- الحكومة تطالب بمقاطعة البلدي وتترك المجال للمستورد

- هيئة المواصفات والجودة تضع شروطًا للكعك المحلي والصيني

- خبراء الاقتصاد: الصين تتعامل معنا كسلعة ولا تهتم بالعراقة أو التقاليد

 

تحقيق- حسونة حماد

أُصيب عدد كبير من الشعب المصري بصدمة كبيرة عندما أعلنت الحكومة المصرية على لسان د. علي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي بضرورة مقاطعة المواطنين كعك عيد الفطر أو تخفيض الكميات التي يقومون بشرائها؛ وذلك بعد الارتفاع الكبير في أسعار الكعك والبسكويت هذا العام نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية للقمح، وتأكيده على أن وزارته لن تدعم الدقيق الفاخر الحر ولكنها ملتزمة فقط بدعم الدقيق البلدي لتوفير احتياجات المواطنين من رغيف الخبز بسعر 5 قروشٍ للرغيف، ورغم هذا الموقف من الوزير إلا أنه لم يتطرق من قريبٍ أو بعيدٍ لإغراق الأسواق بعشرات الأطنان من الكعك الصيني؛ حيث فوجئ المصريون في عددٍ كبيرٍ من محلات الحلويات بالقاهرة بتقليعة جديدة وهي الكعك والبسكويت والبيتي فور الصيني، ووجدوا أن سعر كيلو الكعك الصيني- شأنه شأن كل السلع الصينية- أرخص من الكعك المصري بكثير حيث يبلغ سعر الكعك المصري ما بين 15 و30 جنيهًا للكيلو، في حين قال أحد التجار إن الكعك الصيني يباع بسعر 10 جنيهات للكيلو.

 

وفي الوقت الذي لم يسمع فيه بعض التجار عن الكعك الصيني- واكتفوا بقولهم كل شيء وارد- أكد العديد منهم وجود هذا الكعك في الأسواق المصرية، ولعل هذا الغزو الصيني الجديد دفع بشكلٍ أو بآخر هيئة المواصفات والجودة المصرية "آيزو" برئاسة الدكتور محمود عيسى إلى طرح عددٍ من مواصفات الجودة والسلامة لصناعة الكعك في مقدمتها استخدام مياه نقية صالحة للشرب ومكونات طازجة من الألبان والبيض والزبد والزيوت والسكر‏،‏ وأن تكون المواد المضافة كمكسبات للطعم والرائحة مُصرَّحًا باستخدامها غذائيًّا،‏ أما الدقيق فيجب أن يكون فاخرًا، وشددت الهيئة على وضع بيان بالمكونات واسم المنتج وعنوانه‏،‏ واشترط البيان في حالة استخدام السمن أو الزبد الطبيعي في الإنتاج‏،‏ أن يتم استخدام هذه الخامات بنسبة ‏100 في المائة، وعندما يتم استخدام دهون أخرى مسموح بها‏،‏ يجب ذكر اسم الدهن ونسبته في بطاقة بيان العبوة‏، وفي حالة المخبوزات المستوردة‏ لا بد من كتابة بلد المنشأ واسم المستورد‏، كما يجب أن يُعبَّأ المنتج في عبوات تكفل حمايته والحفاظ عليه من التلوث، واللافت للنظر أنه في نفس الوقت الذي تؤكد فيه هيئة المواصفات والجودة على ضرورة استخدام السمن الطبيعي البلدي البقري والجاموسي في صناعة الكعك تزدحم المحطات التلفزيونية المصرية بعشرات الإعلانات عن أنواع السمن النباتي "زيت النخيل" التي يُضاف لها معطرات ونكهات وروائح السمن البلدي ويعلن عنها بفخر على أنها "بطعم السمن البلدي"، والتي يقل سعرها عن أسعار السمن البلدي الطبيعي بنسبة 75% من السعر.

