في ظل المشكلات العديدة التي باتت تؤرِّق الشباب، لم يعُد الزواجُ ذلك الحلمَ الورديَّ الذي يداعب خيالَ الشاب والفتاة، وينتظرانه لتحقيق أمنية العمر، وأصبحت العزوبية ظاهرةً ونتيجةً طبيعيةً لما يعانيه الشباب من ظروف يصعُب معها- بل يكاد يستحيل- على الكثير منهم توفير مسكن مستقل بعد سنوات طويلة من العمل.

 

الثابت أن العزوبية أصبحت خيارًا عند الشباب العربي؛ حيث تؤكد الإحصائيات الواردة في عدد من البلدان العربية أن حوالي ثلثي الشباب العربي اختاروا العزوبية بدلاً من الزواج لأسباب عديدة، منها: النفسي والاجتماعي والاقتصادي؛ فقد كشفت دراسةٌ أجراها جهاز التعبئة العامة والإحصاء المصري أن هناك نسبةً متزايدةً لغير المتزوجين بين الشباب المصري بلغت 37% منهم.

 

وفي لبنان أثبتت الدراسات التي أجرتْها وزارةُ الشئون الاجتماعية اللبنانية أن نسبة العوانس تتساوَى مع نسبة الشباب العازبين، كما أكدت أن نسبة الذكور المتزوِّجين من الفئة العمرية (25: 30) سنةً تبلغ 1.95%، وتعود أسباب العزوف عن الزواج إلى الرغبة في الاستقلال والحرية والأفكار المسبقة عن الزواج؛ مثل الخيانة الزوجية والمشاكل الأسرية.

 

 
أما عن نسبة العازِبِين في سوريا، فقد أكدت الإحصائيات الصادرة عن المرصد الاجتماعي السوري أن أكثر من 50% من الشباب السوري لم يتزوجوا بعد، وأضافت الدراسة أن عزوف الشباب عن الزواج يرجع إلى تكاليف الزواج الباهظة، والمغالاة في المهور، ورغبة الشباب في المزيد من الحرية.

 

من ناحية أخرى، كشفت دراسةٌ قامت بها مصالح الأسرة التونسية أن نسبة العازبين في تونس بلغت 67% من المنتمين إلى الفئة العمرية (25: 29) سنة، كما أكدت الدراسة ارتفاع نسبة العازبين الذكور لأكثر من 85% مقابل 49% للإناث.

 

كما أشارت الإحصائيات الرسمية الكويتية إلى أن نسبة العازبات بلغت 30%، كما أوضحت أن الشباب الكويتي بدأ يتأخر في الإقدام على الزواج لأسباب عديدة، منها تكاليف الزواج المرتفعة؛ لذا قام بعض رجال الأعمال ومسئولي الجمعيات الأهلية والخيرية بتأسيس صندوق للزواج للتوفيق بين الراغبين في الزواج من الجنسَين، وكذلك تقديم القروض المالية لمساعدة الشباب في الحصول على الشقة وتجهيزها.

 

عازب بأمر المجتمع

ولأن العزوبية أصبحت ظاهرةً تستحق التوقف عندها لدراستها وإيجاد الحلول المناسبة لها، كان لنا هذا اللقاء مع أحد الشباب المتديِّن؛ يقول أحمد يوسف (محاسب): على الرغم من أنني قد تجاوزت الثلاثين من عمري، إلا أنني لم أفكر في الزواج بعد، ربما لأنني لست مهيَّأً بعدُ للارتباط لأسباب عديدة، منها ارتفاع تكاليف الزواج، وصعوبة إيجاد المسكن المناسب، بالإضافة إلى وجود العديد من الأُسَر التي ما زالت تغالي في المهور؛ وذلك على الرغم مما يعانيه الشباب من ظروف صعبة، فكيف أفكِّر في الزواج في ظل هذه الظروف؟!

 

أما المهندس تامر السيد فيقول: في الآونة الأخيرة تغيَّرت قيم المجتمع، وأصبحت العزوبية شبحًا مخيفًا، يهاجم الشباب في غالب الأحيان؛ بسبب ظروف المعيشة الصعبة، وبطالة الخرِّيجين، وتكاليف الزواج الضخمة، وبعد أن أصبح الزواج صفقةً مربحةً للعديد من الأسر، هل نتخيل أن يفكر أي شاب عاقل في الزواج؟!

