﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا (1) قَيِّمًا لِيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3)﴾ (الكهف)، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أنزل الكتاب على عبده ليكون للعالمين نذيرًا، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله؛ يقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "تركتُ فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا: كتاب الله وسنتي".
يقول الله تبارك وتعالى في الجزء الحادي عشر من سورة يونس (في الآيتين 57: 58): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾.
بعد أن ذكر الله- عز وجل- الأدلةَ على أسس الدين الثلاثة، وهي: الوحدانية والرسالة والبعث، أكد ذلك بالتشريع العملي وهو القرآن الكريم، وقد أجمل مقاصد هذا التشريع في أمور أربعة وضحتها الآية الكريمة، وهنا يأتي التوجيه الرباني لرسوله- صلى الله عليه وسلم- أن قُل لهم أيها الرسول: قد جاءكم كتابٌ جامعٌ لكلِّ ما تحتاجون إليه من المواعظ الحسنة التي تصلح أخلاقكم وأعمالكم، والشفاء للأمراض الباطنية والهداية الواضحة للصراط المستقيم، الذي يوصل سعادة الدنيا والآخرة والرحمة الخاصة للمؤمنين من ربِّ العالمين، والآية الكريمة قد أجملت إصلاح القرآن الكريم لأنفس البشر في أربعة أمور:
1- الموعظة الحسنة للناس كل الناس بالترغيب والترهيب بذكر ما يرقُّ له القلب فيبعثه على الفعل أو الترك، وقد جاء في معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ (البقرة: من الآية 231)، وقوله تعالى أيضًا ﴿هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)﴾ (آل عمران)، فجاء هذا القرآن وهو معجزة آخر الزمان للنبي العدنان يحمل للناس الموعظة من الله عز وجل يرغبهم من خلال الآيات فيما يقربهم من الله- عز وجل- ويرهبهم أيضًا من خلال آيات القرآن، فكان القرآن في مجمله فيه من الموعظة الحسنة التي تأخذ بأيدي الناس إلى طاعة رب الناس الله رب العالمين.
2- الشفاء لما في القلوب من أدواء الشرك والنفاق وسائر الأمراض التي يشعر من أجلها بضيق الصدر كالشك في الإيمان والبغي والعدوان وحب الظلم وبغض الحق والخير.
3- الهدى إلى طريق الحق، واليقين والبعد عن الضلال في الاعتقاد والعمل.
4- الرحمة للمؤمنين وهي ما تُثمر لهم هداية القرآن وتفيضه على قلوبهم، ومن آثارها بذل المعروف، وإغاثة الملهوف، وكف الظلم ومنع التعدي والبغي، وإجمال ذلك أن موعظة القرآن وشفاءه لما في الصدور من أمراض الكفر والنفاق وجميع الرذائل، وهداه إلى الحق والفضائل موجهات إلى أمة الدعوة وهم جميع الناس والمؤمنون قد اختصوا بما تثمره هذه الصفات الثلاث من الرحمة لأنهم هم الذين ينتفعون بها.
والله تبارك وتعالى في هذه الآية يوجه خطابه للناس قائلاً لهم أيها الناس قد جاءتكم في ذلك الكتاب الذي ترتابون فيه؛ جاءتكم الموعظة من ربكم فليس هو كتاب مفترى وليس ما فيه من عند بشر ﴿الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)﴾ (البقرة)، جاءتكم الموعظة لتحيي قلوبكم وتشفي صدوركم من الخرافة التي تملؤها والشك الذي يسيطر عليها والزيغ الذي يمرضها والقلق الذي يحيرها، فبالقرآن تكون حياة القلوب، كما ذكر الله عز وجل في القرآن: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ (الأنعام: من الآية 122)، والقرآن هو ذكر العبد الدائم لربه لأنه كلام الله المتعبد بتلاوته، والنبي- صلى الله عليه وسلم- يقول: "مثل الذي يذكر الله والذي لا يذكره كمثل الحي والميت"، ولقد جاء النبي- صلى الله عليه وسلم- بالقرآن ليحيي به أموات قلوب وليس أموات أجساد فكان أهل الجزيرة العربية قد ماتت قلوبهم وتحجَّرت فهي كالحجارة أو أشد قسوةً فجاء القرآن ليحيي هذه القلوب بنور القرآن؛ بل إن الله- جلَّ وعلا- جعل الاستجابة لله ولرسوله باتباع القرآن إنما فيها الحياة كل الحياة.. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (24)﴾ (الأنفال) أي يحييكم بالقرآن وبنور القرآن الذي فيه حياة القلوب عندما يتربع القرآن على عرشها.
