لا يزال النظام الحاكم في مصر يقمع جماعة الإخوان المسلمين بطريقةٍ لم يَسبِق لها مثيلٌ منذ الحقبة الناصرية التي انتهت في مطلع السبعينيات من القرن الماضي، ومن سنن الله التي لا تتغيَّر ولا تتبدَّل بقاءُ الصالحين المصلحين وزوال الظالمين المفسدين ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105)﴾ (الأنبياء)، فبقيت جماعة الإخوان صلبةً قويةً، وتبعثَرَ واندَحَرَ النظام الناصري، وكذلك من قبل العهد الناصري زالت واندحرت الحقبة الملكية التي بطشت بالإخوان واغتالت الإمام المؤسس الشهيد حسن البنا.
وفي العهد الحالي تفنَّن النظام في البطش بالإخوان؛ فتعدَّدت وسائلُه في التنكيل بالجماعة؛ فمن المنع للحظر ومن الاعتقال إلى السجن وتلفيق القضايا، ومن المحاربة في الأرزاق والنفي إلى الإقصاء والإبعاد، ومن الحرمان في المساهمة في مؤسسات المجتمع المدني إلى غلق كل المنافذ أمام الجماعة ومحاولة عزلها وتهميشها، ومن ضغوط وتحجيم في أي انتخابات تخوضها الجماعة إلى تبديل وتزوير لكل الانتخابات التي تخوضها الجماعة، وصل إلى تعديل الدستور نفسه؛ لمحاولةِ إقصاء الجماعة عن العمل السياسي برمَّته!!
وواصل النظام بطشَه وقمعَه حتى وصل إلى ذروته بالمحاكمات العسكرية التي بدأها أواخر التسعينيات من القرن الماضي، ولا زالت مستمرةً حتى أواخر العقد الأول من القرن الحالي.
جماعة الإخوان المسلمون هي جماعة من المسلمين تنادي بالإصلاح والتغيير، من خلال شمول الإسلام في كافة مناحي الحياة، وتهدف إلى إيجاد الفرد المسلم والبيت المسلم والمجتمع المسلم وتحرير الوطن من كل سلطان أجنبي، وإقامة الحكومة المسلمة حتى عودة الخلافة، والوصول إلى أستاذية العالم، ووسائلها إلى ذلك: الإيمان العميق، والتكوين الدقيق، والعمل المتواصل.
وسائل الجماعة للوصول للأهداف التي وضعتها سلمية بحتة فيما عدا البلاد التي يطؤها الاحتلال الأجنبي؛ حيث وجب حمل السلاح لإخراج هذا المحتل، طبقًا لما حدَّده الشرع وأكَّدته المواثيق الدولية.
وبنظرة فاحصة على الوضع المزري الذي يعيشه القطر المصري من أوضاع بالغة السوء في كل مناحي الحياة، اقتصادية واجتماعية وسياسية، تطلَّع المجتمع المصري إلى التغيير من أجل حياة أفضل، ولمَّا كانت جماعة الإخوان المسلمون هي أمل الأمة في التغيير أيقن النظام المصري أن الجماعة هي البديل له في حالة زواله؛ فأمعن في البطش والتنكيل، وكان ردُّ الجماعة دائمًا هو ضبط النفس والصبر وسياسة النفَس الطويل؛ لإعطاء النظام فرصةً لتغيير نفسه وسياسته تجاه الجماعة بل تجاه الوطن كله.
غير أن النظام استمرَّ في حملته الظالمة ولم يتوقف حتى الآن، ووصل إلى نهب أموال وشركات مملوكة لأفراد من جماعة الإخوان بعد إحالتهم إلى محاكم عسكرية؛ حتى تكون أحكامها سريعةً ورادعةً لكل من تسوِّل له نفسه معارضة النظام.
ووقع الشعب في حيرة.. لماذا كل هذا الظلم البيِّن نحو الجماعة؟! ولماذا كل هذا التصعيد غير المسبوق في البطش بالجماعة؟! بل تساءل الناس: لماذا لم تردَّ الجماعة على هذا التصعيد بأبسط صور الردِّ، وهي المظاهرات أو أي تحرك آخر يعرِّي النظام ويكشف حقيقته.
ولكي نفهم ونعي حقيقة ما جرى ويجري تجاه الجماعة، وجب التنويه على أن الصبر ليس من شيم الضعفاء فقط، ولكنه من سمات الأقوياء، الذين يلجمون العواطف بلهب العقول، بالإضافة إلى البعد الإستراتيجي في التفكير لدى الجماعة، التي لا تهدف إلى تغيير نظام بنظام، ولكن تغيير العالم كله حتى يسعد بدعوة الإسلام، ومن ثم فالطريق لا يزال طويلاً وشاقًّا ومليئًا بالعقبات والمنعطَفات، وسياسة النفَس الطويل في خوض هذا الخضَمِّ العسير مطلوبة.
