تأتي من هناك مسرعًا لاهثًا تتقطع أنفاسك، منحنيًا ظهرك، تضع يديك على ركبتيك فاتحًا فمك ليكمل ملء رئتيك بالهواء الذي ينقصك من الأنفاس المتلاحقة.
مرسوم على وجهك علامات الأسى، وفي عينيك دمعة متحجرة لا تعرف طريقها للنزول، تنظر إلى مكان السوق الذي كان منذ قليل ممتلئًا بالناس والحركة والحياة، ولكنه لِتَوِّه قد انفضَّ ولم يبقَ منه إلا بواقي أطلال، ترى بعينيك الأطفال الصغار وهم يرفعون بأيديهم الرقيقة الزينات والفوانيس التي كانت رمز بهجة وفرح واحتفال.
تتحامل على نفسك وتُسرع في الخطى من جديدٍ بعض خطواتٍ إضافية لتصل لقاعة الاحتفالات والمهرجانات، تفتح بابها يَحدُوك أمل وتتصاعد أنفاسك أكثر فأكثر خوفًا من أن يكون ما تخشاه بالفعل قد حدث..
تطل برأسك داخل القاعة.. تتسع حدقتا عينيك.. وللحظة يتوقف لهاثك وأنفاسك.
بالفعل قد حدث ما حدث، ووقع ما تخشاه، قاعة الاحتفالات فارغة.. والمقاعد المتراصة ليس بها جنس بشر، فقد احتفل الجميع وأخذوا جوائزهم ومضوا لحال سبيلهم.
لم تعد قدماك تحملانك.. تجلس على الأرض مسندًا ظهرك للحائط من خلفك، مطرقًا برأسك، مغمضًا عينيك، تتجرَّع غُصَّة الألم والحسرة في حَلْقك.
نعم.. لقد انقضت تلك الأيام المعدودات، وانفضَّ السوق الذي ربح فيه مَن ربح وخسر فيه مَن خسر، وذهب الناس بعد أن احتفلوا بصومهم وقيامهم ودعائهم ونالوا جوائزهم في يوم الجائزة، وفرحوا بصيامهم الفرحة الأولى عند فطرهم، ولا يزالون يَدِّخُرون فرحتهم الأخرى عند لقاء ربهم.
تعود بذاكرتك للوراء تُؤنِّب نفسك وتَعُضُّ على شفتيك فقد تأخَّرت للاستعداد والحضور، كان الناس من حولك يتسابقون ويهرعون إلى الله بذكرٍ وصيامٍ وقيامٍ ودعاءٍ وقرآن، وكنت أنت لاهٍيًا سَاهيًا، لم تُدرك عظم هذه الأيام وبركة هذه النفحات إلا بعد أن فات الأوان، وبعد أن سبق المجتهدون بالجوائز والأجر، وبعد أن فاض عليهم الكريم برحماته وفضله وثوابه وعتق رقابهم من النيران.
تعود من جديدٍ لتقف على قدمين لا تكادان تحملانك.. تجر خطواتك يائسًا حزينًا بعيدًا عن السوق، باكيًا على حالك وحزينًا على خسرانك.
تَسِيرُ تائهًا لا تعلم أي وجهةٍ تسير لها، تُفكِّر في الأمر.. ما دام رمضان قد فات، إذن فلأكمل حياة اللهو والمجون، ما دام الأجر العظيم والثواب الجزيل قد ضاع فلأستمر في حياتي التي كنت عليها من غفلةٍ وبُعدٍ عن الله وتقصيرٍ في الطاعات وإسرافٍ في المعاصي والذنوب، تُوعز إليك نفسك بأنك هكذا ولن تكون إلا هكذا: عبدٌ مُقصِّرٌ مُفرِّط في أواخر الصفوف، بعيدٌ عن الرحمات غارقٌ في الشهوات.
تزداد أسًى.. فحديث نفسك لك يلمس الحقيقة، فلتوِّكَ قد فقدت أعزَّ عزيزٍ يُفتقَد.. شهر رمضان، ولكن تفقده دون أن تجد مَن يواسيك ويَربت على كتفك ويمسح دمعك، فالكل من حولك قد احتفل وذهب مسرورًا سعيدًا بجائزته، ذهب ليرتاح من طول عملٍ وقيامٍ في أيام وليالي رمضان.
تمشي مُطرقًا وتكاد أن تُغادر المكان، فإذا بك تسمع صوتًا يتردد من قاعة الاحتفالات، تُعَاود الخطى مرةً أخرى عائدًا إليها.. تشخص عيناك وترهف السمع فإذا بك تسمع هذا النداء يتردد : "... أهل طاعتي أهل محبتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم، وإن أبَوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأُطهرهم من المعايب، مَن أتاني منهم تائبًا تلقيته من بعيد، ومَن أعرض عني ناديته من قريب، قائلاً: عبدي.. أين تذهب؟ ألك ربٌّ سواي؟ الحسنة عندي بعشر أمثالها وأزيد، والسيئة عندي بمثلها وأعفو، وعزتي وجلالي لو استغفروني منها لغفرتها لهم".
