شهر رمضان شهر مبارك، لو علمنا ما فيه من خير وبركة لتمنَّينا أن تكون السنة كلها رمضان، تُفتَح فيه أبواب الجنة، وتُغلَق أبواب النار، وتُصَفَّد الشياطين، فلا يبقى إلا الخير والتسامح والرحمة والحب، وفي غمرة الأحداث المتلاحقة في الحياة وفي ظل الانشغال والمسئوليات الكبيرة في حياة الزوجين؛ يأتي هذا الشهر الكريم ليفتح بابًا للأمل والسعادة، وبث روح المودة والرحمة ونبع الحب الصافي من جديد بين الزوجين، فهلمُّوا إلى روضة رمضان التي تُحيِي القلوب وتسعد النفوس.
الاجتماع على الطاعة
تقول هبة مصطفى- موظفة- أفضل ما في هذا الشهر الكريم أنه فرصةُ للالتقاء مع زوجي في طاعة الله عز وجل، والذي يتعذَّر في غيره من الشهور لكثرة مسئولياتنا وتعددها، ولكنَّ شهر رمضان كله خير وبركة وصلة رحم وتقرُّب لله عز وجل؛ مما يجعلنا نتنافس في الخير في هذا الشهر، ونحاول أن نجدد نياتنا الصالحة دائمًا، وكذلك نذكِّر بعضنا البعض بالورد القرآني ونحاول قراءته سويًّا.
وليلة الرؤية تشبه ليلة العيد؛ حيث يجتمع الأهل، ونحرص على تذكيرهم بفضل هذا الشهر وأبواب الطاعة فيه والبعد عن كونه للأكل والشرب فقط.
أحمد يوسف- مهندس- الحياة تأخذنا في مشاقِّها للسعي على الرزق وتدبير أمور الزوجة والأولاد، ولكن يأتي شهر رمضان ليُضيء حياتَنا بالودِّ والخير والقرب لله عز وجل وللناس، ففيه أحرص على صلاة الجماعة مع أسرتي بعد الانتهاء من الصلاة في المسجد، وأكلم ابني على الرغم من صغر سنه عن الشهر العظيم وما فيه من هدى وبركات ورحمات للمسلمين.
وكذلك أحاول مشاركة زوجتي في اهتماماتها، كما أستشيرها في موضوع الدرس الذي ألقيه في المسجد.
زاد إيماني
وتضيف شيماء عبد الكريم- ربة بيت-: يذكِّرني هذا الموضوع بكلمة لأحد الدعاة؛ حيث قال إن القلوب كي تجمعها على الحب وتؤلِّف بينها اجْمَعْها على طاعة الله؛ فالمكان الذي تؤدَّى فيه الصلوات الخمس على وقتها وتقطع من وقت العمل فيه خير وبركة وألفة وتسامح وإخاء أكثر من غيره.
والزوجان هما أقرب الناس لبعضهما البعض، والتقاؤهما على طاعة يزيد الصفاء في قلبيهما؛ لأن شهر رمضان يختفي فيه الشر، ويزيد فيه الخير، وتقل الخلافات والمشكلات، وهنا يبقى للإنسان فرصة لإصلاح نفسه المطمئنة أو الأمَّارة بالسوء أو اللوامة؛ فتكون له فرصة لإصلاحها وشحنها كما يقال بـ"زاد إيماني" يبقى معها إلى رمضان التالي؛ فيحاول الإنسان أن يحكم نفسه ويرتقي بها، وأنا أستغل بركة هذا الشهر في تجديد الحب بيني وبين زوجي؛ فثمرة الطاعة والقُرب إلى الله عز وجل بلا شكٍّ تعم على البيت كله، فأحرص على تغيير الروتين اليومي للحياة وإدخال السرور على زوجي بكل ما يحب، ومحاولة مشاركته في الطاعات، والتقليل من الأكل قدر المستطاع؛ بحيث لا يصبح الشاغل الأكبر لي، وكذلك حتى يتيح لنا الفرصة لزيادة العبادات والقربات، وخاصةً في العشر الأواخر وليالي الاعتكاف، التي قد يبتعد فيها زوجي عني ويعتكف في المسجد، إلا أننا نكون في قمة السعادة في العيد؛ لأننا التقينا على طاعة زادتنا حبًّا وقربًا لله عز وجل.
