- الجماهير: لقمة العيش أهم من المؤتمر و"زهقنا" من الوعود البرَّاقة
- ضياء رشوان: الحزب فشل في أن يصبح جزءًا من الشعب المصري
- د.البلتاجي: المؤتمر ظاهرة إعلامية وفرصة لتصفية الخلافات الداخلية بالحزب
- د.هاشم ربيع: البطش الأمني وفقدان الأمل أبعدا المواطن عن المشاركة السياسية
تحقيق- أحمد رمضان
حالة من العزوف الشعبي الشديد شهدها المؤتمر العام التاسع للحزب الوطني الحاكم في مصر، والذي انتهت فعالياته أمس الثلاثاء 6 نوفمبر، وبعيدًا عن الزخم الإعلامي الذي لعبته وبقوة وسائل الإعلام الحكومية في محاولةٍ دون جدوى لإيجاد رواجٍ لمؤتمر الحزب في القاعدة الجماهيرية، فإن وسائل الإعلام الخاصة من صحفٍ وفضائياتٍ كشفت أن مؤتمرات الحزب لا يعلم رجل الشارع في مصر عنها شيئًا، وأن كل ما يعنيهم هو حل مشكلاتهم التي يعانونها في شتى المجالات بدلاً من الموائد المستديرة والمستطيلة التي لا تزيد إلا الأغنياء غِنًى والفقراء فقرًا، فضلاً عن المصالح الشخصية التي عُقد من أجلها المؤتمر، ووضحت بشدة في اليوم الأول لانعقاده؛ فما سر هذا العزوف الشعبي؟ وإلى متى سيستمر؟.. أسئلة طرحناها على عدد من المواطنين، إضافةً لعددٍ آخر من الخبراء والسياسيين.
أكد إيهاب منصور أن المؤتمر لم يشغل أي حيزٍ في اهتماماته، بل إنه عندما يرى المؤتمر على شاشات التليفزيون كان يُغيِّر القناة التي عليها المؤتمر؛ لأنه على حدِّ قوله "مش ناقص زهق وملل"، موضحًا أن كل ما يقوله الحزب الوطني عبارة عن كلامٍ في الهواء، والجديد في هذا المؤتمر أنه لم يُقدِّم جديدًا، والكلام والوعود التي يطرحها ليس لها أي وجود على أرض الواقع.
ويضيف عبد الوهاب علي- سائق تاكسي- أنَّ ما يهمه لقمة العيش فقط، وبالتالي فهو منشغلٌ بعمله من صباح اليوم إلى نهايته ليوفِّر قوت يومه له ولأولاده، وليس لديه صبر حتى يتابع هذا الكلام؛ لأنه كما يقول "ليس له في السياسة".
وهو ما أشارت إليه لبنة قاسم، مؤكدةً أن مؤتمر الحزب لا يعنيها لأنه فاقد المصداقية، ولا يهتم إلا بمصالح الكبار الذين لا يعنيهم مصلحة الشعب المصري، وقالت إنها تخرَّجت في الجامعة منذ أربع سنوات ولم تجد فرصة عمل، وكل ما يُعرَض عليها بعيدٌ عن تخصصها، كما أن عائده ضعيف جدًّا، ناهيك عن المشاكل الأخلاقية الأخرى التي تواجهها، ودعت لبنة قيادات الحزب الوطني إلى تفعيل ما يتوصلون إليه؛ لأن الحزب هو حزب الحكومة، وكافة إمكانيات الدولة مسخرة له، وبالتالي فهو يمثل الجزء الأكبر من الأزمة التي تعيشها مصر.
ويرى معاذ حامد أن المشكلة ليست في الحزب الوطني، وإنما في ضعف الأحزاب الأخرى التي تركت الساحة له، مؤكدًا أن الحزب الوطني هو السبب في كافة الكوارث التي تعيشها مصر، وله هدف واحد يسعى إليه، وهو توريث الحكم، وبالتالي فإن مصلحة الشعب المصري لا تعنيهم، وهو السبب الأساسي الذي جعل الشعب غير مهتم لا بالمؤتمر ولا بحزبه.
هدف التوريث
![]() |
|
ضياء رشوان |
بدأنا بضياء رشوان- رئيس وحدة النظم السياسية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- والذي بادرنا بالسؤال قائلاً: منذ متى يهتم الشعب المصري بمؤتمر الحزب الوطني من الأساس لكي يهتم به هذه المرة؟!؛ فأعدنا عليه السؤال مرةً أخرى: وما سر استمرار التجاهل من قِبل المصريين لمؤتمر الحزب الحاكم؟ فأرجع ذلك لسببين رئيسيين؛ الأول هو شعور المواطنين بأنه شيء خاص ولا يتعلق بباقي المواطنين، تمامًا كالذي يُقيم حفل زواجٍ أو خطوبة في بيته، فهذا أمرٌ يخصه وحده، ولا يخص الباقين، مشددًا على أن الحزب الوطني فشل في أن يجعل من نفسه جزءًا من الشعب المصري.