جاء الرسول محمد- صلى الله عليه وسلم- بالقرآن ليفيض على هذه القلوب البرء والعافية واليقين والاطمئنان والسلام مع الإيمان، وهي لمَن يُرزق الإيمان هدى إلى الطريق الواصل لله- عز وجل- وجنته ورحمة من الضلال والعذاب.
ولذلك يُعقِّب الحق سبحانه وتعالى بعد ذلك بقوله: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾ (يونس)، فبهذا الفضل الذي آتاه الله عباده وبهذه الرحمة التي أفاضها عليهم من الإيمان، فبذلك وحده فليفرحوا فالفرح الحقيقي هو الفرح بطاعة الله الفرح بعمل الحسنات والحزن لفعل السيئات لقول النبي- صلى الله عليه وسلم-: "مَن سرته حسناته وساءته سيئاته فهو مؤمن"، فهذا هو الذي يستحق الفرح كل الفرح والسعادة كل السعادة، لا المال ولا أعراض هذه الحياة إن ذلك هو الفرح العلوي الذي يُطلق النفس من عقال المطامع الأرضية والأعراض الزائلة، فيجعل هذه الأعراض خادمةً للحياة لا مخدومة، ويجعل الإنسان فوقها وهو يستمتع بها لا عبدًا خاضعًا لها.
والإسلام لا يحقر أعراض الدنيا ليهجرها الناس ويزهدوا فيها إنما هو يزنها بوزنها ليستمع بها الناس وهم أحرار الإرادة طلقاء اليد، مطمحهم أعلى من هذه الأعراض، وآفاقهم أسمى من دنيا الأرض، الإيمان عنده هو النعمة، وتأدية مقتضيات الإيمان هي الهدف، والدنيا بعد ذلك مملوكةٌ لهم لا سلطانَ لها عليهم.
عن عقبة بن الوليد بن صفوان بن عمرو: سمعت أيفع بن عبد الله الكلاعي يقول: لما قدم خراج العاق إلى عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- خرج عمر ومولى له فجعل عمر يُعد الإبل فإذا هي أكثر من ذلك فجعل يقول الحمد الله تعالى ويقول مولاه: هذا والله من فضل الله ورحمته، فقال له عمر كذبت ليس هذا هو الذي يقول الله تعالى ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58)﴾ (يونس).
هكذا كان الرعيل الأولون ينظرون إلى قيم الحياة كانوا يعدون الفضل الأول والرحمة الأولى هي ما جاءهم من الله من موعظةٍ وهدى، فأما المال وأما الثراء وأما النصر ذاته فهو تابعٌ؛ لذلك كان النصر يأتيهم، وكان المال ينهال عليهم، وكان الثراء يطلبهم.
إن طريقَ هذه الأمة واضح: إنه في هذا الذي يسنه لها قرآنها، وفي سيرة الصدر الأول الذين فهموه من رجالها هذا هو الطريق، إن الأرزاق المادية والقيم المادية ليست هي التي تحدد مكان الناس في هذه الأرض في الحياة الدنيا، فضلاً عن مكانهم في الحياة الأخرى، إنه لا بدَّ من قيم أخرى تحكم الحياة الإنسانية وهذه القيم الأخرى هي التي يمكن أن تُعطي للأرزاق المادية والتيسيرات المادية قيمتها في حياة الناس، وهي التي يمكن أن تجعل منها مادةَ سعادةٍ وراحةٍ لبني الإنسان.
إن المنهج الذي يحكم حياة مجموعةٍ من البشر هو الذي يحدد قيمة الأرزاق المادية في حياتهم، وهو الذي يجعلها عنصر سعادة أو عنصر شقاء، كما يجعلها سببًا للرقي الإنساني أو مزلقًا للانتكاس. ومن هنا كان الذين تلقوا هذا القرآن أول مرةٍ يدركون هذه القيمة العليا فكان فهم عمر لفضل الله ورحمته، لقد كانوا يدركون قيمة النقلة البعيدة التي نقلها لهم هذا الدين من وهدة الجاهلية التي كانوا فيها، إنها النقلة الأساسية التي تتمثل في هذا الدين وهي إعتاق رقاب العباد من العبودية للعباد وتحريرهم من هذه العبودية وتعبيدهم لله وحده وإقامة حياتهم كلها على أساس هذا الانطلاق الذي يرفع تصوراتهم ويرفع قيمهم ويرفع أخلاقهم ويرفع حياتهم كلها من العبودية إلى الحرية.
أيها المسلمون: إن الذي يستحق الفرح والسعادة هو الفرح بفضل الله وبرحمته أن جعلكم من أهله، وعن الحسن والضحاك وقتادة ومجاهد "فضل الله الإيمان ورحمته القرآن"، فنسأل الله أن يرزقنا الإيمان ويزينه في قلوبنا، وأن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
اللهم أمين.