-الشيخ حسين حلاوة: وضعنا ثلاثة ضوابط لرؤية الهلال لتوحيد الجاليات
-الشباب المسلم يشارك الكبار في الاحتفال بالشهر الكريم
حوار- نسيبة حسين
رمضان عند كثير من الأسر العربية التي تعيش في أوروبا أو أمريكا له طعم مختلف عن وطنهم الأم، ورغم أنه غالبًا ما يكون أقل حلاوةً إلا أنهم يجدون في هذا الشهر الكريم فرصةً لِلَمِّ الشمل الأسري والتعارف وتبادل التهاني، كما أنه فرصة أيضًا لنشر الإسلام في هذه الدول، وطبقًا لما سجَّلته الإحصائيات فإن شهر رمضان يحتل المرتبةَ الأولى في نسبة المعتنقين للإسلام فيه.
وهنا نلتقي مع فضيلة الشيخ حسين محمد حلاوة إمام المركز الإسلامي بدبلن- إيرلندا- ورئيس مجلس الأئمة لعموم إيرلندا وأمين عام المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وهو المجلس الذي يعد من أكبر المراكز الإسلامية في أوروبا، وله دور بارز في خدمة الإسلام هناك، التقينا به لنتعرف عن رمضان في بلاد الغرب، كيف يكون وما هي المشكلات التي تواجه المسلمين هناك، وهل هناك استعداد خاص لهذا الشهر من خلال المجلس، وغيرها من الأسئلة في هذا الحوار:
* بدايةً.. رمضان له شكل مختلف في كل مكان، فما الذي يميِّز رمضان في الغرب وخاصةً إيرلندا؟
** رمضان في الغرب ليس كرمضان في الشرق؛ لأن رمضان في المشرق له طعم خاص فكل شيء حولك يُذكِّرك برمضان في العمل والشارع والسوق والحي في العائلة الكبيرة والعائلة الصغيرة في المسجد في كل هذه الأماكن يشعر المسلم برمضان.
أما في الغرب فلا يذكِّرك شيء برمضان، اللهم إلا في البيت والمركز؛ ولذلك يحاول المسلم أن يُوفِّر المناخَ المناسبَ في بيته ويجتهد القائمون على المراكز والمساجد الإسلامية في إظهار روح هذا الشهر الفضيل؛ وذلك بتكثيف الأنشطة الدينية والاجتماعية والثقافية خلال هذا الشهر المبارك، سواء بموائد إفطار جماعية تجمع المسلمين أو حلقات العلم والدورات الشرعية وصلاة التراويح وقيام الليل والاعتكاف إلى حلقات تلاوة القرآن الكريم والمسابقات الرمضانية في القرآن الكريم، وغالبًا ما تستدعي المراكز الإسلامية دعاةً وقُرَّاءً من خارج أوروبا لإحياء هذا الشهر الكريم، حتى إذا جاء العيد تزينت المراكز واجتمع الناس من كلِّ مكانٍ لأداء صلاة العيد ثم يُقام بعد ذلك حفلٌ كبيرٌ يجمع المسلمين وتُوزَّع فيه جوائز المسابقات الرمضانية.
* قد يهتم الآباء بهذه المظاهر، ولكن هل الإصرار نفسه عند الشباب؟ وكيف يتعامل معها؟
** شهر رمضان المبارك موسم خير وبركة وعون للمسلمين عامة، والشباب خاصةً في إثبات هويتهم؛ إذ يقبلون فيه على أداء الشعائر الدينية وتزداد فيه الأواصر والروابط الاجتماعية، خاصةً على موائد الإفطار الجماعية التي تُقام في المراكز والأنشطة العديدة التي تكون بمثابة الزاد لهم.
زيادة الصلة بالله
* ما أثر رمضان على الروحانيات والعبادات لدى المسلم في الغرب؟
** المسلم في الغرب يحاول أن يعوّض في رمضان ما يفتقده خلال العام؛ وذلك بأن يكثف ويقوّي صلته بالله تعالى من خلال المداومة على برامج المراكز الإسلامية وإحياء ليالي الشهر الكريم في منزله.
* باعتبارك من قدامى المسلمين في إيرلندا هل هناك اختلاف بين رمضان زمان ورمضان الآن في الغرب؟
**
بالتأكيد.. فالآن هناك إقبال متزايد من المسلمين على المراكز الإسلامية، وهناك أيضًا زيادة في عدد المسلمين بالغرب وهناك اهتمام إعلامي أوروبي بهذا الشهر، وهو ما لم يكن موجودًا في السابق، إضافةً إلى أن الغرب نفسه ازدادت معرفته بأهمية هذا الشهر عند المسلمين؛ ولذلك فهم كما يقول المثل المصري "بيعملوا له ألف حساب".
