- خمسة من أسرة واحدة أحدهم رهن منزله والثاني كان يستعد للزواج
- والد الضحايا: ضاق بهم العيش في مصر فهربوا للموت وأتمنى دفنهم
- أهالي القرية: "تطون" السبب... والخبراء يحملون الحكومة المسئولية
تحقيق- عبد المعز محمد وسلمي البحيري
6 ضحايا مصريين دفعة أولى في غرق مركب كان يقلهم مع عشرات آخرين للوصول إلى إيطاليا، بينهم خمسة من عائلة واحدة، وتحديدًا من قرية "شدموه" بمركز إطسا بمحافظة الفيوم، عندما ذهبنا للقرية كانت علامات الحزن والسواد تكسو منازل هذه القرية وشوارعها، فضلاً عن كلمات الأسى التي كان يرددها أهالي القرية، وأقارب الضحايا.
قرية "شدموه" تقع على بُعد حوالي 35 كيلو مترًا من مدينة الفيوم التي تبعد عن القاهرة حوالي 90 كيلو مترًا، مثلها مثل معظم القرى المصرية التي تحتاج لكثيرٍ من الخدمات، سواء صرف صحي أو مياه شرب نقية بل وتوفير فرص عمل لشباب القرية، ولعل السبب الأخير هو عنوانٌ للكارثة التي شهدتها القرية؛ حيث لم يجد شبابها وأهلها مفرًّا من الفقر والجوع إلا بالمخاطرة بأنفسهم في رحلةٍ يعرفون أنها قد توصلهم إلى الموت، كما قد توصلهم إلى النعيم.
الكارثة التي راح ضحيتها 138 مصريًّا، وفي بعض التصريحات 148 لم تكن الأولى، كما أنها لن تكون الأخيرة، إلا أنها كانت قاسيةً على كلِّ مَن سمع بها، فما بالنا بأهالي الضحايا؟!، إن ما سمعناه من أهالي قرية "شدموه" يؤكد أن هذه الرحلات أصبحت معتادةً لأهالي مركز "إطسا" بشكلٍ خاص وأهالي الفيوم بشكلٍ عام، وهي رحلة كما أطلق عليها أهالي القرية سلاح ذو حدين؛ إما النعيم والأموال وإما الموت، كما حدث مع علي أحمد شعبان (23 سنة) سائق تاكسي، وشقيقه إبراهيم أحمد شعبان (35 سنة) عامل متزوج ولديه طفلان، وخالهما السيد سعد علي (39 سنة) موظف بعقد بشركة مياه الفيوم متزوج ولديه ثلاثة أبناء، وأبناء عمهما عيد محمد شعبان (37 سنة) متزوج ولديه ثلاثة أبناء، وأحمد رمضان نمر (23 سنة).
مصيبة عائلة شعبان
وبدأت الحكاية كما يرويها مراسلنا في الفيوم "أحمد سيف النصر" عندما وجد هؤلاء الضحايا أقاربهم وجيرانهم وأهالي بلدتهم الذين خاضوا تجربة السفر بشكلٍ غير شرعي وقد فتح الله عليهم من نعمه، فالمدين منهم أصبح من كبار القوم ويمتلك سيارات وعقارات وأراضي في أفضل الأماكن بالفيوم.
![]() |
|
الحاج محمد شعبان ينتظر في منزله وصول جثمان ابنه |
وقصص هؤلاء الخمسة لا تختلف عن بعضهم البعض، فسبب الهجرة والمخاطرة واحد وهو ضيق ذات اليد والغيرة من الآخرين الذين "جرت الفلوس" في أيديهم، كما قال لنا الحاج أحمد شعبان والد الشقيقين إبراهيم وعلي وصهر السيد سعد وعم أحمد رمضان وعيد محمد شعبان، والذي وصلنا إليه بصعوبةٍ بالغةٍ وأقنعناه بصعوبةٍ أكبر بأهمية الحديث معنا.
وقد كانت آثار الصدمة واضحةً على وجه هذا الرجل العجوز الذي تجاوز السبعين عامًا، وفقد نور عينيه، ثم عاد وأكد أنه تلقَّى أكبر صدمةٍ في حياته؛ لأن أبناءه هم سنده وكل حياته، وأنهم سافروا بحثًا عن لقمة العيش حينما ضاقت بهم السبل في بلدهم، فاضطروا للبحث عن أي فرصةٍ للسفر أسوةً بالكثيرين من شباب القرية والقرى المجاورة، ثم عاد ليقول إنه يحتسب أبناءه عند الله ويتمنى أن يدفنهم في قريتهم وسط أهلهم بأسرع وقتٍ.
وتساءل والدموع تنهمر من عينيه: "لا أدري متى نتسلم جثثهم؟ وأين وزارة الخارجية؟ فقد سئمنا من كثرة الاتصالات بالخارجية وبالسفارة المصرية في إيطاليا و"مصر للطيران" حتى خربت بيوتنا، فأصبح "موت وخراب ديار".
