
من قلب أب نادى في الظلمات أنه لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.. من قلب أبٍ كان يعتصر ألمًا وهو يرى ابنته وقد شارفت على الموت وهو يقف عاجزًا خلف قضبان الظلم، فلا يستطيع أن يضمها في آخر لحظاتها.. ولا يستطيع أن يحضنها ويقبلها بل حتى لا يستطيع أن ينظر إليها نظرةَ وداعٍ لا لقاء بعده إلا عند مليك مقتدر.. فقد وقف سجن الظالم وقيوده حائلاً بين قلبي وقلب صغيرتي.. كاد القلب أن ينخلع لولا فضلٌ من الله وتثبيت وثقة في الله أن الله لن يضيعنا لأننا عباده المساكين، وما كانت وقفتنا في وجه الظلم إلا ابتغاء مرضاته.. وجاءت الأخبار من خارج الأسوار أن قلب المسكينة توقَّف مرتين.. فكانت ياسمين تزورني في خيالي فتجري إليَّ كعادتها فأهرع إليها وأحملها بين يدي وأقبلها.. وأقبلها... وأقبلها.. واهتف بداخلي.
ياسمين.. هل ترى سأراك مرةً أخرى؟ أم تتركينا وتطيرين إلى ربك.. في هذه المحنة الهائلة لم يكن أمام القلب إلا أن يتعلق برحمة الله ويلجأ للرحمن ويتوسل إليه بدموع الأسحار ولهفة المكروب وسجود الضارعين.. أرقب الغوث وانتظر النجدة.. وأثق في تدخل السماء.. وتدخلت السماء.. فإذا بياسمين تحيا بفضل الله بعد موات وتتألق بعد ذبول... ووهبها الله الشفاء بعد المرض.. وفرَّج الله الهم العظيم..
دموع الفرح مسحت الأحزان وسجدت الجباه لله شكرًا.. وأنقضت المحنة بأحزانها وأفراحها.. ووجب الشكر علينا..
فشكرًا.. لك أيها الخالق الأعلى.. كنت بنا رءوفًا رحيمًا، وما كان غيرك ليُفرِّج همنا ويجمع شملنا فلا يضيع أسرةً اجتمعت عليه.. إنه الله أهل الحمد والثناء وأهل التقوى وأهل المغفرة.. ولا أجد شكرًا له على هذه المنة الكبرى سوى أن نهب لله أنفسنا وأموالنا وحياتنا نمضي بها في طريق دعوته نصدع بالحق في وجوه الظالمين مهما كانت التضحيات- حتى نلقاه وهو راضٍ عنا.
ثم شكرًا.. لإخواني من الإخوان المسلمين في القضية العسكرية وإخواني المعتقلين معنا في سجن مزرعة طرة.. فقد كانت قلوبهم ودعاؤهم معي في كل لحظةٍ من لحظات المحنة.
الكلمات تعجز عن التعبير عن هذا الجيَشان المنساب من عواطفكم وحبكم في كل دعوة دعوتموها لياسمين.. حفظكم الله في أنفسكم وأولادكم وأموالكم وفرَّج كربنا جميعًا.
وشكرًا.. لأسرتي وأسرة زوجتي الذين قاموا بجهدٍ خارقٍ وواصلوا الليلَ بالنهار كي تحظى ياسمين بأفضل رعايةٍ وعلاج.. وأقول لهم جميلكم في عنقي لن أنساه.. لقد كنتم دومًا أسرةً عظيمةً أمام المحن، وها أنتم تثبتون ذلك مرة أخرى.
شكرًا.. لكل الإخوة والأخوات الذين كانوا مع ياسمين في محنتها بالجهد والمتابعة والسؤال والدعاء.. عن الكلمات المعبرة عن وقفتكم الإنسانية تقاصرت ثم احتبست وانهمرت مكانها دموعي تشكركم أن ساهمتم في إنقاذ ياسمين.
شكرًا.. للأستاذ الدكتور أحمد النوري أستاذ جراحة القلب والصدر بجامعة عين شمس الذي أجرى لياسمين الجراحة.. فقد لمسنا فيه الإنسان والأب قبل أن يكون جراحًا ماهرًا لامعًا.
وشكرًا لزميلي الدكتور ياسر النحاس مدرس جراحة القلب والصدر والذي أنقذ حياة ياسمين بشجاعةٍ ومهارة.. وأقول لهما ثوابكما عند الله ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: من الآية 32).
ثم شكرًا خاصًّا لزوجتي وحبيبتي أمل.. فقد كانت بطلة كعادتها ولأختي العظيمة الدكتورة هالة على وقفتها التي لا تُنسى.
وأخيرًا شكرًا لياسمين.. أن عُدتِ مرةً أخرى.. فقد كنتِ أفتقدك.. سنجري معًا مرةً أخرى.. ونحضن بعضنا كعادتنا.. ونشكر الله على فضله العظيم.. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: من الآية 34).
-------------
* أحد المسجونين ظلمًا في القضية العسكرية للإخوان المسلمين.