- د. زين الدين: القرار تأخَّر أكثر من20 عامًا ومشكلة الطاقة لن تحل بمحطتَيْن

- د. بركات: البرنامج يناقَش داخل الغرف المغلقة وليس في الإعلام لدوافع أمنية

- د. الأشعل: "أنا مش فاهم حاجة ومكسوف من البلد دي.. حنعمل إيه بالنووي؟!"

- المستشار عمر: الخوف من كامب ديفيد نووية "والقرار أحسن من مفيش!!"

 

تحقيق- حسونة حماد

تسود مصر حاليًّا حالةٌ من الهدوء "المتوقَّع" والتكتُّم الشديد حول تفاصيل وتطورات البرنامج النووي السلمي لمصر بعد الضجة الإعلامية الهائلة التي أُثيرت عن استئنافه لإنتاج الطاقة للأغراض السلمية.

 

وفي ظل هذا التكتُّم، علم (إخوان أون لاين) أن هناك ضغوطًا من جانب رجال الأعمال والمشروعات السياحية، ستكون من أهم أسباب تأخر البدء في تنفيذ مشروع المحطات النووية في الضبعة، وأنه قد يتم استبدال الموقع، ونقل المشروع النووي إلى منطقة النجيلة بمرسى مطروح على الساحل الشمالي الغربي، وأنه من المتوقع أن يتأخر بدء تنفيذ المحطات النووية إلى ما بعد عام 2012 على أقل تقدير، خاصةً وأن الخطة الخمسية 2007/ 2012 لم تتضمن أية إشارة إلى مشروع المحطات النووية؛ حيث ركَّزت الخطة فقط على تنمية مشاريع الطاقة المتجددة، مثل المحطات المائية والرياح والطاقة الشمسية، وهو ما يؤكد تأخر البدء في تنفيذ المشروع.

 

كانت ردود الأفعال قد تباينت حول إعلان الرئيس المصري محمد حسني مبارك عن بدء تفعيل البرنامج النووي المخصَّص للأغراض السلمية، بين مؤيد ومعارض، وقلَّل عدد من خبراء الهندسة النووية والطاقة وعددٌ من السياسيين من أهمية إعلان الرئيس المصري البدءَ بإقامة محطات ومفاعلات نووية، وشكَّكوا في جديَّة النظام بشأن استئناف البرنامج النووي السلمي، وقالوا إن مصر غير مؤهَّلة لإنشاء محطات ومفاعلات نووية.

 

مؤكدين أن إعلان الرئيس مبارك عنها يعدُّ ورقةً ولعبةً سياسيةً للاستهلاك الإعلامي؛ بهدف كسب رضا الشارع المصري، وللفت الانتباه إلى مؤتمر الحزب الوطني، الذي عُقِدَ السبت 3 نوفمبر 2007م، فيما دافعت أطراف أخرى عن المشروع وقالت إنه يعدُّ خيارًا إستراتيجيًّا للحاجة إلى الطاقة في عملية التنمية والتصنيع، خاصةً في ظل الظروف الداخلية والتهديدات القائمة في المنطقة العربية.

 

محطتان بلا قيمة

 

د. عصمت زين الدين

في البداية يؤكد الدكتور عصمت زين الدين- مؤسس قسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية والمستشار النووي السابق للرئيس جمال عبد الناصر- أنه ليس هناك بديلٌ عن امتلاك الطاقة النووية، وقال إن صدور القرار تأخَّر أكثر من 20 عامًا، وإننا لا نستطيع تجنب كارثة طاقة قادمة، وما يترتب عليها من كارثة اقتصادية لعدة سنوات.

 

ورغم تأكيده على ضرورة بناء المحطات النووية، إلا أنه يرى أن شكل البرنامج الذي تم الإعلان عنه لا يكفي لحل كارثة الطاقة في مصر، مستنكرًا في هذا الصدد الموافقة الصهيوأمريكية على البرنامج النووي لمصر، لافتًا إلى أن هذه الموافقة جاءت بعد أن أصبح لهم مصالح قوية؛ لأن الوقود سيكون تحت سيطرة الصهيونية الدولية؛ مما سيترتب عليه سيطرة اقتصادية قوية على الشعب المصري.