ويناشد الحاج أحمد شعبان الرئيس حسني مبارك بالتدخل لسرعة نقل جثث أبنائه في أسرع وقتٍ حتى تهدأ النار التي يعيشونها والخلافات الأسرية، فالكل يُلقي باللومِ على الآخر على موافقتهم على سفر أبنائهم.. هذا، فضلاً عن نسائهم اللاتي يعشن بين الموت والحياة؛ حيث ترقد أم الشقيقين بين الموت والحياة.
ويؤكد علاء جلال زوج خالة اثنين من الضحايا أنه تمَّ التعرف عليهم في إيطاليا بمعرفة أخي المتوفي عيد محمد شعبان، والذي يعمل في إيطاليا، وأخبرونا في السفارة بأن الجثث ستصل على طائرة "مصر للطيران" القادمة من إيطاليا رحلة رقم 792 الساعة 6.30 مساء الإثنين 5/11/2007م، إلا أنهم أخبرونا بعدها بأن السلطات الإيطالية تتحفظ على الجثث لحين تحديد سبب الوفاة، ثم تضاربت الأقوال بعد ذلك؛ حيث قال الملحق الطبي بالسفارة المصرية في إيطاليا إن الجثث سوف تنتظر لحين التعرف على بقيةِ القتلى، غير مدركين أن الأهالي يموتون كل يومٍ في انتظار جثث أبنائهم.
![]() |
|
أطفال القرية في انتظار وصول جثث الضحايا |
ويناشد جلال السفارةَ المصريةَ بروما ووزارة الخارجية سرعة نقل الجثث، موضحًا أنه فور علم أهالي قرية شدموه بتأخر الجثث بادر الأهالي بجمع الأموال من أهالي القرية؛ حيث رهن بعض الأهالي بيوتهم والبعض منهم باع مصاغ زوجته من أجل عمل حوالات لإيطاليا للإسراع في شحن الجثث ونقلها للفيوم، وأكد أن هناك دهشةً عند الناس من التأخُّر في شحن الجثث، بعد أن تعرَّف أقاربُ الضحايا الموجودون في إيطاليا عليها.
ويؤكد جلال أن هناك العشرات من المصريين تم انتشالهم وإنقاذهم من الغرق، وعندما تمَّ ترحيلهم للشرطة الإيطالية أنكروا أنهم مصريون، وقالوا إنهم فلسطينيون لخوفهم من ضعف موقف السفارة المصرية معهم.
نبيع أولادنا أم نغامر بأنفسنا؟
ويقول جمال عبد الله أحد أهالي القرية إن البطالة وندرة فرص العمل هي السبب فيما يحدث، وصاح صارخًا: ماذا نفعل.. هل نبيع أولادنا.. أم نجازف بحياتنا لتوفير لقمة العيش لأسرنا؟!!، موضحًا أن الضحايا الخمس الذين تم التعرف عليهم كل واحد له قصة حزينة، فأحدهم منزله يحتاج لترميم، وهو الذي يسكن فيه أكثر من 7 أشقاء وأسرهم، ولم يجد عيد مفرًّا إلا برهن المنزل بملبغ 40 ألف جنيه حصل على 25 ألفًا منهم دفعهم للرجل الذي نصب عليهم، وهو من مركز تلين بكفر الشيخ حتى يسافر لإيطاليا ويعمل هناك ويُوفِّر النقود ليقوم برد الرهن وترميم المنزل والإنفاق على أسرته الكبيرة، إلا أن الرياح أتت بما لا تشتهي السفن بل أغرقتها!!
ويحكي عيد عبد الكريم قصة عيد محمد شعبان الذي جاء لتوه قبل عيد الفطر من ليبيا؛ حيث كان يعمل هناك، وعندما أراد العودة لم تتح له الفرصة، ولأن عائلته كبيرة، وهو عائلها الأساسي طلب منه والده السفر ضمن هذا الفوج لإيطاليا لإنقاذ العائلة من التشرد، وبعد جدالٍ بين الابن ووالده وافق الابن على رغبة والده وسافر ضمن الفوج التعيس، وعندما عرف الأب بخبر غرق نجله أُصيب بانهيارٍ عصبي وما زال غير مصدقٍ أن ابنه قد غرق.
ويضيف عيد أن أهالي القرية يعرفون بخبر غرقهم منذ عشرةِ أيامٍ ولم يستطع أحدٌ أن يخبر والد عيد بهذا الخبر لشدة الصدمة عليه، والذي لم يعرف بخبر غرق ولديه إلا أمس الإثنين 5/11/2007م.
![]() |
|
آلاف الشباب المصري يجازفون بأرواحهم بحثًا عن فرص عمل بالخارج |
ويوضح محمد فرج- أحد أبناء القرية- أن هناك ثلاثةً من أبناء القرية كتب الله لهم النجاة من هذا الحادث؛ حيث قاموا بدفع تكاليف السفر وتأخروا عن موعد إقلاع العبَّارة من الإسكندرية؛ مما عطَّل سفرهم، وهم شعبان علي شعبان الحرش (17 سنة)، ومحمد أبو المكارم رمضان (16 سنة)، وإسلام أحمد عبد العزيز (17 سنة).