نعم صِدقٌ ما تسمع، إنه النداء من ربِّ العزة والجلال لك أنت يا مَن تَاهَ منك شهر رمضان وغرقت في المعاصي وبعدت عن رحماتِ الله، "إن تابوا إليَّ فأنا حبيبهم وإن أبوا فأنا طبيبهم".. يا لرحمةِ الله.. أبعد هذه الرحمة رحمة؟! وبعد هذا الكلام كلام؟! واسمع قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)﴾ (الزمر).
أما زلت تائهًا تتنكب الطريق وتضل السعي وتهدر العمر؟ أما آن لك أن تتنبه وتفيق، وأن تتوجه لخالقك ومولاك؟، ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنْ الْحَقِّ..﴾ (الحديد: من الآية 16).
أسرع.. هيَّا إلى ربك فأبواب رحمته لا زلت مشرعة مفتوحة، ومغفرته قريبة قريبة، أدرك أمرك، وعُدْ إلى ربك وانْهَلْ من تلك الكنوز الرمضانية التي لم تنتهِ بعد.
* فغاية الصيام الأولى كانت التقوى ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فالْحَقْ بنصيبك منها، رَاقِب الله في سِرِّك وعلنِك، راقب الله في خطرات الظنون وخائنة العيون، راقب الله في عملك وتحرِّي الحلال في مأكلك ومشربك.
* وأتْبِع رمضان بصيام ستةِ أيامٍ من شوال تكن كمَن صام الدهر كله.
* وها هو الشتاء ربيع المؤمن على الأبواب، يطول ليله فقُمْهُ، ويَقصُرُ نهارُه فصُمْهُ.
* وانظر أمامك جيدًا على مرمى البصر تلمح في الأفق تلك النفحات الربانية والأضواء الزاهية البراقة، ليست سرابًا ولا خداعًا، إنها العشر الأوائل من ذي الحجة، خير أيام العام، فرصة هي لك للصيام والقيام والذكر والدعاء وتعويض ما فات، وفيها يوم عرفة خير يومٍ أشرقت عليه الشمس، صيامه يُكفِّر عامًا قبله وعامًا بعده.
* أمسك بكتاب ربك، وإن كان الآخرون قد أعادوه بعد رمضان للرفوف ليعلوه من جديد التراب، فاجعل أنت لك منه وردًا قرآنيًّا تطمئن له القلوب وتحلق به فوق السحاب، وهي تسمع لكلام الله وأوامره ونواهيه، اجعل لك منه نصيبًا من القراءة ومن الحفظ والتدبر والتأمل والعمل.
* وإن اشتاق قلبُك لحبيبك المفقود شهر الصيام، فاهرع إلى نواديه التي كان يَعمرها رمضان حيًّا في قلوب العباد، أسرع الخطى للمساجد وانتظر الصلوات بعد الصلوات، أَطِلْ البقاء فيها وتَنسَّم من هنا وهناك عطر شهر رمضان وصلاة القيام، وأنين قلوب المصلين، وقطرات دموعهم، وأصوات تضرعهم ودعائهم.
* وآنَ الأوان أن تقول لهؤلاء الغافلين، الذين طالما عن ذكر الله شغلوك وألهوك، آن الأوان أن تفارق مجالس لهوهم، وتستبدلهم بِمَن إذا نسيتَ الله ذكَّرُوك وإذا ذكرتَ الله أعانُوك، لا تنسَ أن تدعوا لرفاقك القدامى وحاول أن ترشدهم وأن تأخذ بأيديهم لِمَا مَنَّ الله به عليك من إداركٍ للطريق وإبصار للنور.
* أمَّا مَن لِتوِّك فقدتَه، فمهما تُقدّم من أعمالٍ فلن يكون بهاؤها كجمال العمل فيه، ولن يكون حسنها كأيامه ولياليه، فكُنْ بشوقٍ ولهفةٍ تنتظر مَقدمه بعد عام، إن قدَّر اللهُ لك في الدنيا- حتى مقدمه- المقام، وعدٌ عليك أن لا يسبقك إلى الله فيه أحد، عهدٌ عليك إن أحياك الله له وجمعك بعد طول الأيام به، أن تُري الله فيه منك خيرًا، وأن لا يضيع منك فيه ثوابًا ولا أجرًا.
يا مَن تُهْتَ في الحياة، ها هو الطريق قد اتضح، وها هي الفرصة تأتيك من جديدٍ تتكرر مرةً بعد مرة، فهل ستظل تائهًا في غفلةٍ وسكرة؟! فلربما أضعت الفرصة في مرةٍ من المرات فلم يُمهلك الأجل ولم يَطُل بك العمر حتى تأتيك لاحقتها، ليُسدَل ستار أيامك على معصيةٍ وبُعدٍ عن الله.
ها هي الفرصة تتجدَّد بين يديك لتعوِّض ما فاتك من رمضان، فإن كان الفائزون فيه رمضانهم شهرًا، فها هي الأيام تدعوك ليكون رمضانك طول العام، وتكون حياتك كلها رمضان.. ورُبَّ فائزٍ بحقٍّ فاز بالسباق قد فاته شهر رمضان.