بعد ثلاثة أشهر من وقوفه ضد قرار قدمته دولتا قطر وإندونيسيا إلى مجلس الأمن الدولي، يَعتبر قطاع غزة منطقةً منكوبةً إنسانيًّا وتستحق المساعدة بسبب الحصار "الإسرائيلي"، ها هو مندوب فلسطين الدائم في الأمم المتحدة رياض منصور يفجِّر مفاجأةً من العيار الثقيل، لا نقول إنها أثارت استياء الشارع الفلسطيني والعربي، بل أثارت استياء مندوبي الدول العربية في الأمم المتحدة، بما في ذلك الدولتان الموقِّعتان على معاهدات سلام مع الدولة العبرية (مصر والأردن).
المندوب الفلسطيني فاجأ زملاءه العرب بعرضه لمشروعَي قرارَين للأمم المتحدة، ينطوي كلٌّ منهما على عبَثٍ سياسيٍّ سافر، وكان مما جاء في مشروع القرار الأول حول "التسوية السلمية للقضية الفلسطينية" القول بأن أعضاء الجمعية العامة "يعربون عن القلق من الاستيلاء المسلَّح على مؤسسات السلطة الفلسطينية من قِبَل مليشيات خارجة عن القانون في حزيران 2007".
أما في مشروع القرار الثاني الذي كان بعنوان "الممارسات التي تؤثر على حقوق الإنسان الفلسطيني في الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس الشرقية"، فورد نص يقول: يُعرب القرار عن "القلق العميق من تواصل الوضع الأمني والإنساني في غزة، وكذلك من إطلاق الصواريخ على إسرائيل والتأثير السلبي لأحداث حزيران، والتي قامت من خلالها مليشيات خارجة عن القانون بالاستيلاء على مؤسسات السلطة الفلسطينية في قطاع غزة".
اعتراضات مندوبي الدول العربية تركَّزت على بُعدَيْن: الأول إجرائي، يتعلق بخرق مندوب فلسطين للعرف المعمول به، والقاضي بعرض مشاريع القرارات على مندوبي الدول العربية؛ كي يصار إلى تبنِّيه بالإجماع قبل عرضه على الآخرين، أما الثاني فيتعلق بالمضمون الذي يفتح الباب أمام تصنيف حماس وحركات المقاومة بالإرهاب، ويلغي حق الشعب الفلسطيني في مقاومة الاحتلال بإدانته لإطلاق الصواريخ، فضلاً عن نقله لخلافات الداخل الفلسطيني إلى أروقة الأمم المتحدة.
في سياق القضية كان ثمة مواقف لعدد من مندوبي الدول العربية، بعضها كان واضحًا في رفضِه لما جرى، وبعضها دون ذلك، لكنَّ المشهد العام كان يَشِي بدهشة الجميع من سلوك زميلهم الفلسطيني الذي استخفَّ بهم، قائلاً إن ما يعنيه هو موافقة الدول الأوروبية قبل أيِّ أحدٍ آخر.
المعلومات المتوفرة عن المداولات تقول إنه جرى استبعاد مصطلح المليشيات الخارجة عن القانون، واستبدالها بعبارة "الاستيلاء غير القانوني"، ولا ندري ماذا جرى للنص المتعلق بإطلاق الصواريخ، لكن ما يعنينا أكثر من ذلك هو سؤال الموقف الشخصي والموقف العام للمندوب إياه؛ إذ لا يُعقَل أن يتبنَّى موقفًا بهذه الخطورة من دون العودة إلى مرجعياته العليا، وهي مرجعيات تتميز أولاً بتقديمها التناقض الفلسطيني الداخلي على التناقض مع الاحتلال، بينما تتميز ثانيًا بموقفها المسبق والواضح من المقاومة المسلحة، واعتبارها نوعًا من العبث، ليس فقط إطلاق الصواريخ "العبثية"، بل مختلف أشكال المقاومة المسلَّحة، وهو موقفٌ جاهَرَ به أصحابه في أكثر اللحظات حساسيةً، يوم انحازت جماهير الشارع الفلسطيني وجماهير الأمة لانتفاضة الأقصى بوجهها العسكري الواضح والمحسوم منذ الأسابيع الأولى.
تعديل نص القرار أو القرارَين- في حال صُحِّحا بالفعل على نحوٍ معقولٍ- لا يغيِّر في واقع الدلالات التي أشرنا إليها، وبما لا يقل أهميةً الدلالة على قدرة البعض على إدارة الظهر للوضع العربي من جهة، وقدرته أيضًا على الذهاب في مضمار السياسة أبعد مما تحتمله معظم الدول العربية، رغم تراجعها الواضح أمام السطوة الأمريكية، وذلك خلافًا للعرف التاريخي حين كان الفلسطينيون يعترضون على هبوط السقف العربي في التعاطي مع الصراع ومفرداته.
إلى أين يمضي هؤلاء بسفينة الصراع؟ وهل يمكن للشعب الفلسطيني السكوت على حرف بوصلته النضالية والسياسية على هذا النحو البائس؟!