صبري عبد الله- موظف-: أحرص في هذا الشهر الكريم في معاملتى لزوجتي على أن أتحلَّى بأخلاق رسولنا الكريم؛ فأخفف عنها ما استطعت من مشاقِّ البيت والأولاد، وأكون في خدمتهم حتى وقت الصلاة، وأحرص كذلك على إعانتها على الطاعة، وإخراج صدقة يومية من طعامنا؛ حتى نشعر بالفقير وذي الحاجة، فهذا الشهر تستعيد فيه النفس صفاءها وتدَّخِر زادَها الإيمانيَّ الذي يُعين على الاستمرار في الحياة في ظل ما بها من صعوبات وابتلاءات.
وكذلك نحرص قبل الإفطار على الدعاء للمسلمين بكل خير، ونُشعِر كذلك الأولاد بفضل هذا الشهر وعِظَم خيره.
لا للنكد
يوضح د. شحاتة محروس- أستاذ علم النفس التربوي بكلية التربية جامعة حلوان- أن شهر رمضان فرصة عظيمة لزيادة القرب بين الزوجين؛ فهو فرصة لتغيير العادات بين الزوجين، كأسلوب التعامل، وطرق النقاش، وإصدار التعليمات، وتحمُّل أشياء لم تُتَحَمَّل من قبل، مما يختلف بحال من الأحوال عن أسلوب التعامل في غير رمضان؛ ففي طاحونة الحياة ينشغل الزوجان بمسئوليات كثيرة، وقلما يجتمعان على الطعام، فيأتي شهر رمضان ويجتمعان مرتَين على السحور والإفطار؛ فتكون فرصة طيبة للحديث عن أمور البيت والأولاد وتجديد الحب القديم بينهما، ويشير د. محروس إلى أن التقاء الزوجين على الطاعة والتعاون بينهما على العبادة يزيد الحب والودّ، ويبارك الله عز وجل لهما وعليهما.

وكما قال الرسول الكريم- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- في حديث فيما معناه بأن البيت الذي فيه طاعة لله يزيد خيره ويقل شره ويتسع على أهله، والبيت الذي ليست به طاعة يزيد شره ويقل خيره ويضيق على أهله.
ولأن رمضان شهر القرآن فالقرآن يبارك البيت ويؤدي إلى البركة فيما بين الزوجين، كذلك تُسلسَل فيه الشياطين؛ فتقتل مساحة الخلافات والمشكلات، وتضيق لأدنى حدٍّ؛ لأن الشياطين أعظم ما تفعله التفريق بين الزوجين.
في النهاية يوجه د. شحاتة دعوةً لكل زوجَين للاستعلاء على أي مشكلات وبثِّ روح جديدة في التعامل بينهما، يكون أساسها المودة والرحمة والتسامح، واللين في الكلام والقول والفعل، ومحاولة استغلال الوقت حتى ولو كان قليلاً، وكذلك ضرورة اهتمام كل طرف بالطرف الآخر ومشاركته اهتماماته وهمومه، والزوج عليه أن يلين القول لزوجته ويحافظ على مشاعرها ويحاول التخفيف عنها ما أمكن له ذلك.
ويدعو د. شحاتة الزوجين إلى رفع شعار "لا للعكننة"، خاصةً في هذا الشهر الكريم، فهو أيام معدودات كلها خير وبركة، وهي أسمى من أن تضيع في ضيق ونكد ومشاحنات قد تكون هامشيةً لا تعكر نبع الحب الصافي بين الزوجين.
رأب الصدع
وتقول د. سامية خضر- أستاذ علم الاجتماع بتربية عين شمس-: في رمضان يختفي الشيطان؛ ولذلك تختفي القسوة والعنف والتكبر والغرور والغيرة، وغيرها من السمات والطباع السلبية، وتحل محلَّها سمات إيجابية أفضل، تؤدي إلى الحياة الطيبة، وتجعل الإنسان- رجلاً كان أو امرأة- يتنازل عن كثير من الأمور؛ فيحدث التقاء جميل بين الزوجين وبين الأهل والأقارب والجيران، فشهر رمضان تتبدَّى فيه كثير من العواطف الإنسانية السامية؛ حيث تسمو فيه القلوب إلى الله عز وجل، ويترفَّع المرء عن شهوات الدنيا وماديتها، ويحرص على رضا ربه، وكذلك يحرص على حسن التعامل مع الناس، وفيه تتجلى أروع الصور للتواصل الاجتماعي بين الأهل؛ حيث تكثر الزيارات والاطمئنان على الأهل والأقارب، ويهنئهم بالشهر الكريم ولو هاتفيًّا، وهذا من شأنه توثيق الصلة بينهم ورأب صدع البعد والهجر والخصام.
