- هجوم حادّ على المفتي والحكومة المسئول الأول عن الحادث
- مذيع التليفزيون المصري يحاول الحصول على شكر للحكومة دون جدوى!
تقرير- أحمد رمضان وحسونة حماد
"المأساة" هي عنوان المشهد الحزين، الذي عاشَه كلُّ من شارك أهالي ضحايا المصريين الغرقى قرب السواحل الإيطالية، أثناء استلامهم فجر اليوم الخميس 5 جثامين كدفعة أولى من بين 26 غريقًا في رحلة الموت، وهم: حازم سعد حمدي، محمد أحمد أحمد فراج، محمد سمير محمد عبد الحميد، السعيد عبد الحميد الشحات، فتحي صبحي إبراهيم، وجميعهم من أبناء محافظة الشرقية.
المشهد ظهرت فيه الحكومة في قفص الاتهام ووجّهت عيون أهالي الضحايا التي اكتست باللون الأحمر من فرط البكاء والحزن الممزوج ببركان الغضب مما وصل إليه حال شبابنا، الذين يفرُّون من جحيم الإهمال الحكومي ليعودوا إلى مصر نعوشًا طائرة!.
هذه السهام تنوَّعت ما بين مسئولية الحكومة المصرية عن البطالة القاتلة، فضلاً عن التسيُّب الذي أصاب خفر السواحل في مصر إلى الحدِّ الذي لا يعرفون فيه هويَّة المراكب المغادرة أو العائدة؛ فأصبحت البلاد "سداح مداح"، ثم جاء دور د. علي جمعة- مفتي الديار المصرية- الذي لم يسلَم من كلمات النقد التي أطلقها الأهالي كطلقات الرصاص، خاصةً بعد فتواه بأن الغرقى لا يُعدُّون من الشهداء، متهكِّمين على تدخله في نوايا البشر، مردِّدين قوله تعالى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُوْرُ﴾.
دقت الساعة الثالثة إلا ربع فجر اليوم في مطار القاهرة وعيون أهالي الغرقى محدقة في سماء المطار في صمتٍ رهيب، تكسره الدموع التي تتدفَّق على استحياء؛ انتظارًا لوصول الطائرة القادمة من روما، والتي تحمل جثث 5 من غرقى رحلة الموت الإيطالي.. المنتظِرون لا يقفون في صالة وصول الركاب، ولكن أمام البوابة 35، وهي صالة البضائع، فبالرغم من أنهم ينتظرون ذويهم الضحايا إلا أنهم أصبحوا أشياء محمولة وليست كائنات حية، ومع ذلك استقبلوا الجثث بحرارة وكأنها عائدةٌ بالفعل من رحلة عمل، محمَّلةٌ بأثمن الهدايا والمبالغ الطائلة التي وعدتهم بها شبكة "مافيا" تسفير الشباب المصريين في غفلة تامة من أعين قوات الأمن التي لا تعرف سوى نوع واحد من المصريين تلاحقهم ليل نهار!!.
قبيل وصول الطائرة انتهزنا حالة السكون واقتربنا من بعض الأهالي المتناثرين على أرض المطار، وكان أغلبهم من أهالي الفقيد محمد سمير؛ نظرًا لشعبية والده الجارفة في قريته، وعدم تخلفه عن أداء الواجب مع أي منهم.
آلاف الشباب المصري يجازفون بأرواحهم بحثًا عن فرص عمل بالخارج |
في البداية طالب عزت عجيب- عمّ محمد سمير- بإجراء محاكمة عسكرية لشبكة المافيا التي تُغرِي الشباب المصري عبر شبكات النصب بالعمل في بلاد أوروبا، كاشفًا عن أن قرارَ تحمل الدولة لتكاليف سفر المصريين العائدين من الخارج بعد وفاتهم يعود للدكتور كمال الجنزوري، رئيس الوزراء الأسبق، مشيرًا إلى أنه لولا هذا القرار لكان يتحمَّل الأهالي تكاليفَ باهظةً مثلما كان يحدث؛ حيث كانت تصل التكاليف إلى نحو 13 ألف جنيه، معلقًا على ذلك بقوله: "يعني موت وخراب ديار"!!.
ثم انتقلنا إلى شخص ملتحٍ، يعمل خطيبًا بمسجد قرية محمد سمير، والذي قال- ردًّا على سؤال لإحدى الفضائيات- إن هناك مثَلاً شائعًا، يقول: "ربّ هنا ربّ، هناك فلماذا يسافر الشاب؟!"، فردَّ الشيخ بأننا لم نربِّهم على الالتزام هنا لكي نقول لهم ذلك، ويصل إليهم ذلك المعنى، وانتقد كلمة الهجرة غير الشرعية، التي دائمًا ما يلوِّح بها بأن الشباب هم المسئولون عما حدث لهم، مطالبًا بفتح باب الهجرة لكل المصريين، طالما لا يوجد وظائف أو رواتب، وقال "مفيش حاجة محترمانا خالص!!"، وأوضح أن مصر بها طبقتان فقط: أولاهما فاحشة الثراء، والأخرى قابعة في فقر مدقع.
