حسن البنا
1- ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُمْ بِهِ فَقَدْ اهْتَدَوا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمْ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137) صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾ (البقرة).
2- ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنْ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (الشورى: من الآية 13).
3- ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ (123)﴾ (النحل).
وهكذا نرى القرآن الكريم يطلع على الإنسانية بهذا المبدأ الجديد، والدعوة الجديدة، ويسلك إليها هذه السبيل البديعة الفريدة في وقتٍ كانت الدنيا فيه تشتعل بنيران الأحقاد الدينية وتضطرم بسعير الخصومات المذهبية فأهل كل دين سماوي يخاصم بعضهم بعضًا، ويخاصمون غيرهم من أبناء الأديان والنحل الأخرى، وسائر الناس غير أهل الكتب السماوية يهيمون في أودية من الخرافة، ويتيهون في بيداء من الجهالة ما بين عبادة أشخاص إلى تقديس أصنام لا تسمع ولا تبصر ولا تغني من الحق شيئًا.
وفي هذا المعترك الروحي العجيب من الخصومة والجهالة يطلع القرآن على الناس بهذه الدعوة الجديدة، دعوة التآخي في الدين والاجتماع على أصوله الحقة، والإيمان به كوحدة ربانية إن اختلفت فيها الفروع بحسب الأزمان والأعصار فقد اتفقت فيها الأصول الخالدة الباقية لأنها من الفطرة التي لا تقوم إنسانية الناس إلا عليها.
ويسلك إلى تحقيق هذه الدعوة أقرب وأيسر وأسهل المسالك على هذا النحو الذي فصَّله القرآن وبينه:
يقرر أن التوحيد دين إبراهيم عليه السلام وشريعته، وإبراهيم جد موسى، وبه يتصل نسب عيسى عليهما السلام، وإبراهيم مقدس معظم عند أتباع موسى وأتباع عيسى على السواء، وما جاء محمد- صلى الله عليه وسلم- إلا بهذا التوحيد نفسه، بالحنيفية السمحة دين إبراهيم وملته فهو إذن لم يأت بجديدٍ ولم يرهق العقول ولا النفوس بأمر عويص، ولكنه إنما يدعو الكتابيين من قبله إلى ما به يؤمنون وله يعظمون، يدعوهم إلى إبراهيم وملته، وهو في ذلك مثلهم يؤمن بما يدعوهم إليه، ويحمل نفسه قبلهم على ما يحملهم عليه ففيم الفرقة والخلاف ولم الخصومة والنزاع ومرد الأمر بعد ذلك كله ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)﴾ (البقرة) فهذه واحدة.
والثانية أن هذا القرآن الكريم فرض على المؤمنين به أن يؤمنوا بكل نبي سبق، ويصدقوا بكل كتاب نزل، ويحترموا كل أمة مؤمنة مضت، فإذا ذكروا موسى قالوا: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾ (الأحزاب: من الآية 69)، وإذا ذكروا عيسى قالوا: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 45)، وإذا ذكروا التوراة قالوا فيها: ﴿هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: من الآية 44)، وإذا ذكروا الإنجيل قالوا ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ (المائدة: من الآية 46) أيضًا وإذا ذكروا الحواريين ذكروا بهم وصية ربهم إياهم ﴿كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ (الصف: من الآية 14)، وبذلك كسر حدة الخصومة ومهد السبيل للتفاهم الحق الكريم.
والثالثة أنه لم يقف عند حدود هذا التمهيد العاطفي النظري بل فتح باب التعاون العملي والتواصل الفعلي فقال لأتباعه والمؤمنين به: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: من الآية 5).
وجعل الأساس في هذا التعاون العدالة والإنصاف، بل البر والإحسان فقال ﴿لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)َ﴾ (الممتحنة).
وبعد هذا كله أوصى وصية مشددة وأمر أمرًا جازمًا أن يكون الجدال إذا وُجد ما يدعو إليه بالتي هي أحسن فقال في ذلك: ﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (46)﴾ (العنكبوت).
وإنك لترى خلال جدل القرآن ونقاشه أجمل معاني النزاهة في اللفظ والقصد والحرص على تحري الهداية إلى الحق بالحق، واقرأ بربك هاتين الآيتين لترى أسلوبًا فريدًا من العرض السليم المحكم والجدل النزيه الملزم في سورة النساء ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (171)﴾ (النساء).
![]() |
ألا وإن الإنسانية اليوم وقد اكتوت بنار المادية الطاغية وذاقت الأمرين من الإلحادية الكافرة والإباحية الفاجرة أحوج ما تكون إلى ظل ظليل من تعاليم السماء يعيد إليها الطمأنينة والمسرة، ويقر على الأرض السلام، ويكون رحمةً من الله للعالمين.
ولن يكون ذلك حتى يخلص ورثة الأديان وحملة الكتب لهذه التعاليم الربانية التي ورثوها، وسيرون إذا أخلصوا أن الوجهة واحدة والطريق معبدة ورسالة الخير التي يعملون لها مشتركة، وإنما يحجب الناس عن الحق فيها المطامع والغايات والأهواء والشهوات وسوء الفهم وقلة البضاعة من العلم، والقلوب بيد الله يقلبها كيف شاء ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ (100)﴾ (يونس).
فيا أيها الصائمون القائمون:
إذا قعد غيركم من الناس عن أن يقوموا لهذه الرسالة بحقها فكونوا أنتم لها أوفياء وعليها أمناء، واعملوا لها وجاهدوا في سبيلها لا يضركم مَن ضلَّ إذا اهتديتم، وكونوا في ذلك خير خلف لخير سلف ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21)﴾ (الأحزاب).
---------
* إعداد إسماعيل تركي مدير البصائر للبحوث والدراسات
* جريدة الإخوان المسلمين اليومية، العدد (81)، السنة الأولى، 9 رمضان 1365ﻫ/ 6 أغسطس 1946م، ص(3)