20 ساعة صيام
* هل هناك صعوبات معينة تواجه المسلمين في رمضان؟
** الصعوبات التي تواجه المسلمين في الغرب في شهر رمضان المبارك أبرزها طول الأيام وفي بعض الأعوام يزيد طول النهار في بعض الدول عن عشرين ساعة؛ مما قد يسبب مشقةً على بعض المسلمين خاصةً الجدد منهم، ومع قصر الليل الشديد كذلك يجد العمال والموظفون مشقة في أعمالهم.
* دائمًا كانت مشكلة الهلال أحد أبرز مشاكل المسلمين في الغرب وكانت تؤدي إلى كثيرٍ من الخلافات فكيف واجهتم هذه المشكلة؟
![]() |
|
الشيخ حسين حلاوة مع د. يوسف القرضاوي |
** بالفعل من أبرز المشاكل التي تواجهنا في الغرب هي رؤية الهلال وتحديد بدايته ونهايته؛ وذلك نظرًا لأن بعض المسلمين للأسف يعيشون في الغرب، ولكنهم يستندون في صومهم وفطرهم إلى بلادهم؛ لذلك نجد في بعض البلدان اختلافًا كبيرًا في بداية الصيام ونهايته قد يصل إلى ثلاثة أيام أحيانًا، وحلاًّ لهذا الإشكال فقد أصدر المجلس الأوروبي للإفتاء قرارًا جمع فيه بين النص، وما وصل إليه العلم من إثبات ميلاد الهلال أو عدمه؛ حيث جاء في الفتوى التي صدرت بعد العديد من الأبحاث والدراسات، أنه يثبت دخول الشهر الجديد شرعيًّا إذا توافرت ثلاثة شروط: أولها أن يكون الاقتران قد حدث فعلاً (والاقتران هو اجتماع الشمس والأرض والقمر)، وأن يتأخر غروب القمر عن غروب الشمس ولو بلحظةٍ واحدةٍ مما يعني دخول الشهر الجديد، وهو قول ذهب إليه علماء معتبرون ويتوافق مع الظواهر الفلكية المعتبرة، وأخيرًا اختيار موقع مكة المكرمة الجغرافي أساسًا للشرطين المذكورين.
وقد أضاف المجلس في فتواه أنه على البلاد الأوروبية أن تأخذ بهذه القاعدة في دخول الشهور القمرية والخروج منها، وبخاصة شهري رمضان وشوال وتحديد مواعيد هذه الشهور بصورةٍ مسبقة، مما يساعد على تأدية المسلمين عباداتهم وما يتعلق بها من أعياد ومناسبات وتنظيم ذلك مع ارتباطاتها في المجتمع الذي تعيش فيه، كما أوصى المجلس أعضاءه وأئمة المساجد وعلماء الشريعة في المجتمعات الإسلامية وغيرها بالعمل على ترسيخ ثقافة احترام ما انتهى إليه القطعي من علوم الحساب الفلكي عندما يقرر عدم إمكانية الرؤية، بسبب عدم حدوث الاقتران، كما سيصدر المجلس- إن شاء الله- تقويمًا سنويًّا يحدد بداية الشهور القمرية ونهايتها استنادًا إلى هذا القرار.
زيارة الرئيسة
* بعيدًا عن الهلال وأوضاع المسلمين في الغرب لو تحدثنا عن إيرلندا تحديدًا باعتبارها مقرك بعد مصر فكيف انتشر فيها الإسلام؟ وما علاقتكم بالسلطات؟
** بدأ توافد المسلمين إلى إيرلندا من النصف الثاني من القرن الماضي من خلال الطلاب المسلمين الذين كانوا يذهبون للدراسة والذين زاد توافدهم حتى شكلوا أقليةً داخل المجتمع الإيرلندي يصل تعدادهم الآن إلى حوالي 40 ألف مواطن، وهم من جنسيات مختلفة عربية وغير عربية ويوجد عدة مراكز إسلامية في إيرلندا خاصةً في المدن الكبرى مثل دبلن العاصمة وجلوي وكورك وليمرك وغيرها من المدن، ويعمل المسلمون في إيرلندا في مختلف المجالات مثل الطب والكمبيوتر والتجارة، إضافةً إلى عددٍ كبيرٍ من الدارسين لعلوم الكمبيوتر والطب، وعلاقة المسلمين بالدولة فوق الممتازة وتمتاز بالتواصل والحوار، وقد قامت السيدة ماري مكاليز (رئيسة الجمهورية) بزيارة المركز الإسلامي أكثر من مرة، كما زار المركز رئيس الوزراء عدة مرات، وهو ما يؤكد أن العلاقة بيننا وبين الحكومة مبنية على جدارٍ من التواصل والتحاور والتفاهم الإيجابي.