وقد أشار شعبان الحرش إلى أن والده قد باع قيراطين لكي يُوفِّر له 30 ألف جنيه لسفره، إلا أن سفره تأخَّر عن الآخرين يومًا واحدًا كانت العبَّارة قد أقلعت من الإسكندرية، كما طالب بمحاسبة المسئولين عن المتاجرة بأحلام الشباب والنصب عليهم وتغريرهم بتقديم أنفسهم فريسةً سهلةً لسماسرة السفر الذين لا يهمهم حياة الشباب أو موته.
في المقابل يقول مدحت منصور- أحد الذين سافروا إلى إيطاليا ويعملون بها حتى الآن- أنه يتمنى العيش في مصر والعمل بها، مشيرًا إلى أن جحيم مصر خير من جنة إيطاليا التي يعيشون فيها أصعب وأقسى أيام حياتهم، مؤكدًا أنه الآن في إجازةٍ وتراوده فكرة عدم العودة، ولكنه عندما وجد حالة شباب قريته والبطالة التي يعيشون فيها قرر العودة للجحيم مرةً أخرى.
"تطون" الإيطالية
الكارثة في "تطون".. بهذه الجملة بدأ فارس عبد الرحمن كلامه، مؤكدًا أن "تطون" هذه تبعد عن قريتهم بأربعة كليو مترات، وبها أكثر من 30 ألف شاب في إيطاليا، والواحد منهم يسافر وهو "شاحت" ثمن التذكرة ثم يعود بعد عامٍ أو اثنين وهو راكبٌ سيارةً "أحدث موديل"، ويشتري أفضل قطعة أرض في الفيوم، وهو النموذج الذي أصبح كل شباب مركز "إطسا"، خاصةً قرية شدموه، يحلمون به ويدفعون بأرواحهم ثمنًا من أجله.
وعندما سألناه عن طبيعة العمل في إيطاليا، قال فارس إن أبناء "تطون" يعملون هناك كل شيء، وبعضهم يعمل مع عصابات المافيا، وإلا من أين يكسب ثلاثة أو أربعة ملايين جنيه في عام أو أقل؟!!، كما أنهم يأتون من إيطاليا متشربون بثقافتها، وهناك شوارع في تطون صورة من شوارع ملاينو ونابولي وروما، وبالتالي أصبح نموذج هذه القرية هو الحلم الذي يسعى إليه أبناء الفيوم.
مَن المسئول؟
ولعل هذه الكارثة التي تعيشها قرية "شدموه" تعد أحد النماذج الفجَّة للهجرة غير الشرعية التي راح ضحيتها الآلاف إما بالموت غرقًا أو بالسجن في سجون إيطاليا، دفعتنا إلى توجيه هذا السؤال لعددٍ من الخبراء عن المسئول عن هذه الكارثة؛ حيث أكد الدكتور حمدي عبد العظيم- الرئيس السابق لأكاديمة السادات للعلوم الإدارية- أنَّ مَن يقوم بهذ العملية هم محتالون ينهبون من الشباب ما بين 15 ألف إلى 40 ألف جنيه مقابل الهجرة غير الشرعية، ويحصل الشباب على هذه الأموال من بيع أراضٍ أو عقاراتٍ أو مشغولاتٍ ذهبية لأهاليهم، وهو ما يُعدُّ تبديدًا للموارد الاقتصادية المصرية.
مؤكدًا أن استغلال الشباب لهذه الممتلكات يعدُّ أثمر من الهجرة للخارج، ولأن الأفضل استغلالها عن طريق المشاريع الصغيرة التي تحد جزئيًّا من البطالة وتُنمي الدخل القومي، إلا أن هناك دوافع أخرى تُحرِّك هؤلاء الشباب مثل الطمع والثراء السريع، وما شاهدوه من بعض النماذج الناجحة في تجربة الهرب وتحولوا لأثرياء ورجال أعمال بعد حياةٍ معدومةٍ فقيرةٍ في مصر، وهو ما يُمثِّل لهم نموذجًا يُحتذَى به، مؤكدًا أنه في المقابل فإن البطالة تُعدُّ أحد أسباب تفاقم مشكلة الهجرة غير الشرعية.
ويرى الدكتور صلاح الفوال- أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس- أن الشباب يعاني من حالة عدم الانتماء وإغلاق مصادر الرزق المختلفة فهم لا يستطيعون العمل في بلدهم؛ ما يدفعهم إلى الهجرة لأي مكانٍ حتى ولو كان غير مضمون ليجد لنفسه فرصة عمل هناك، فهي محاولة بائسة للخروج من الواقع المؤلم، مؤكدًا أنه يعيش في مصر حياةً أقرب للانتحار؛ ولذلك فهو يذهب إلى الجحيم بإرادته؛ لأن كل الطرق تؤدي إلى روما.


