انقضى رمضان.. بصيامه وقيامه، وركوعه وسجوده، وتراويحه وتهجده، وانقضت عشر الرحمة وعشر المغفرة وعشر العتق من النار، وارتحلت أيامه ولياليه، حاملةً معها أغلى الأوقات وأحب الساعات، وفي جعبتها العبادات المتواصلة، والتلاوات المرتلة، والصلوات الخاشعة، والأذكار المتجددة، واستغفارات الأسحار، وسجدات الليل والنهار، ودمعات التائبين، وأنين المستغفرين، وبكاء المبتهلين.
انقضى رمضان.. بموائده الربانية الحافلة بالخيرات من رب السموات، مضى شهر الذكر والقرآن، شهر البر والإحسان، شهر الإرادة والصبر، شهر الإفادة والأجر، شهر الطاعة والتعبد، شهر القيام والتهجد، شهر زيادة الإيمان، ومضت أيامه المليئة بالسرور، ولياليه المشرقة بالنور، ومضت 30 يومًا بل 30 عيدًا من أعياد القلب والروح.
انقضى رمضان.. ولكن نفوس الصادقين لا زالت على العهد، تردد مع الحبيب صلى الله عليه وسلم "وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت"، إنه الحداء الخالد الذي ردَّده الحبيب- صلى الله عليه وسلم- صباح مساء في حديث سيد الاستغفار، فتربى الصحابة الكرام على هذا العهد، وعاشوا به في رمضان وفي غيره، فكانوا يسعون إلى الله شوقًا، ويطلبون وصاله سبحانه وتعالى في كل وقت وحين، وسار على الدرب من بعدهم التابعون والصالحون.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. نداء وحداء تردده النفوس التي سطعت فيها شمس الإيمان، والقلوب التي حيت بالقرآن، والأرواح التي قويت بها الإرادة من بعد ضعف، وعلت بها الهمة من بعد انتكاس، واشتد بها العزم من بعد فتور.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. فقد ألقيت في قلبي حب المسجد والارتباط به في رمضان، وحب الصالحين والمكث معهم، فأعاهدك يا رب.. وأردد لك مع العبد المنيب (عائد أنا من حيث أتيت، عائد أنا لمسجدي، عائد إلى الصلاة والركوع والسجود، عائد إلى الطريق خلف أحمد الرسول)، وألا أترك صحبة الصالحين ومجالسة المؤمنين، وأن أحافظ على البيئة الصالحة المعينة لي على طاعتك.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. لقد تذوقت في رمضان حلاوة الصيام والقيام إيمانًا واحتسابًا، وأعاهدك يا رب أن أجعل كل أعمالي وأفعالي وأقوالي إيمانًا واحتسابًا، سأجعل صيامي بعد رمضان إيمانًا واحتسابًا، وسأجعل طلبي للعلم إيمانًا واحتسابًا، وسأجعل أمري بالمعروف ونهيي عن المنكر إيمانًا واحتسابًا، وصبري وجهادي إيمانًا واحتسابًا، وعملي ودراستي وخروجي ودخولي إيمانًا واحتسابًا.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. لقد ملكتني القدرة على الصيام شهرًا كاملاً فامتنعت عن الحلال فيه إضافة إلى الحرام، فأعاهدك يا رب أن أمتلك ذات القدرة والإرادة على ترك المحرمات واجتناب المنكرات، والمحافظة على جوارحي من الوقوع في الشهوات والمحرمات، ومواصلة السير إليك بإرادة قوية لا يتطرق إليها ضعف ووفاء ثابت لا يعدو عليه تلون ولا غدر.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. فقد أعنتني على القيام مع الإمام مهما أطال التلاوة في التراويح وفي تهجد الليل، ومنحتني القدرة على قيام الليل بالساعات الطوال، فأعاهدك يا رب ألا أترك صلاةً في جماعة خلف الإمام، وأن آخذ بنصيبي من القيام طوال العام وألا أقصر فيه، فهو شرف المؤمن، وفيه لذة الأنس بك وحلاوة مناجاتك.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. لقد شرحت صدري بتلاوة القرآن، وأعنتني على ختمه في رمضان مرة ومرتين وثلاث، فأعاهدك يا رب ألا تصرفني أعمالي عن وردي القرآني، وألا تأخذني شواغل الدنيا وزخارفها عن حزبي من القرآن وألا أقع في هجر القرآن أبدًا (تلاوةً أو تدبرًا أو حفظًا أو فهمًا أو سماعًا)، وأن أحمل مصحفي دائمًا في جيبي.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. فقد ألهمتني في رمضان أن خير الناس أنفعهم للناس، فأعنتني على خدمة الآخرين وهدايتهم وقضاء حوائجهم، فأعاهدك يا رب ألا أنقطع عن خدمة أمتي ومجتمعي، وأن أهب وقتي وجهدي وصحتة وعافيتي ومالي وما أملك لدينك ودعوتك ورسالتك.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. فقد ربيتني على مكارم الأخلاق في رمضان ورزقتني قوة خلق أمام من سابني أو شتمني بقولي "إني صائم"، فأعاهدك يا رب أن أحافظ على أخلاق الإسلام في كل معاملاتي، وأن أتمتع بحسن الخلق مع أهلي وجيراني وزملائي وإخواني، في البيت وفي الشارع، في المدرسة والكلية، في الشركة والمصنع، في المسجد والمكتب.
وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. فقد أحييت قلبي ونفسي في رمضان ورددتني إليك وجعلتني حييًا عفيفًا، فأعاهدك يا رب أن أبقى حيًّا وحييًا قلبًا وقالبًا، وأن أعظمك في قلبي في كل وقت وحين، وأن أداوم على الأعمال الصالحة التي تقربني إليك، وأن أبقى محافظًا على نعمة الطاعة وعدم قلبها إلى نقمة المعصية، وألا أكون ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا﴾ (النحل: من الآية 92).
﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الفتح: من الآية10)..
اللهم أعني على الوفاء بعهدي ووعدي معك.
وأعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وأعني على السير خلف رسولك وحبيبك.
واجعل موعدنا بحبوحة جناتك وجنانك.
-----
باحث إسلامي