تعدد الجنسيات
* هل اختلاف الجنسيات المسلمة في المجتمع الإيرلندي له تأثيرات سلبية أم إيجابية؟
** اختلاف الجنسيات أمر محمود، وهو ما يميز أمة الإسلام؛ لأنه على اختلاف الجنسيات والأعراق واللغات، فالمسلمون تجمعهم هوية واحدة هي الإسلام، ويدل ذلك على تقدم حضارة الإسلام على غيرها في تسويتها بين الناس جميعًا، فلا فرقَ بين أعجمي وعربي، كما قال الرسول الكريم "أيها الناس كلكم لآدم وآدم من تراب"، أما إذا أدَّى ذلك إلى عنصرية وتحزب وتشرذم فهذا ما يُسيء إلى المسلمين في المجتمع الذي يعيشون فيه.
* ما أثر الحروب الإعلامية الغربية على انتشار الإسلام؟
** في الحقيقة أكثر ما يشغلني هو حسن عرض الإسلام وإزاحة الشبهات التي يرددها أعداء الإسلام والجاهلون زورًا وبهتانًا؛ لأن الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين شوَّهت صورته، وللأسف هناك من المنتسبين للإسلام مَن يساعد على تشويه الصورة العظيمة لهذا الدين العظيم، وقناعتي أنه يوم أن نُحسن عرض الإسلام ونُزيل الشبهات ويرى الناس عظمته فإن الناس سيأتون إلى الإسلام راغبين مقتنعين، وقد رأيتُ مثقفين ومفكرين عندما درسوا الإسلام دراسةً جادةً واختلطوا بمَن يحسن عرض الإسلام أقبلوا عليه بل تحمَّسوا له أكثر من كثيرٍ من المنتسبين إليه.
مجلس الأئمة
* تتولى رئاسة مجلس اتحاد الأئمة في الغرب.. فما مهمته؟ وهل يعد الأول من نوعه؟
** مع كثرة المراكز الإسلامية والمساجد في الغرب نشأت فكرة قيام مجلس مجمع للأئمة لما لهم من دورٍ كبيرٍ بين المسلمين، فأُنشئ هذا المجلس والذي يجمع كل أئمة المراكز على اختلاف مذاهبهم وتوجهاتهم، ووضعوا ميثاقًا ودستورًا للعمل من خلاله، وهو يعدّ الأول من نوعه على مستوى أوروبا بأكملها.
* وما الفرق بينه وبين المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث؟
** المجلس جهة علمية وله صلاحيات ومهام أوسع، ولا شك أن للمجلس دورًا كبيرًا في المحافظة على الهوية الإسلامية واندماج المسلمين في المجتمعات التي يعيشون فيها من غير ذوبان، وقد عقد المجلس عدة دورات ساهم من خلالها في التأصيل الشرعي لذلك، وكانت آخر دوراته التي عُقدت في البوسنة والهرسك تحت عنوان: (المسلمون في أوروبا المواطنة والاندماج)، وقُدمت فيها عدة أبحاث حول المواطنة والاندماج الإيجابي في المجتمع، كما أُقيمت ندوة شارك فيها العديد من الخبراء والمختصين، وكذلك نظَّم المجلس دوراتٍ للأئمة في عدة دول أوروبية لإبراز دور الإمام في هذا الجانب، كما أصدر المجلس إصدارات.
صيام 9 ساعات
* لو تحدثنا عنك تحديدًا فهل تذكر لنا انطباعك عن أول مرة تصوم فيها رمضان خارج مصر؟!
** أول مرة صمتها في الغرب كانت في أمريكا منذ ما يقرب من 20 عامًا، ولفت نظري يومها الأنشطة المكثَّفة التي يقيمها المسلمون خلال شهر رمضان المبارك، وخاصةً الموائد الرمضانية، وكان لها سمتٌ خاصٌّ؛ حيث تأتي كل أسرة بما تستطيع من إفطار من بيتها، وتجتمع الأسر في المركز الإسلامي، ويقوم بعض الإخوة بتوزيع الطعام على الجميع، فتجد الطعام الباكستاني والماليزي والمصري واليمني والتركي والسوداني والأمريكي والغربي على المائدة، وبعد الإفطار وشرب الشاي يجتمع الجميع حول موعظة، ثم يقومون لصلاة العشاء والتراويح وبعدها ينصرفون إلى بيوتهم.