 

ويرى د. زين الدين أن مصر لا تستطيع خلال الـ15 سنة القادمة سوى بناء محطتَيْن نوويتَيْن كل محطة 1000 ميجاوات، وهذه لن تحل مشكلة الطاقة، موضحًا أنه من المفترض في 2020 أن تكون المحطات المركزية للشبكة العامة 22.500 ميجاوات، وبما أن الاحتياجات تزيد 10% سنويًّا فهذا يعني أنه بعد سبع سنوات- أي في عام 2012- من المفترض أن تكون الشبكة العامة 45.000 ميجاوات، وبعدها بسبع سنوات أخرى تكون 80.000 ميجاوات، وبالتالي فإن المحطتَين النوويتَين اللتين سيتم الانتهاء من بنائهما خلال الـ15 سنة القادمة لن تكون لهما أي قيمة، ولن تَحُلاَّ مشكلة الطاقة، فضلاً عن أنهما سيَستَنْفِذان ويُرهِقَان الاقتصاد المصري.

 

دوافع أمنية

 

محمود بركات

في المقابل دافع محمود بركات- رئيس هيئة الطاقة الذرية العربية السابق- عن أهمية المشروع، وقال إن إنتاج مصر الحالي من الكهرباء لن يكفي الاحتياجات السكانية والصناعية بعد فترة قصيرة، وإن هناك حاجةً لتوفير أكثر من 20 ألف ميجاوات من الطاقة في المستقبل القريب، وهو ما تستطيع أن تلبِّيه مصادر الطاقة الأخرى كالرياح والشمس.

 

ويُرجع بركات حالةَ التكتُّم الحكومي حول هذا الملف لأسباب تتعلق بالأمن القومي والسرية، مشيرًا إلى أن النقاشات والاجتماعات مستمرة منذ الإعلان عن المشروع العام الماضي، لكن داخل الغرف المغلقة وليس في وسائل الإعلام.

 

وحول إمكانيات مصر المادية والبشرية يؤكد أن مصر تمتلك قاعدةً كبيرةً من العلماء والمتخصصين  والكوادر البشرية، الذين تلقَّوا تدريباتٍ منذ السبعينيات في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وكندا، موضحًا أن الحكومة تمتلك بدائل تمويل عديدة، بدءًا من الاكتتاب العام، وصولاً إلى الشراكة مع الدول الأجنبية.

 

هنعمل إيه بالنووي؟!

 

د. عبدالله الأشعل

وعلى الصعيد السياسي، يقول السفير الدكتور عبد الله الأشعل- مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق-: إنه إذا كانت هناك دراسات علمية جادَّة وموضوعية وصادقة، وليس لعلماء تحت الطلب باعوا ضمائرهم، تؤكد أن مصر تحتاج إلى طاقة نووية يمكن السيطرة عليها من ناحية الأمان النووي وتكاليفها في متناول اليد، وإذا كان الهدف الحقيقي خدمةَ وتنميةَ مصر، فأنا أؤيد هذا البرنامج، أما إذا كان تنفيذ البرنامج باهظ التكاليف "كما سمعنا وقد يصل إلى 30 مليار دولار"، ويوجد لدينا بدائل، فأعتقد أن القرار يهدف إلى أشياء أخرى "أنا مش فاهمها".

 

مؤكدًا أنه إذا كان الهدف من إعلان هذا القرار الاستهلاك الإعلامي والترويج لمرحلة جديدة، فيجب أن نتقِيَ الله في هذا البلد، ولا نتلاعب بمشاعر الناس، وأعتقد أن مصر لن تكون نوويةً؛ لأن العملية ليست مجرد تصريحات إعلامية، ولكن الأمر يحتاج إلى قرارات مدروسة.

 

ويرى الأشعل أن تظل مصر على موقفها لإخلاء المنطقة من التلوث النووي، وأن تصر على نزع الكيان الصهيوني لسلاحه النووي، موضحًا أن مصر ليست بحاجة إلى برنامج نووي أصلاً، ولكنها بحاجة إلى حلِّ المشاكل الاقتصادية والاجتماعية بطريقة أكثر كفاءةً، فيما أن البرنامج يجعل مصر تستدين مرةً أخرى، ولا أظن أن مصر قادرةٌ على إدارته بشكل طيب، أو قادرةٌ على وضع الضمانات الأمنية ووسائل الأمان في المنطقة؛ وذلك لأن فقْد وسائل الضمان والأمان يهدد الأمن المصري، خاصةً بعد التسريب النووي في روسيا خلال الأيام الماضية، والذي صعُب ضبطُه حتى الآن.

