مثل ديكورات المسارح التي تتغير بتغير المشاهد، والمواقف صار بيتي.. بيتي الذي كنت أحلم بأن يكون جنتي على الأرض، وأرسم له صورةً في مخيلتي تشعُّ جمالاً واستقرارًا، وأتخيَّل كل ركن فيه، وأنني أقيم علاقة ودٍّ حلوةٍ مع كل قطعة أثاث فيه، وأحاور جدرانه الدافئة.. وأنظفه بحب وأعتني به كأم رءوم.
صار البيت بالنسبة لي فندقًا أنام وآكل فيه، ولا تربطني به أية علاقة، ولو عرفت كثيراتٌ السبب لضحكن سخريةً واتهمنني بالغباء والتقليدية، وتمنَّين أن يكنَّ مكاني.. لهن رجل مثل زوجي، محبّ للتغيير والاقتناء، نعم.. فزوجي ملول، لا يطيق الحياة وسط أجواء مستقرة، ويشعر بالقلق إن لم يجدد كل فترة ركنًا في بيته، أو يعيد طلاء حجراته، أو يشتري مكتبة جديدة، أو يتخلص من ساعة الحائط ليشتري أخرى.
وبعد أشهر قليلة يزهد في كل هذا ويمله، ويظل قلقًا حتى يتخلص من هذه التغييرات ويفكر في غيرها!
ووسط هذا المناخ أدور كنحلة، ولا أشعر بالراحة، بل أشعر بالتوجس والخوف الدائمين، ألمِّع قطع الأثاث وداخلي يقين بأنني سأفقدها بعد أيام قلائل يعلو على صوت المكنسة الكهربائية فوق السجاد هاتف قوي يؤكد لي أن قدمي لن تشعرا بدفء هذه الأبسطة مرةً أخرى، حتى المطبخ- مملكة المرأة- يجب زوجي ألا يراه على وتيرة واحدة، فتارةً يضع الموقد بجوار المغسلة وتارةً ينقل المبرد من مكانه وبعد بضعة أيام يبدل مكانه، ثم يفكر في إخراجه من المطبخ ووضع منضدة صغيرة مكانه!! وهكذا.
وكم ثارت بيننا خلافاتٌ بسبب هواية زوجي الغريبة؛ تلك الهواية التي تستجلب عليَّ التعليقات الجارحة من جاراتي وقريباتي؛ تقول إحداهن: لو لم أكن أعرف عنوانك جيدًا لظننت أنني أخطأت في الشقة، وتجلس أخرى على المقعد ضاحكةً وهي تسألني: هل أنت متأكدة من أن زوجك لن يأتي الآن ليجر المقعد من تحتي ويضع غيره؟!
أحاول أن أتماسك أمامهن وأشاركهن دعابتهن رغمًا عني، ولكنني بمجرد انفرادي بنفسي أبكي وأتأمَّل جدران بيتي بحزن، وكأنني مجبرةٌ على مغادرة مكان أحبه وأتكيَّف مع كل ركن فيه.
أما لماذا يستهوي زوجي التغيير المستمر، فالإجابة عنده جملة بسيطة موجزة يردِّدها دائمًا أمامي مرةً بتروٍّ وهو يضغط على حروفها وثانيةً يتهمني بالغباء لأنني لم أستوعب وجهة نظره! وثالثة بابتسامة ودود وكأنه يلقِّنها لتلميذة مبتدئة بليدة.. جملة زوجي الأثيرة هي: الحياة قصيرة وإن لم نستمتع بشيء جديد في كل لحظة نعيشها متنا كمدًا!!
ولماذا لا يتحقق الاستمتاع إلا بتغيير الأثاث وتحميلي مسئولية تفريغ الخزائن من محتوياتها كل فترة لوضعها في غيرها، ومفاجأتي بحضور العمال لإعادة طلاء الجدران بلون جديد؛ مما يضطرني إلى تكويم الأثاث في حجرة واحدة؟ الأمر الذي يربك حياتي، ويعطِّل أطفالي عن استذكار دروسهم؟! سؤال لا أجد لديه إجابة عنده سوى الصمت!!
إحداهن قالت لي بدعابة سمجة لم تحرك ساكنًا لأنني أثق في حب زوجي وإخلاصه وأعرف أنه يحب تغيير الأشياء ولست شيئًا في حياته، الفرق بيننا أنني لا أعتبر الأشياء جمادات بل أراها كائناتٍ حيةً تحس وتتألم، ولذلك أحب بيتي وأشيائي الصغيرة، ولا أتعلل بالموضة أو الطرز الحديثة لأغير أثاثي.
زوجي موسر، نعم.. ولكن هذا لا يبرر الإنفاق بلا سبب، إن الأشياء التي شاركتنا أيامنا الأولى وعاشت معنا أوقات العسر من حقِّها أن تشاركنا اليسر، ولا نتخلَّص منها لنقتني غيرها.
صارحت زوجي مرارًا بضيقي مما يفعل، ولكنني لم أستطع أن أواجه بإحساس يملأني خوفًا، أشعر أن شغف زوجي بالتغيير يعكس نوعًا من عدم الوفاء للقديم وشيئًا من عدم الألفة، وأخشى أن تؤكد لي الأيام صدق إحساسي، فحب الأشياء والتعلق بها مسألة عاطفية مشروعة؛ فقد أحب الرسول- عليه الصلاة والسلام- جبل أحد وغار حراء، وبكى عليه جذع نخلة كان يستند إليه وهو يخطب في المسلمين حين غادره إلى منبر المسجد، وليس من أسباب السعادة أن يشعر الإنسان- وهو في بيته- أنه لا يعيش حياةً مستقرةً هانئةً، يألف فيها محتويات هذا البيت الدافئ، وإنما يقلب بملل صفحات مجلة متخصصة في الأثاث والديكور!