فمهما اشتكينا بمرارة من غزو الفضائيات وتأثيرها اللا أخلاقي المدمّر على الأسرة والمجتمع، يأتي شهر رمضان ويمحو كل هذا الفساد والتدهور، ولعله أيام طيبة لكل إنسان يحاول أن يُعيد فيها بناءَ نفسه ومجتمعه على قيم فاضلة بنَّاءة.
الصوم مدرسة
ويبين د. جاد مخلوف- أستاذ الشريعة بجامعة الأزهر- أن العبادة شُرعت في الإسلام كي تثمر حسن الخلق، وإلا فليس لها قيمة؛ فالمرء لا يمتنع عن المفطرات في شهر رمضان فقط، بل عليه كذلك أن يمتنع عن سائر ما يُغضب الله عز وجل ابتغاءَ وجه الله سبحانه وتعالى "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه".
وقد شُرع الصيام لغاية محدودة وهي التقوى، التي تحجز المسلم عن محارم الله عز وجل.. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾ (البقرة).
ومن أخلاق الصائم أنه يمتنع عن الفحش في القول والعمل؛ انطلاقًا من قوله- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب وإن امرؤ سابَّه أو قاتله فليقل إني صائم".
ويضيف د. مخلوف أن الصيام مدرسة كبرى أعظم ما فيها من دروس يستفيدها المسلم هو حسن الخلق الذي يظهر في قوله وفعله وسلوكه.
وأقرب الناس إلى المسلم زوجته وأولاده وأهله وأقاربه وكذلك المحيطون به؛ من جيران وأصدقاء وزملاء، فلا بد أن يصل إلى هؤلاء الناس جميعًا خير الصائم، فيلين لهم الكلام ويترفَّق بهم.
![]() |
ويوضح أن هذه الأخلاق لا بد أن تنعكس على تصرفات الزوج في بيته؛ حيث يستمد منها تربية النفس وقوة العزيمة والإرادة والتحكم في الأهواء والرغبات، ولعل مشاركة الأسرة في تناول الإفطار والدعاء قبله يولِّد الشعور بالألفة والمحبة التي ينبغي أن تسود البيت المسلم، كذلك من الفائدة العظيمة أن يجتمع المسلم مع زوجته وأولاده على مائدة القرآن، فيقرأوه ويتدبَّروا آياته وأحكامه ومعانيه؛ مما يزيدهم قربًا من الله عز وجل.
ومما يزيد المودة والرحمة بين الزوجين ويجدد ينابيع الحب والدفء بينهما أن يبشَّ الزوج دائمًا في وجه زوجته، ويلين لها الكلام، ويطمئن على صحتها وأحوالها قبل أن يسألها عن الطعام والشراب، ولا بد أن يسود الرفق التعامل بين أفراد الأسرة؛ فالرفق لا يكون في شيء إلا زانة ولم يُنزَع من شيء إلا شانه.
أجود من الريح
ويضيف: أن على المسلم أن يوسِّع على زوجته وأبنائه ويكون كريمًا معهم، وإياه والبخل الذي يبعده عن الله وعن الناس وعن الجنة؛ فشهر رمضان شهر الجود والكرم؛ كان الرسول- صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أجود من الريح المرسلة وكان أجود ما يكون في شهر رمضان، ولا بد أن يحرص الزوج على اصطحاب زوجته إلى أقرب المساجد لأداء صلاة التراويح وسماع دروس العلم، وبعد العودة قد تجتمع الأسرة على ذكر الله وتلاوة القرآن ومدارسة العلم والأُنس بالأهل والأصدقاء، وبذلك يكون شهر رمضان فرصةً لتعويد المرء أن يَحْيَا بأخلاق صحيحة فاضلة بين أسرته والمجتمع، وأن يكون بدايةً جديدةً لحياة زوجية سعيدة دائمًا.