والسبب الثاني- كما يقول رشوان- أن القضايا المعروضة في المؤتمر تعودنا على أنها تُدار بطريقةٍ بلاغيةٍ وليست واقعية، فلا يوجد قرارات واقعية تمس مصالح رجل الشارع، معربًا عن أسفه الشديد من عدم وجود مراكز استطلاع الرأي لمعرفة مدى شعبية الحزب الوطني أو الشريحة التي اكتسبها.
![]() |
|
حسني مبارك ونجله جمال "الوريث" |
وكشف رشوان النقابَ عن أن الهدف الحقيقي من المؤتمر هو تجهيز جمال مبارك لرئاسة الجمهورية، واصفًا إياه بالعريس، وانتقد الحديث الذي يدور عن انتصار الحرس القديم بعد ثبات تشكيل الأمانة العامة للحزب قائلاً: (هو فيه إيه بعد الرئيس)؛ وذلك بعد تمهيد الطريق اللائحي والقانوني والدستوري بصورةٍ لا تخفى على أحد لترشيح نجل الرئيس الأمين العام المساعد للحزب وأمين السياسات لمنصب رئيس الجمهورية، في أول انتخابات رئاسية قادمة؛ وذلك بتغيير مواد في النظام الأساسي للحزب الحاكم لا تؤدي إلا لذلك.
وأشار رشوان إلى أن المؤتمر أنجز في أول أيامه المهمة الرئيسية التي اجتمع من أجلها هذه المرة، وبقيت الأيام الثلاثة المتبقية من فترة انعقاده بمثابة تحصيل حاصل ومجرَّد غطاءٍ سياسي للمهمة الكبرى والوحيدة التي تمَّ إنجازها في اليوم الأول.
وأوضح أن الخطة بدأت مع التعديل الذي أدخله الحزب الحاكم على المادة ٧٦ من الدستور، الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية؛ حيث نصَّت في فقرتها الثانية على أنَّ لكلِّ حزبٍ حائزٍ على الحد الأدنى من مقاعد مجلسي الشعب والشورى أن (يرشح لرئاسة الجمهورية أحد أعضاء هيئته العليا؛ وفقًا لنظامه الأساسي متى مضت على عضويته في هذه الهيئة سنة متصلة على الأقل)، فحسب النظام الأساسي للحزب الوطني قبل تعديله فإن المكتب السياسي هو الهيئة العليا التي يقصدها النص السابق، موضحًا أنه بذلك التشكيل يكون جمال مبارك بموقعه الحزبي كأمين عام مساعد وأمين للسياسات من غير القابلين للترشيح لرئاسة الجمهورية، ولم يكن أمام المدبرين بليلٍ سوى بديلين لا ثالثَ لهما: البديل الأول هو ضم نجل الرئيس إلى المكتب السياسي في المؤتمر العام الحالي بما يُعطيه الحق في الترشح للرئاسة، والثاني أن يرشحه والده رئيس الحزب لعضوية المكتب السياسي ضمن الأعضاء الثمانية الآخرين.
وأضاف رشوان أن مدبري التوريث بليلٍ على ما يبدو وجدوا أن الطريقين سوف يؤديان إلى "كشف المستور" وتوصيل رسالة علنية فجَّة للمصريين وللخارج بأن نجل الرئيس قادمٌ ليرث مقعد والده بدون شكٍ أو خجل؛ وبذلك أصبح هذا التعديل هو المهمة الوحيدة والرئيسية للمؤتمر التاسع للحزب الحاكم، فتم إنجازها في الجلسة الثانية له بعد انتخاب رئيس الحزب، حيث تمت الموافقة على تشكيل تلك الهيئة العليا من أعضاء المكتب السياسي والأمانة العامة، وتوكل لها مهمة اتخاذ الإجراءات الخاصة بتسمية مرشح الحزب لانتخابات رئاسة الجمهورية.
![]() |
|
تجهيز جمال للرئاسة الهدف الأول للمؤتمر |
مشيرًا إلى أن هناك عاملين يحكمان الإجابة: الأول هو مواقف القوى الواقعية بداخل جهاز الدولة، وبخاصة قلبها الصلب تجاه هذا السيناريو؛ حيث إن تنفيذه لن يتم بجرد إعداد الخطوات الدستورية والقانونية له، فهو سيكون محصلة لهذه المواقف وقدرة كلٍّ من تلك القوى على فرض رؤيتها لمستقبل منصب الرئاسة.