ومن ثمَّ فصبرُ الإخوان على بطش النظام هو المطلوب في الوقت الحالي للأسباب التالية:
1- لأن طريق الدعوة الذي تنتهجه الجماعة مليء بالأشواك وتحفُّه المخاطر والعقبات؛ فإن حدث ذلك فهو دليلٌ على سلامة الطريق، وهو دربُ الأنبياء والرسل والصالحين والمصلحين، فلا غرو؛ فالجماعة تسير على الدرب الصحيح ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5)﴾ (القصص).
2- فضح الظالمين والمستبدِّين وكشفهم وإظهار حقيقتهم أمام الناس؛ حيث يزعمون دائمًا أنهم فعلوا ما يفعلون لمصلحة البلاد والعباد ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ (26)﴾ (غافر)، فهم مجموعةٌ من المنتفعين يسيطرون على السلطة ورأس المال ولا يبغون مصلحة البلاد ولا العباد.
3- أن الإصلاح لن يتم على أيدي مجموعة أو جماعة من الشعب؛ بل يجب أن يشترك فيه كلُّ الشعب؛ فالوطن ليس خاصًّا بمجموعة أو جماعة معينة ولكنه ملك للشعب، فيجب أن يشارك الشعب في التغيير، وهنا يتحدث كثيرٌ من الناس عن التغيير والمطالبة به وعن المعيشة التي وصلت للقاع، ويطلب من الجماعة أن تتحرك، وإن قلت له: فلنتحرك سويًّا لنصلح الوطن ونبني المستقبل، استنكف إما إيثارًا للعافية والخوف من بطش الظالمين، أو لعدم رغبته في إيجاب الطلب، على الرغم من أن الأذى طالَه في بيته ومعيشته وصحته ومستقبل أولاده.
وبنظرة قرآنية تجد مؤمن آل فرعون ترك دعوة فرعون واتجه بقوة لدعوة الشعب؛ أملاً في التغيير من خلاله وليس بواسطة فرعون المتكبِّر الذي لا أمل فيه ﴿ وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزَابِ (30) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ (31) وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (32) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنْ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33)﴾ (غافر) ولما قام بدعوته على أكمل وجه ولم يجد استجابةً أعلنها صريحةً في الآية ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44)﴾ (غافر)، فماذا كانت النتيجة ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45)﴾ (غافر) أرأيتم.. لم يقل الله عز وجل "وحاق بفرعون" ولكن "بآل فرعون".
إذًا بما أن الشعب هو المشكلة ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (54)﴾ (الزخرف) فيجب أن يكون هو الحل، فلن تستطيع جماعة الإخوان إحداث التغيير والإصلاح وحدها، ولكن باصطفاف أبناء الوطن خلف الجماعة، والتعاون مع كل القوى الحية لبناء مستقبل الوطن.
4- أن مواجهة الظلم والاستبداد لا تعني فقط القيام بمظاهرات أو عصيان مدني أو أي فعاليات أخرى؛ لأن النظام المتكبر لا يرعوي في استخدام أدواته العسكرية، بمساندة وسائله الإعلامية في سحق المتظاهرين؛ مما يؤدي إلى فتنة وإسالة الدماء، ولو سألت العقلاء: أيهما أفضل: أن نصبر على الظلم أو فتنة تأكل الأخضر واليابس وتسيل فيها الدماء؟! لما تردَّدوا في القول بتماسك النسيج الاجتماعي وحفظ الدولة من الانهيار.
5- الصبر لا يعني أبدًا السكوت على الظلم والظالمين، ولكن اختيار الوسائل السلمية التي تفضح النظام، واللجوء إلى الله العلي القدير، بعد الأخذ بالأسباب لمقاومة الظلم من غير اللجوء للعنف المضادِّ الذي يأكل الأخضر واليابس، وبخاصةٍ أن النظام تسانده قوى خارجية، والتي لا تألو جهدًا لمساندته لتحقيق الأهداف الخاصة بهذه القوى، وبخاصة الحفاظ على الكيان الصهيوني والتفوُّق الغربي في كل المجالات، وحين تواجه هذا النظام لا بد من الوضع في الاعتبار هذا البُعد الإستراتيجي في المواجهة، فستجد نفسك أمام نظام دولي ظالم، يملك من الأدوات المادية ما تمكنه من إلحاق الأذى بمن يعارضه.
إن الحقائق عند الظالمين جليةٌ وواضحةٌ وضوحَ الشمس؛ فهم يعرفون أن دعوة الإخوان هي دعوة الحق المبين، ويعلمون أنهم ضعافٌ في مواجة الصالحين المصلحين، والدليل على ذلك أنهم يستخدمون الأدوات العسكرية وليس الشعبية في المواجهة؛ لأنهم لا يملكون هذا الرصيد الشعبي، غير أن الاستكبار والعلوَّ قد أصابهم فلا ينظرون إلا لأنفسهم ومصالحهم الخاصة، وهذا دأبُ المفسدين في الأرض ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (14)﴾ (النمل).
وتبقى الرسالة التي يجب أن تصل للمستبدين الظالمين.. ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18)﴾ (يوسف)، ونذكِّرهم بأن دوامَ الحال من المحال، ولله في خلقه شئونًا.