 

أما فاطمة علي (بكالوريوس تجارة) فلها رأي آخر تلخِّصه بقولها: أرى أن الشباب ليس عازفًا عن الزواج برغبته؛ فالعزوبية نتيجة طبيعية لما يعانيه الشباب من غياب فرص العمل والمغالاة في المهور، والبذخ في الأفراح، ولعل من أهم الظواهر التي تدل على ذلك كثرة العلاقات غير المشروعة، وانتشار حالات الزواج العرفي، وأرى أنه من الضروري عدم مغالاة الأهل في المهور، والعمل على تأسيس مسكن الزوجية بأقل التكاليف الممكنة؛ حتى نتمكن من حل مشكلة العزوبية.

 

وتقول مها شعبان (طالبة بكلية آداب القاهرة): أرى أن القدرة المادية ليست هي الشمَّاعة التي يجب أن تعلَّق عليها ظاهرة العزوبية؛ ففي بعض الأحيان يكون الشاب لديه من الإمكانات المادية ما يكفي للزواج إلا أنه لا يتزوج، وهنا يرجع عزوف الشباب عن الزواج لأسباب عديدة، منها الرغبة في الحرية والاستقلالية، وكذلك الأفكار المسبقة عن الخيانة الزوجية والخلافات الأسرية، والتي قد يكون عاشها الشباب بين عائلاتهم، وكل هذه الأمور تجعل من الزواج أمرًا مكروهًا؛ مما يجعل البعض يقول: "نار العزوبية ولا جنة الزواج".

 

ويرى مجدي السيد (مدرس لغة عربية) أن الكثير من الشباب بات يميل إلى العزوبية التي أصبحت أمرًا واقعًا؛ حيث يراها الشابُّ الحلَّ الوحيد أمامه، وخاصةً بعد أن أصبح الزواج لدى الكثيرين صفقةً مربحةً ومفاخَرةً، لا لشيء إلا لملء المجالس- وخاصةً النسائية- بالحديث عن فخامة المهر، دون التفكير فيما يعانيه الشباب من أعباء اقتصادية، وما يترتب على ذلك من أعباء سلبية تدفع بعض الشباب للجوء إلى الطرق غير المشروعة للزواج، والتي تغني غالبًا عن معنى الزواج.

 

القيم تغيَّرت

عرضنا هذه المشكلة على د. اعتماد علام- أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس- فقالت: لا شك أن النظر والبحث في أسباب وجود هذه الظاهرة وتزايُد أعداد أصحابها، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالتغيُّر الاجتماعي؛ حيث إن هناك عوامل عديدة أسهمت في ارتفاع نسبة العزوبية، ومن أهم هذه العوامل ما يعانيه الشباب من ظروف معيشية صعبة، في ظل البطالة وضآلة الأجور.

 

 الصورة غير متاحة
ولا شك أن المغالاة في المهور وجعلها صفقاتٍ مربحةً مع ارتفاع تكاليف الزواج والبذخ في الفرح، من أهم الأسباب التي أدت إلى انتشار العزوبية، والثابت أيضًا أن أغلب الإناث أصبحن في الفترة الأخيرة يمثِّلْنَ عائقًا آخر؛ بحيث أصبحن يشترطن المؤهل العالي؛ فالطبيبة لا بد أن تتزوج طبيبًا، والمهندسة لا بد أن تتزوج مهندسًا، إلى جانب وجود شقة وسيارة فخمة؛ فماذا سيفعل الشاب محدود الدخل وهو يرى هذه الصورة أمامه؟! بالطبع سيتجه نحو العزوبية.

 

ومن هنا تطالب د. اعتماد علام بضرورة تصدِّي المجتمع بفئاته المختلفة لهذه الظاهرة؛ فينبغي على الأسرة أن تعِيَ أن قضية تعسير الزواج أمرٌ يرفضه الدين والمجتمع، وأن الحل السلمي لقضية العزوبية هو التيسير والتخفيف من معاناة الشباب والفتيات، من خلال عدم المغالاة في المهور، وعلينا ألاَّ ننسى هنا دور الأسرة في تنشئة الأبناء وتربيتهم على الدين القويم والخلق؛ بحيث تقدِّم الفتاة الخلق والدين على الإمكانات المادية والمؤهلات الأخرى؛ لأن الدين والخلق هما أساس بناء حياة زوجية سعيدة.

 

وتضيف د. اعتماد قائلةً: يجب أن يكون لرجال الأعمال والمؤسسات الأهلية والخيرية دورٌ فعَّالٌ؛ للحدِّ من هذه الظاهرة، وذلك من خلال المساهمة في إقامة مشروعات للشباب، والمساهمة في تأسيس صندوق للزواج يستهدف التوثيق بين الراغبين من الجنسَين في الزواج، وتقديم القروض المالية اللازمة لتجهيز مسكن الزوجية، على أن تكون هذه القروض بدون فوائد وعلى أقساط مريحة.

