كانت تخشى أن يأتي رمضان وينفضَّ وهي كما هي، لا تغيُّر، ولا رضا عن النفس كبير، فتدحرجت حبَّاتٌ كاللؤلؤ على وجنتيها وتنهَّدت تنهيدةً عميقةً فإنَّ سنوات عمرها تتساقط كورقِ الخريف وتتمنى أن تنال من رمضان ما كان يناله السابقون من مغفرةٍ ورضوان وسكينةٍ وطمأنينة تنتاب النفس وتُنير الفؤاد، فالشيطان مقيدٌ هذا الشهر، والفرصة سانحة وليس عليها سوى العزم والبذل.
شعرت أختٌ لها بدروس العلم ما كانت تعانيه مَن اختارتها أختًا لها في الله تُشاطرها الصحبةَ والرفقةَ فأرادت أن تُهوِّن عليها ما روته لها من معاناتها في أن يلحق رمضان هذا الوليد برفاقه السابقين في مقبرة الغفلةِ واللهو والنسيان؛ حيث قالت لها: إن رمضان بالفعل فرصة لحياة القلوب ولن يكون ذلك إلا بالقرآن، وبالطبع في بداية تلاوته لن تستشعري حلاوته، فالقلب قد ران عليه، ويحتاج إلى تلاوةٍ تليها تلاوة لتبدأ تلاوة فلا تجزعي بعزوف نفسك عن آياتِ القرآن في بداية الأمر، ولكن كلما وجدتيها عازفةً أكثري من التلاوة، ولا بد مع الاستمرارية أن تلين في نهاية الأمر بعون الله والدعاء المستمر له.
![]() |
|
سمية رمضان |
ولذلك هذا الشهر الكريم هو حقًّا شهر القرآن، نُصاحبه على اللسان ليوقر في القلب، فينبض بالحياة فتتحرك به الجوارح عملاً وتطبيقًا تبعًا لعمل وتطبيق النبي- صلى الله عليه وسلم-، فضعي في مطبخك شريط قرآن، وعند نومك يكون استماعك للآيات الكريمة، وفي منزلك ليكن مؤشر المذياع على إذاعة القرآن الكريم، وفي كثيرٍ من الوقت في بداية الأمر ستكون نفسك شاردةً ولكن ليكن تصميمك رد نفسك تلك عن شرودها بمساعدة قلبك على فكِّ أسره من هذا القفل المتين الناتج من أفعالنا وتصرفاتنا البعيدة عن رُوح القرآن الكريم ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (محمد: من الآية 24).
واجعلي عملك الدءوب في هذا الشهر هو إزالة هذا الران في أسرع وقتٍ حتى تتمتعي بعد ذلك بهذه الآيات العظيمة النورانية في جلب السعادة إلى نفسك في استسلامها لله، وفي جلب السعادة لبيتك في تسيير دفته؛ حيث طاعة المولى، وارفعي يا أختاه شعار (الله أولاً)، في كل مكانٍ اكتبيه على لوحاتٍ صغيرة وضعيها في أماكن واضحة لك في منزلك، ودومًا الله أولاً في كلِّ تصرفاتك ويعلو على هواكِ وعاداتكِ، ولن يكون ذلك إلا بإعلاء كلامه وأوامره وإخضاع نفسك لتجسيد تلك الآيات فتصبح في ردود أفعالك وتصرفاتك.
قالت لها: نعم في كل سنة تكون هذه بدايتي، لكن- وآهٍ من لكن- يجذبني كل شيء حوله إليه وعامل الجذب شديد فتصبح عزيمتي واهية، وإرادتي أوهن من بيت العنكبوت.
ابتسمت لها وأخذت الاثنتان في تحديد الأولويات.. ساعة لترتيب المنزل وسيرافقها القرآن سماعي، مع اتصالٍ تليفوني لأيٍّ من صلة الرحم حتى يصلها سبحانه ويحقق لها الدعاء على ألا تطيل في مكالمتها، وبمجرد سماع أذان الظهر تُعجِّل بالصلاة؛ حيث إن عددَ ركعاته مع السنن المؤكدة يفوق وقت أي صلاةٍ أخرى خلال النهار، ولتكن النوافل تلاوتها من المصحف فتتمتع بصلاتها ولا تنقرها كنقر الغراب، ولتكن صلاة الظهر بآياتٍ من حفظها الجديد من آيات القرآن ولا تتعود أن تردد نفس السور ونفس الآيات فيصبح بينها وبين الآيات حجاب السعادة وحركات آلة.
ثم تقوم ببعض الإعدادات في مطبخها بما لا يزيد على الساعة مع مصاحبة التلاوة "سماعي"، ولا بد من قسطٍ من الراحة قصير لحين صلاة العصر مع تلاوة بعض الآيات التي حفظتها، ولو كانت ثلاث آيات وتزيد من دعائها وتوسلها إلى الله، فهو سبحانه قريب ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (البقرة: من الآية 186)، ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (19)﴾ (العلق: من الآية 19)، ولتصطحب إذاعة القرآن الكريم في الإعدادات الأخيرة للإفطار.
ثم اتفقت الصديقتان على عدم رفض العزائم ولكن التيسير فيها، فإن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يُروى عنه أنه إن أكل صنفًا من الطعام لا يُثني، وهذا رسول الله فلماذا نضع الأصناف الكثيرة التي تأكل وقت الأخت في رمضان، والذي هو كالماس الأصلي في قيمته، ولتكن العزومة صنفًا واحدًا رئيسيًّا ومعه صنف آخر جانبي.
وبالفعل اتفقتا مع زوجيهما، وحذا حذوهما أكثر من أخت فإن الأسرة جميعها لا بد أن يُعين كلٌّ منهم الآخر على الطاعة، وليتنا في الحقيقة نصرُّ على ذلك وإن كنا معزومين ألا يزيد الأصناف كشرطٍ لقبول الدعوة عن صنف أو صنفين؛ وبذلك نقضي على هذه العادات التي تجعلنا نحن النساء بدلاً من أن نحب اجتماع العائلات والأصدقاء نكون وقد حدث لنا ردود أفعال نفسية سيئة؛ مما نعانيه من تعبٍ ومجهودٍ، بل إن هذه العزائم يكثر فيها المباهاة والافتخار على حساب التواضع والحب؛ وبذلك نستطيع اصطحاب الأهل أو الأصدقاء وفي رفقتهم ربة المنزل إلى صلاة التراويح وهي نشيطة مقبلةٌ على الصلاة وليست متعبةً مرهقةً ولا تكاد ترى أمامها.
وكانت خطتهما النوم بقدر المستطاع مبكرًا ليكون اللقاء الكبير من المولى- عزَّ وجل- في قيام الليل تشدو فيه بجزءٍ من القرآن في سكون الليل الرائع، ثم الاستعداد للسحور فصلاة الفجر حيث مكسب خيري الدنيا والآخرة وبعض الراحة لبداية يوم جديد.
وتعاهدتا على اتباع الأولويات التي سطَّروها، وبالطبع إن صدقتا لن ينتهي الشهر إلا وقد شعرتا بسكينةٍ قد غمرتهما وسيشعر الجميع بتغيرٍ واضحٍ في تصرفاتهما طبقًا لكتاب الله العظيم وسنة رسوله الكريم.
كل عامٍ وكل مسلم على وجه الأرض بخير.
كل عام وكل مسلم في باطن الأرض مغفورٌ له.