أما العامل الثاني فهو قدري، فحسب نص المادة ٧٦ من الدستور لا يمكن أن يرشح أحد أعضاء الهيئة العليا الجديدة للحزب الوطني نفسه لمنصب الرئاسة، إلا إذا مرَّ عام كامل على عضويته المتصلة فيها، فماذا يمكن أن يحدث إذا شغر منصب الرئيس قبل مرورِ هذا العام؟
في هذه الحالة لن يكون للهيئة العليا بكل عضويتها أي صفةٍ تمكنهم من الترشيح، ولن يكون هناك في هذه الحالة من حل سوى العودة لاعتبار المكتب السياسي هو الهيئة العليا للحزب، وعندها سيذهب ترشيح الحزب لمنصب الرئيس لصاحب نصيب آخر بما يؤكد صحة المثل الشعبي (في بقك وتقسم لغيرك)، وقبله إعجاز الآية الكريمة ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: من الآية 30).
![]() |
|
د. محمد البلتاجي |
من جانبه أشار د. محمد البلتاجي- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين- إلى أن الشعب المصري كان معرضًا عن المؤتمر؛ لأنه يعرف جيدًا ما سيتمخض عنه هذا المؤتمر من وعودٍ تُضاف إلى وعود المؤتمرات الثماني السابقة.
وأضاف أن هذا هو المؤتمر التاسع ولم يجد الشعب المصري فيه أي نوعٍ من أنواع كشف الحساب للفترة الماضية، مشيرًا إلى أن محاور المؤتمر التي دارت حول العدالة والديمقراطية والاستثمار، يدركها الشعب جيدًا في حياته على أرض الواقع من تزوير انتخابات، وقمع الحركات الطلابية، ومنع النقابات المهنية من القيام بدورها، فضلاً عن الأحزاب المحبوسة في غرفها، وفوق كل ما سبق الانقلاب الدستوري الذي يعدُّ أبرز نتائج الممارسة الديمقراطية التي يدَّعيها الحزب الوطني.
ووصف البلتاجي مؤتمر الحزب الوطني بأنه ظاهرة إعلامية للإعلام الحكومي، فضلاً عن فصل الصراع الداخلي في الحزب بين الحرس القديم والجديد، وبالتالي لم يكن للمؤتمر علاقة بينه وبين جدول أعمال المؤتمر، موضحًا أن أبرز ما توصل إليه المؤتمر هو تعديل القانون الأساسي بما يُتيح تشكيل الهيئة العليا للحزب بضم الأمانة العامة للمكتب السياسي، وبالتالي انتهى المقصود من المؤتمر في الجلسة الثانية من اليوم الأول.
وانتقد البلتاجي الطريقة التي أُجريت بها انتخابات الحزب؛ حيث تم كتابة (أوافق أو لا أوافق) فقط، فلم نجد فيها عملية انتخابية أو أي جديد، كما لم تتح حرية الاختيار لأعضاء الحزب، معلقًا على ما حدث بقوله "هذه هي ديمقراطية الحزب الوطني" .
![]() |
|
الحزب الوطني فشل في جذب اهتمام المواطنين لمؤتمره |
وأجمل كل ما سبق كلام د. عمرو هاشم ربيع- رئيس وحدة الدراسات البرلمانية بالأهرام- والذي أشار إلى أن الشعب المصري والمواطن العادي لا يهتم بالقضايا السياسية بأي حالٍ من الأحوال، وأرجع ذلك لثلاثةِ أسباب:-
- الأول: الأحوال الاقتصادية والاجتماعية.
- السبب الثاني: هو خشية الدخول في العملية السياسية كفاعلين خشيةَ الملاحقة الأمنية وبطش قوات الأمن، خاصةً بالمعارضين، وهو ما يُفسِّر حالة العزوف الكبيرة- على حدِّ قوله- عن هذه المسألة.
- أما السبب الثالث: فأرجعه ربيع إلى حالة السلبية الكبيرة التي يعيشها المواطن؛ لأنه يعلم تمامًا أن آراء السلطة وما يريده الحزب الحاكم سيُنفَّذ بعيدًا عن مطالب الجمهور.
موضحًا أن المواطن فقد الأمل في تحقيق أيِّ وعود للحزب الحاكم بعد فشل الأخير في تنفيذ أي وعدٍ من وعوده الاقتصادية التي قطعها على نفسه في المؤتمر الثامن الذي عُقد عام 2002م.
هذا، فضلاً عن استمرار المشكلات التي يعاني منها المواطن حتى الآن، ولم يخرج المؤتمر الحالي إلا بعباراتٍ وجمل بلاغية رنانة ليس لها أي حظٍّ من التنفيذ؛ نتيجة منظومة الفساد التي يُهيمن عليها رجال أعمال الحزب الوطني الحاكم بمعاونة ذراعه الإعلامي.