 

كما أشارت د. اعتماد إلى ضرورة قيام رجال الأعمال بتوجيه جزء من أموالهم للمساهمة في الإكثار من وحدات الإسكان لمحدودي الدخل؛ للتيسير والتخفيف من معاناة الشباب لمواجهة ظاهرة العزوبية.

 

أفكار مسبقة

يرى د. محمود هاشم يوسف- أستاذ الأمراض النفسية والعصبية- أن أسباب هذه الظاهرة وتزايد إقبال الشباب على العزوبية يرجع إلى عوامل نفسية عديدة، منها اضطراب البناء النفسي للشخصية؛ نتيجة اختلال العلاقات الأسرية وافتقارها للجوِّ الأسريِّ الدافئ، وكثرة الخلافات التي تنتج عن ذلك؛ مما يجعل بعض الشباب يعزف عن الزواج تفاديًا لهذه الخلافات التي يسمعون عنها من الأصدقاء، أو قد يكون عاشها الشباب بين عائلاتهم، ولا شك أن هذه الأفكار المسبقة عن الزواج تجعل منه أمرًا مكروهًا.

 

ويضيف د. محمود قائلاً: إن هناك أسبابًا أخرى أدَّت إلى انتشار العزوبية، منها الرغبة في الاستقلال والحرية، والهروب من تحمل مسئولية الزواج؛ فإن تم الزواج نجد الشابَّ مع أول اصطدام بأعباء الزواج يفشل وينتابه شعور بالحنين للعزوبية، وقد يصل الأمر في كثير من الأحيان للطلاق؛ مما يجعل الشباب غير المتزوج يحجم عن الزواج.

 

حل وهمي

 لذلك يرى د. محمود هاشم أنه لا بد من التصدي لظاهرة العزوبية، والتي فرضت نفسها بقوة على واقعنا العربي، من خلال تنمية وعي الشباب لاتخاذ موقف ضد العزوبية؛ فيجب أن يعرف الشباب أن وجود بعض الخلافات الأسرية بعد الزواج لا يعني بالضرورة فشَلَ هذا المشروع واختيار العزوبية بديلاً لها؛ لأن هذا بالتأكيد تفكير سطحي وغير ناضج على الإطلاق؛ فقد أكدت الدراسات العلمية الحديثة أن مشاكل العزوبية أخطر بكثير من مشاكل الحياة الزوجية، فالعازبون أكثر تعرضًا للأمراض والوفاة من المدخنين، ويرجع ذلك جزئيًّا لفقدان الدعم الاجتماعي والعاطفي لدى العازبين؛ فالعزوبية ليست إلا وهمًّا وهروبًا من تحمُّل المسئولية وأعباء الزواج.

 

أن تضحي بالأخلاق!!

 الصورة غير متاحة

 المستشار د. علي جريشة

أما المستشار د. علي جريشة- أستاذ الشريعة الإسلامية جامعة الإمام محمد بن سعود- فيرى أنه من أهم الأسباب التي أدَّت إلى انتشار العزوبية في الآونة الأخيرة هو البعدُ عن القيم الإسلامية، وخاصةً البعد عن الأخلاق بالنسبة للشباب؛ فأكثر الشباب الآن- إلا من رحم ربي- لا يلتزمون بالخلق الإسلامي، ومِن ثَمَّ يقعون في مشاكل المجتمع المادية ومتطلباته الكثيرة بالنسبة للزواج؛ من حيث المغالاة في المهور، وإلزام الشاب بما يفوق قدراته المادية، وبالتالي يجد الشباب المنقذ لهم والمنجى هو اللجوء للعزوبية، ويترتب على ذلك درجات الانحلال المختلفة، التي تتساقط في المجتمع، ويقوم البعض بتغطيتها بغطاء شرعي كاذب ومزوّر، مثل الزواج العرفي وغيره من الطرق المستحدثة للزواج.

 

ويرى د. علي جريشة أن علاج هذه الظاهرة يكمن في العودة إلى القيم الإسلامية التي تيسِّر سبيل الحلال وتعسِّر سبيل الحرام بأسمائه المختلفة؛ فيجب على الأهل عدم المغالاة في المهور وتكاليف الزواج؛ وذلك للتيسير والتخفيف من معاناة الشباب والفتيات، ولا شك أننا سنجد يومًا ما مَن ييسِّر سبل الزواج، وستنتهي المشكلة تمامًا بإذن الله.