غير متاحة

العالقون يصلون في العراء طلبًا لانفراج الأزمة

ورغم طول الانتظار لمحمد أحمد الذي يحاول العودة إلى غزة منذ 5 سنوات، إلا أنه- مثل جميع العالقين- يصر على العودة لغزة وليس لأي مكان آخر قائلاً: أضربنا عن الطعام وقمنا باعتصام في صالة المطار؛ مما أدى إلى تعطيل التدريب، واشتبكنا مع إخواننا من الشرطة، لا لأننا نريد إثارة الشغب ولكن ليس لدينا بديل عن غزة وليس أمامنا سوى الانتظار.

 

عالقون حتى في أوطانهم

ولم تقف مشكلة العالقين عند حدود الجانب المصري، ولكن هناك أيضًا العالقين على الجانب الآخر؛ حيث أكد النائب مشير المصري لـ(إخوان أون لاين) أن هناك 1000 فلسطيني عالقين في غزة ينتظرهم الموت البطيء ممن يحتاجون إلى علاج عاجل غير متوفر في غزة، وضرب المصري أمثلةً بعدد من الفلسطينيين مثل أسامة سلامة المصاب في ظهره أثناء قصف القوات الصهيونية الحيَّ الذي يسكنه، يقول إن الضربة أصابته بشلل نصفي، والذي يحتاج لسفر عاجل للعلاج في الخارج وإلا سيحدث ضمور لأطرافه وسيصعب العلاج، كما قال الطبيب!!.

 

وكذلك رائد شعراوي الذي بتر كف يده، واستطاع بصعوبة بالغة توفير ثمن تركيب كف، خاصةً أن الإعاقة قد منعته من مزاولة عمله، ولكن إغلاق المعبر حال دون حلمه بالعودة للعمل.
مَن المسئول؟!

 

وعن الدور الذي تقوم به حكومة تسيير الأعمال لحل هذه الأزمة قال المصري: أعتقد أننا بذلنا جهودًا كبيرة، سواءٌ من خلال الاتصالات مع العديد من الأطراف العربية وكذلك بعض الأطراف الدولية لنقل صورة المعاناة، واتصالات ولقاءات مع الجانب المصري، والتحركات التي جرت بين الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة ورام الله، الذين رفضوا كل المقترحات والحلول والتي رحَّبت بها الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة، والتي من بينها تدخل شركات من القطاع الخاص وأن يسلَّم المعبر لشركات خاصة، فضلاً عن إعادة الأجهزة الأمنية ذات الصلة، مثل الشرطة والأمن الوطني أو تسلمها لشركات أوروبية..

 

 الصورة غير متاحة

أحد الأطفال العالقين في مطار العريش

لكن للأسف تمت الاستعاضة عن معبر رفح بكرم أبو سالم، والذي أفشل كل الجهود، وقطع الطريق، وبقيت بعد دخول الفلسطينيين الرافضين الدخول عن طريق العوجا، وبعدها جاء من كانوا عالقين في دول أخرى، وانتهت مصالح سفرهم، وتكدس عدد جديد على أمل أن يُفتَح معبر رفح.

 

وحمَّل المصري المسئولية الكاملة عن إغلاق معبر رفح على الذين تواطؤا مع الاحتلال، وها هو بالفعل لم يفتح إلا لمرة واحدة، ثم سيكون محط الابتزاز والإسقاط في وحل العمالة والاعتقال.

 

مؤكدًا أن هناك جهودًا تُبذَل من خلال اتصالات من الحكومة الفلسطينية في قطاع غزة وحماس والتشريعي في الجهات المعنية خاصةً الجهة المصرية؛ لمحاولة حل هذه الأزمة، وأعتقد أن نداء رئيس الوزراء كان واضحًا في هذا الجانب، وهو نداء متوقَّع؛ لأنه غير مقبول أن تظل الدول العربية والإسلامية تاركةً للشعب الفلسطيني وهو يموت بشكل بطيء.

 

مطالبًا بأن يكون هناك موقف وطني مسئول من الفصائل الفلسطينية للضغط على رام الله لحلِّ هذه الأزمة، لافتًا النظر إلى عشرات آلاف العالقين في مختلف البلدان ينتظرون فتح معبر رفح.