والتقط طرف الحديث صلاح سالم، وقال لنا أريدكم أن توصلوا رسالةً إلى المسئولين، وهي: كيف يقول مفتي الجمهورية إن الغرقى ليسوا بشهداء؟! ألا يعرف فضيلته أنهم يذهبون من أجل لقمة العيش؟! وردَّد سيد سرحان قوله تعالى ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُوْرُ﴾، مشيرًا إلى أن هذه الفتوى صادرة من السلطة، قائلاً "هو المفتي دخل نوايا الناس علشان يقول كده، طب ما يشوف الدافع اللي خلاه يسافر غير شرعي"، وانتقد آخر وجود ما يسمَّى بشهداء الفنّ، وعلق قائلاً إن هؤلاء الضحايا الغرقى شهداء البحر!!.
أما إبراهيم صبحي- شقيق الضحية فتحي صبحي- فبدأ كلامه معنا بأن حياتهم صعبة للغاية وظروفها "زفت وطين"، مشيرًا إلى أنهم 21 أخًا وأختًا 9 صبيان و13 بنتًا، وعندما سألناه عن مهنته قال إنهم جميعًا يعملون جزَّارين (على ما تُفرَج)، وكشف أن أخاه دفع 7 آلاف جنيه ووقَّع شيكًا على بياض بـ30 ألف جنيه لكي يسافر إلى إيطاليا.
ورغم سوء حالة أسرة إبراهيم وجدناه يقف بجوار شخص أنيق المظهر يرتدي بدلة، واكتشفنا أنه يعمل في إيطاليا، وهو نبيل الجاويش ابن عم فتحي، والذي أوضح أنه يعمل في مجال العقارات بإيطاليا ولكن عبر هجرة شرعية، موضحًا أن الحياة هناك أصبحت سيئة جدًّا، فضلاً عن أن تعامل الحكومة الإيطالية مع المصريين والعرب عمومًا ازداد سوءًا، خاصةً بعد أحداث 11 سبتمبر وهوجة الهجوم على الإسلام والمسلمين في العالم، كاشفًا النقاب عن أن أغلبية المهاجرين يعلمون "زبَّالين" وبالواسطة، وأشار إلى أن ابنه كان على متن المركب الذي غرق إلا أنه من الناجين، مضيفًا أنه نصحه دائمًا بعدم الهجرة إلا أنه أصرَّ على الهجرة.
ويقول الحاج محمد إبراهيم جاد- ردًّا على سؤال مذيع التليفزيون المصري الحكومي على من يُلقي باللوم؟!- فردَّ قائلاً: "هنلوم مين غير الحكومة؟!"، مطالبًا بتوفير فرص عمل للشباب لتلافي حدوث مثل هذه الكوارث، التي تقع كالصاعقة على أهاليهم، ووصف الشباب المصري بأنه دائم السعي، حاملاً كفنه على يده، وحاول المذيع جاهدًا أخذ أي تصريح يُشيد فيه بالحكومة ولو من باب الإسراع في نقل جثث الضحايا ولكن دون جدوى؛ حيث أصرَّ الحاج إبراهيم على أن الحكومة هي المسئولة؛ لأن الشباب يريد أن يتزوَّج ويعمل وما إلى ذلك، وطلب منه توجيه كلمة للشباب؛ فقال: "يتولاه ربنا"، مشدِّدًا على أنه إذا لم توفِّر الحكومة المصرية فُرَص عمل للشباب مع عدم ردع شبكات النصب عليهم؛ فسيحدث أكثر من ذلك، وتساءل: "كيف يخرجون من سواحل الإسكندرية دون ضبط أو ربط؟!.. الحكومة هي السبب".
انتقلنا إلى أحد أقارب حازم سعد حمدي، والذي انزَوَى بجوار حائط، واضعًا يده على رأسه، مضيفًا إلى ما سبق أن حازم اغترَّ بمن سبقوه وسافروا إلى إيطاليا، ويأتون بمبالغ طائلة في فترات وجيزة؛ فقرر السفر ليأتي بتكاليف الزواج في ظل الغلاء الفاحش في مصر.
انتهى الكلام مع أهالي الضحايا فور النداء عليهم لاستلام الجثث، فصوِّبت عدسات كاميرات الفضائيات مع نظرات الأهالي تجاه بوابة استلام الجثث، وانطلق أذان الفجر مع آخر سيارة إسعاف خرجت من بوابة المطار، وتفرَّق الأهالي كلٌّ بضحيتِه ولسانُ حالهم يقول "منك لله يا حكومة"!!.