 

البيتي أفضل

 الصورة غير متاحة
 

وحول رأي المواطنين فيما يُسمى بالكعك الصيني فاجأتنا إسراء لطفي‏-‏ مدرسة-‏ باندهاشٍ عجيب: كعك صيني!! "أهو ده اللي كان ناقص"، إن الصين تعمل لنا الكعك كمان، مؤكدةً أن صنع الكعك في المنزل أفضل لعدة عوامل منها ضمان نظافة أدواته ومراحل إعداده وسلامة وصلاحية الخامات المستخدمة في صنعه، كما أنه يحقق وفرًا ماديًّا واضحًا يصل إلى أقل من نصف مثيله الجاهز وهناك عامل آخر يميز الكعك المصنوع في المنزل- من وجهة نظر إسراء- هو أنه يتم عمل الكعك مع مراعاة الحالة الصحية لأفراد الأسرة‏.‏

 

إلا أن آية السيد- ربة منزل- لم تندهش من أن يكون هناك كعك صيني وتقول: "لِمَ لا" خاصةً في ظل الارتفاع الجنوني لأسعار جميع السلع والمنتجات لدرجة تجاوزت نسبة الـ100% في بعض السلع، وأضافت ساخرةً: "ربنا يفتح عليهم ويوصلوه لينا في البيت مثل باقي السلع والمنتجات الصينية التي تصلنا حتي البيت دون تعبٍ أو مشورة وبأسعار أقل من التي في السوق كمان".

 

ورفضت إسراء بشدة ما قاله الدكتور علي مصيلحي وزير التضامن الاجتماعي حول مقاطعة كعك العيد، وتؤكد أنه من المستحيل أن نتخلى عن كعك العيد مهما كانت الظروف؛ لأنه يُسعد الأطفال ويُعدُّ من أهم مظاهر الاحتفال بالعيد، فهي عادة جميلة يحرص الجميع على تفعيلها وتوريثها من جيلٍ إلى آخر لإدخال الفرحة والسرور على الأسرة.

 

اختراق لهويتنا

من جانبها أبدت أيضًا الدكتورة زينب الأشوح- رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة جامعة الأزهر- اندهاشها المبالغ من اختراق ما يُسمَّى بالكعك الصيني واعتبرته اختراقًا للتراث والثقافة المصرية كغيره من المنتجات مثل الفوانيس وسجاجيد الصلاة والبُصْلَة وكل ما يمس الهوية والطقوس والشعارات الدينية.

 

وقالت إن هذا لا يعتبر إغراقًا اقتصاديًّا فحسب بل إغراقًا ثقافيًّا واجتماعيًّا وماديًّا، لدرجة أن هويتنا أصبحت تنكسر وتتلاشى تدريجيًّا في كل شيء حتى في الغذاء والكعك والبسكويت، مشيرةً إلى أن أمريكا والدول الأوروبية فطنوا إلى خطورة المنتجات الصينية على اقتصادياتهم القومية؛ نظرًا لرخص تكلفتها فقاموا بترويج إشاعات تشكك في مدى صلاحية وصحة هذه المنتجات.

 

ورغم أن الأشوح ترفض تمامًا فكرة الإفراط في استيراد السلع المنتجات؛ نظرًا لخطورتها الاقتصادية وتأثيرها على الاقتصاد القومي وتأكيدها على أن الهوس الصيني يجتاح كل شبرٍ في الشارع المصري إلا أنها قدمت التحية والاحترام للعقلية الصينية التي تدرس احتياجات الأسواق بمهارةٍ وذكاءٍ شديدين وتعرف نقطة الضعف في كل سوق، مؤكدةً أن هذا ليس عيبًا في المنتج الصيني ولكن العيب في المنتج المصري، وطالبت الأشوح الدولة ألا ترفع يدها عن دعم المنتجات.