 

ويضيف الأشعل قائلاً: "أنا كأحد المثقَّفين العرب والمتابعين والمتخصصين لا أفهم هذا القرار، وإذا كان لديهم مذكرة شارحة لذلك، فلا بد أن يوضحوها وينشروها للناس"، ويلفت إلى أهمية التفريق بين البرنامج النووي والدوافع الإستراتيجية والسياسية؛ فإذا كان البرنامج يهدف إلى معالجة وخدمة قضايا التنمية والطاقة بناءً على دراسات دقيقة يكون برنامجًا ضروريًّا، أما إذا كان مبنيًّا على اعتبارات إستراتيجية تتعلق بالمكان والصراع مع الدول النووية، فإن هذا الهدف يحتاج إلى مراجعة؛ لأن ميزان القوى عسكريًّا لا يسمح بذلك، فضلاً عن أن المنطقة لا تحتمل هذا النوع من التسلح، بالإضافة إلى تكلفته الاقتصادية العالية.

 

ويختتم الأشعل حديثه قائلاً: أنا مكسوف من بلد ذات اقتصاد متعثِّر، وإعلام مقيّد، وسياسة خارجية مفيش، وتحتاج إلى احتراف.. هتعمل إيه بالنووي؟!!

 

كامب ديفيد جديدة

من جهته يربط المستشار حسن أحمد عمر- الخبير في القانون الدولي والرئيس السابق لمحاكم الاستئناف- بين القرار باعتباره يحمل في مظهره عُبورًا نحو التقدم، وبين قرار حرب أكتوبر وعبور خط بارليف، كما شاهده في أحد الكاريكاتيرات، ويقول: "عملنا نصر كبير في أكتوبر 73 وضيَّعناه بـ"كامب ديفيد"، والخوف أن يضيع هذا القرار بكامب ديفيد جديدة، ولكن بصفة عامة هي خطوة موفقة على الأقل وأحسن من مفيش"!!.

 

ووصف الدكتور عمار علي حسن- مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط- التصريحات الحكومية بأنها موسمية، تنطلق وتختفي سنويًّا بالتزامن مع مؤتمرات الحزب الحاكم، في محاولةٍ لحشد التأييد الجماهيري للحزب، "والدليل أنه منذ العام الماضي لم نسمع بأي إجراءات أو خطط للبدء في المشروع".

 

ولم يستبعد حسن وجود ارتباط بين "الإعلان النووي وتآكُل شعبية النظام داخليًّا"، مشيرًا إلى تزامن التصريح مع طرْح الإخوان المسلمين- كبرى جماعات المعارضة- لبرنامج حزبهم، ويرى أن "النظام يحاول المزايدة سياسيًّا على الجميع".

 

لكنه استبعد وجود رسالة ضمنية للخارج في الإعلان عن البرنامج النووي، وقال: "رغم وجود تأزُّم غير خفي في العلاقات بين القاهرة وتل أبيب، فالعقيدة السياسية للرئيس مبارك ونظامه- فضلاً عن الظروف الإقليمية- تتناقض تمامًا وفكرة امتلاك سلاح نووي".

 

شكوك حقيقية

 

عبد الله السناوي

ويضيف عبد الله السناوي- رئيس تحرير جريدة (العربي) الناصري- أنه من حيث التوجه الإستراتيجي فهناك ضرورات أمن قومي لتوفير مصادر جديدة للطاقة، خاصةً مع احتمال وقرب نضوبها، وأعتقد أن هذا هو إجماعٌ لكل المصريين بلا استثناء، ولا يوجد أي قوى وطنية أو سياسية تمانع في أن تكون مصر نوويةً سلميةً، لكن في الحقيقة نخشى أن نعود إلى الكلام نحو مزيد من الدراسات وتشكيل لجان، ثم لا نجد شيئًا على أرض الواقع.

 

ويوضح السناوي أن هناك شكوكًا حقيقيةً في مدى جدِّيَّة أن يتحوَّل القرار إلى مشروع وطني عام، ويرى أن هناك علاقةً بين توقيت صدور القرار وبين فكرة التمهيد للتوريث، مطالبًا بضرورة إبعاد الحزب الوطني عن تنفيذ هذا البرنامج، وتظل هذه القضية باجماع وطني حقيقي.