* هل الوضع يختلف في إيرلندا؟
** أول مرة صمتها في إيرلندا كانت منذ حوالي 12 عامًا، وكان ذلك في الشتاء الشديد، وكان الثلج يغطي الأرض، فتراها كحلة بيضاء، وأذكر أن النهار كان قصيرًا جدًّا؛ حيث لم يكن الإنسان يشعر بأنه صائم؛ إذ لا تتعدى ساعات الصيام 9 ساعات، ومع شدة البرد لم يكن الإنسان يشعر بالجوع أو العطش، وكان المسلمون يلتقون يوميًّا على مائدة الإفطار، ولكن المركز هناك هو الذي يقوم بإعداد الطعام، وكان بين آذان المغرب والعشاء ما يقارب أربع ساعات؛ إذ إن أذان المغرب حوالي الساعة الرابعة والعشاء في الساعه الثامنة، يتبعها صلاة التراويح.
وكان المسلمون حريصين على الموعظة، فلم يكن أحد منهم يتحرك من مكانه حتى تنتهيَ، وأذكر أن أحد المبعوثين لقراءة القرآن الكريم في شهر رمضان لمَّا رأى البرد القارس والثلج الكثيف تعجَّب من حضور المصلين في هذا الجوّ القارس والثلج الكثيف، ثم قال بلغة جادَّة: لو حضر شيخ الأزهر ورأى الجوَّ هكذا لأمرهم بالصلاة في بيوتهم، فقال أحدهم يا مولانا، لو أفتى الشيخ بذلك لأغلقت المراكز؛ لأن الجوَّ هكذا معظم العام، وأذكر أيضًا أن المركز نظَّم مسابقةً للقرآن الكريم في شهر رمضان، وحدَّد عدد الأجزاء مقابل الأعمار، مثلاً اشترط لمن يدخل المسابقة في جزء أن لا يزيد عمره عن سبع سنوات، وفي جزءين ألا يزيد عمره عن ثماني سنوات، وهكذا.. فتقدمت أخت عندها من العمر خمسة وعشرون عامًا لمسابقة جزء (عمّ)، وكتبت في الاستمارة أن عمرها سنتان ونصف فقط! فلما سألها منظِّم المسابقة، قالت إني أعتبر أن تاريخ ميلادي يوم أن أسلمت لا يوم ولدتني أمي فهذه هي حياتي الحقيقية!!
كما تقدم شاب دخل في الإسلام حديثًا لمسابقة ثلث القرآن، وتعجبت لجنة الامتحان عندما علمت أنه مسلم جديد، ولما سأله الممتحن: كم تحفظ من القرآن؟ قال ثلث القرآن. قال: من الأول أم من الآخر؟ فلم يفهم ما يقوله الممتحن له، فقال له الممتحن: أسمعني ما تحفظ فقراء (قل هو الله أحد) إلى آخرها، فقال له الممتحن: هل تحفظ غيرها؟ فقال الشاب: أخبرني محفظي أنها ثلث القرآن!!
هنا الفرق
* مَن الذين تحرص على دعوتهم إلى مائدتك في رمضان؟
** من الذين أحرص على استضافتهم في رمضان المسلمون الجدد، وهذه الاستضافة تُحدث أثرًا عظيمًا في نفوسهم، خاصةً أنه يوجد في الغرب التفكك الأسري وعدم الترابط الاجتماعي؛ فقد لا تجتمع الأسرة في الغرب على الطعام إلا يومًا واحدًا في العام، وذلك في أعياد الميلاد؛ ذلك لأن النظرة المادية البحتة إلى الحياة جعلت الوالدين ينظران إلى أبنائهم عند بلوغ سن الثانية عشرة على أنهم عبء، ويجب أن يبحثوا عن مصدر للعيش، وأن يبحثوا عن مكان آخر للعيش، ولذلك حين يدخل هؤلاء الشباب وغيرهم إلى الإسلام أول ما يلفت نظرهم هو ترابط الأسرة المسلمة وتراحمها.
وأذكر أن شبابًا جددًا لم يمضِ على دخولهم في الإسلام سوى أشهر قليله جدًّا، لما حضر شهر رمضان ودعوتهم على مائدة الإفطار رأيت على وجوههم العجب والدهشة والسعادة؛ لأنهم دخلوا بيت إمام المركز وجلسوا معه وأكلوا، ورأوه بهيئة غير التي يرونه فيها على المنبر وفي حلقات المركز، ولم يكونوا يتصوَّروا أنهم بإمكانهم أن يجالسوا الإمام في بيته ويتباسطوا معه في الحديث والمزاح؛ حيث إن رجل الدين في الديانة التي كانوا يعتنقونها قبل الإسلام كانت له هالة تحُول بينه وبينهم، ولم يكن يسمح لأحد أن يباسطه أو يمازحه؛ لأنه من وجهه نظرهم رجل مقدس يأتون إليه ليضع عنهم أوزارهم، ويكفر من سيآتهم، أما إمامهم اليوم فلا يملك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، وهم وهو سواءٌ "أكرمهم عند الله أتقاهم".