 

دار صناعة الكعك

 الصورة غير متاحة
 

وبعيدًا عن هذا الغزو الصيني لأحد مظاهر العيد وعن الاشتراطات الحكومية لصناعة الكعك فإن المواطنين متمسكون بكعك العيد باعتباره أحد أهم مظاهر عيد الفطر المبارك لدى المصريين؛ حيث إن صناعته في الأعياد تُعد من أقدم العادات التي عرفها المصريون القدماء والتي نشأت مع الأعياد ولازمت الاحتفال بأفراحهم. وكان لا يخلو عيد من أعيادهم من صناعة أنواع عديدة من الكعك اختلفت عن بعضها البعض تبعًا لنوع تفننهم في صنع الحلويات التي اشتهروا بها في حياتهم العامة.

 

وصناعة كعك العيد في الماضي لم تختلف كثيرًا عن صناعته الحالية مما يؤكد أن صناعته امتداد للتقاليد الموروثة، وكانوا يُشكلون الكعك على شكل أقراص أو بمختلف الأشكال الهندسية والزخرفية، كما كان البعض يصنعه على شكل حيوانات أو أوراق الشجر والزهور ولا تختلف كثيرًا عما هو مألوف حاليًا.

 

وفي عام 1124 ميلادية خصص الخليفة الفاطمي مبلغ 20 ألف دينار لعمل كعك عيد الفطر؛ فكانت المصانع تتفرغ لصنعه منذ منتصف شهر رجب، وكان الخليفة يتولى توزيعه بنفسه.

 

وكانت مائدة الخليفة العزيز الفاطمي يبلغ طولها 1350 مترًا وتحمل 60 صنفًا من الكعك والغريبة، كما أنشأت في عهده أول دار لصناعة الكعك سُميت "دار الفطرة"، وكان حجم الكعكة الواحدة في حجم رغيف الخبز، كما تم تخصيص 16 ألف دينار لإعداد ملابس لأفراد الشعب بالمجان؛ ولذلك أُطلق على عيد الفطر "عيد الحُلل".

 

وفي متحف الفن الإسلامي بالقاهرة توجد قوالب الكعك عليها عبارات "كل هنيئًا واشكر" و"كل واشكر مولاك" وعبارات أخرى تحمل نفس المعنى.

 

15 مليون دولار سنويًّا!!

وعن حجم الإنفاق السنوي في مصر على استهلاك الكعك، فإن هناك تضاربًا في الإحصاءات بسبب توزيع الإنتاج بين المنازل والمصانع والمخابز الكبرى، وتشير التقديرات غير الرسمية إلى ارتفاع تكلفة الإنفاق على الكعك هذا العام لحوالي 15 مليون دولار؛ بسبب ارتفاع أسعار خامات الإنتاج.

 

وبحسب تقديرات دراسة رسمية سابقة لإدارة البحوث بالغرفة التجارية المصرية فإن حجم استهلاك المصريين من الكعك في العيد عام 2002م بلغ 56 ألف طن كعك بتكلفة 560 مليون جنيه مصري (نحو 12 مليون دولار)، مقارنة بـ474.4 مليون جنيه في عام 2001.

 

وتكشف التقديرات غير الرسمية عن تراجع إنتاج المصريين للكعك في المنازل سنويًّا مقارنةً بالذي تنتجه محال الحلوى ومصانع المخبوزات؛ حيث وصل حجم الإنتاج العائلي هذا العام حوالي 33.8% مقابل 66.2% حجم إنتاج الشركات والمصانع.

 

تجنبوا الإفراط

من جانبه قدم الدكتور أحمد عبد الحليم- استشاري أمراض الجهاز الهضمي- بعض الإرشادات الصحية التي يجب اتباعها عند تناول الكعك أهمها تجنب الإفراط، مؤكدًا أن تناول الكعك والمخبوزات لا ضرر منه إذا كان بكميات محدودة وقد يمنع البعض تناوله إذا كان يعاني مشاكل صحية ومرضية والحرص في تناول الكعك ضرورة خاصة أننا اعتدنا طوال شهر رمضان على الصيام ونظام غذائي معين؛ ولذلك يجب أن يكون هناك تدرج في العودة للنظام الغذائي اليومي العادي حتى لا يحدث ارتباكٌ في الجهاز الهضمي‏.‏