 

ويقول السناوي: إن مصر- بلا شكٍّ- لديها إمكانيات علمية كبيرة في المجال النووي، ولكنها معطلة ومهجَّرة ومهمَّشة، ويتعرض عددٌ كبيرٌ منهم للاغتيال، إذًا فمصر لديها القاعدة العلمية والقبول الشعبي، ويبقى فقط الإرادة السياسية الحقيقية لإنشاء هذا المشروع، شرط وجود سياسة وإستراتيجية واضحة لتحويل القرار إلى فعل على أرض الواقع، وهو ما يؤكده أيضًا خليل العناني- الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- متسائلاً: هل الدخول في هذا المجال يمثل أولويةً في هذا التوقيت أم لا؟ مؤكدًا أنه بالفعل يمثل أولويةً لمعظم الدول التي تعاني إلى حدٍّ ما من نقص في مصادر الطاقة.

 

وهل سيتم الإنفاق على هذا المشروع "البرنامج" من خلال استقطاع أجزاء من الميزانية الخاصة ببعض القطاعات الحيوية كالتعليم والصحة وغير ذلك أم من موارد أخرى؟! متمنيًا ألا يتم الإنفاق عليه من قطاعات حيوية حتى لا تتكرر تجربة كوريا الشمالية وفكرة تكريس كل موارد الدولة للطاقة النووية.

 

ويرى العناني أن تزامن القرار مع المؤتمر العام للحزب الوطني، ربما يكون محاولةً للتغطية على أهداف أخرى، داعيًا إلى أهمية وجود تعاون عربي مشترك إنشاء محطات نووية سلمية تعود بالنفع على الجميع، وأن يتم توجيه جزء من الاستثمارات الخليجية لهذا المجال بدلاً من توجيهها للاستثمارات الأجنبية.

 

الابن والأب

 

 د. جمال زهران

من وجهة نظر أخرى يتمنَّى الدكتور جمال زهران- أستاذ العلوم السياسية وعضو مجلس الشعب- أن يتحول البرنامج النووي المصري السلمي إلى برنامج عسكري؛ لأنه- كما يقول- يعدُّ الوسيلة الوحيدة في الوقت الراهن لإحداث توازن قويّ في المنطقة، خاصةً أن الكيان الصهيوني يمتلك الأسلحة النووية، وبدون تحويله للأغراض العسكرية مستقبلاً سيكون تحصيلَ حاصلٍ، ومجردَ دعاية سياسية.

 

إلا أنه أكد أن "صانع القرار المصري لم يعُد يثير الخارج أصلاً، بعد أن تمَّ تأميم صنَّاع القرار العربي لصالح المشروع الصهيوني الأمريكي في المنطقة"، واعتبر أن التمويل وتوافُر الكفاءات البشرية لن يعوقا الخطط الحكومية لإقامة محطات كهرباء تعمل بالطاقة النووية "إذا صدقت النوايا الحكومية وتوافرت الدراسات والأبحاث والتحضيرات العملية على الأرض للمشروع".

 

وحذَّر زهران من عدم وجود إرادة سياسية حقيقية لهذا المشروع، وأبدى خشيتَه من تحوُّل الأمر لمجرد دعاية سياسية لمؤتمرات الحزب السنوية إذا لم يقترن بإجراءات عملية، مثل تحديد موقع المفاعل النووي المفترض وسبل تمويله.

 

وقال إن الرئيس مبارك هو الذي قرَّر غلق المحطات النووية المصرية في عام 1985م نتيجةً للضغوط الخارجية والأمريكية بالإضافة إلى الأوروبية، وتوقفت تمامًا منذ هذا التاريخ، وبرَّرت مصر موقفها، بأن هناك خطورةٌ من ورائه بعد انفجار مفاعل تشرنوبل؛ ولذلك تنازلت عن هذا المشروع.

 

مشيرًا إلى أن هناك أقوالاً تؤكد أن هذا المشروع يصبُّ في إطار حمَّى التوريث، وتدعيمه على مستوى الشارع المصري؛ وذلك لأن ابن الرئيس- جمال مبارك- هو الذي أعلن عنه العام الماضي والأب يعلن عنه اليوم قبل بدء أعمال المؤتمر التاسع للحزب الحاكم، وذلك في إطار توزيع الأدوار بينهما لتوريث الحكم.