بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين؛ سيدِنا محمدٍ صلَّى الله عليه وسلم، وعلى آلِهِ وصحبِه، وعلى مَن سارَ على دربِه، واتبع هديَهُ إلى يومِ الدين..

 

الإخوةُ والأخواتُ..

أحيِّيكم جميعًا بتحيةِ الإسلامِ؛ فالسلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته، وبعد..

فلقد تعوَّدْنا أن نلتقي في رمضانَ.. شهرِ الصيامِ والقيامِ وتلاوةِ القرآنِ.. شهرِ الرحمةِ والمغفرةِ والعتقِ من النيرانِ، نلتقي في هذه المناسبةِ الكريمةِ لنتدارَسَ معًا شئونَنا وشئونَ أمتِنا، ولكي نلقيَ الضوءَ على أسبابِ تخلُّفِنَا وتراجُعِنا، والتحدياتِ التي تواجهُنا، على المستوى الداخلِيِّ والخارجِيِّ، وفي هذا العامِ نتواصَلُ عبر القلوبِ والأرواحِ، بعد أن حالت وزارةُ الداخليةِ بيننا وبين انعقادِ حفلِنا الرمضانيِّ السنويِّ، ومنعَت لقاءَ الأحبَّةِ على طعامِ الإفطارِ.
أيُّها الأخوة والأخوات ..

 

لقد كانَ رمضانُ دائمًا عبرَ التاريخِ والعصورِ شهرَ الخيرِ للأمة، وشهرَ البركةِ لأبنائها، وشهرَ الانتصاراتِ والفتوحاتِ؛ فتوحاتِ الخيرِ والرحمةِ.. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، ولقد قدَّم أسلافُنا السابقون- من الصحابةِ الكرامِ والتابعين منهم بإحسانٍ- نماذجَ وقدواتٍ خالدةً وحيَّةً للفهمِ الحقيقيِّ للإسلامِ، وأمثلةً عُليا في الجهادِ والبذلِ والتضحيةِ والفداءِ، في سبيلِ إعلاءِ كلمةِ الحقِّ والدفاعِ عن الأوطانِ، فكانت بدرٌ الكبرى وفتحُ مكةَ في رمضان، وحطينُ في رمضانَ، وفي عصرِنا الحديثِ كان الانتصارُ العظيمُ لقواتِنا المسلَّحةِ على العدوِّ الصهيونيِّ في رمضان.

 

ويأتي رمضانُ هذا العامَ على أمتِنا وهي تعاني الكثيرَ من الظلمِ والجَورِ والقيودِ التي كبَّلت إرادَتَها، وأعاقَت مسيرتَها.

 

إن الأمةَ تَئنُّ من كثرةِ المشكلاتِ التي تُثْقِل ظهورَ أبنائها، ما بين جمودٍ سياسيٍّ، وتباينٍ اجتماعيٍّ، وسجنٍ وتعذيبٍ، وقهرٍ واعتقالٍ، وبين غلاءٍ للأسعار، وانخفاضٍ في الدخولِ، وعجزٍ في الموازناتِ، وتأخُّرٍ في التعليمِ، وسوءٍ في الرعايةِ الصحيةِ التي تدنَّت مستوياتُها؛ إضافةً إلى هذا قهرُ الأجنبيِّ، واحتلالُه أرضَنا، وتدنيسُه مقدساتِنا، وقتلُه أبناءَنا، واستباحتُه حرماتِنا، وإشاعتُه الفوضَى في ربوعِ أوطانِنا، ونهبُ خيراتِنا وثرواتِنا..!

 

فالبطالةُ تهدِّدُ الأمنَ القوميَّ الداخليَّ؛ حيث ملايينُ الشبابِ من خيرةِ أبناءِ الوطنِ لا يجدونَ عملاً، ولا يملكون دخْلاً ولا قدرةً على العيشِ الكريمِ، فضلاً عن الاستقرارِ والزواجِ وتكوينِ الأُسَرِ التي يتكون منها المجتمعُ.. مَن لهؤلاءِ الشبابِ إذا كان أولو الأمرِ غافلين عنهم، غيرَ حريصين على توظيفِ طاقاتِهم فيما ينفعُهم وينفعُ أوطانَهم؟!

 

والفقرُ الذي تعاني منه الأغلبيةُ من أبناءِ هذا الوطنِ، وعجزُ النظامِ وفشلُه في إيجادِ الحلولِ الحقيقيةِ له.. فَمَن للشعبِ الفقيرِ إذا كان المسئولُ عنه في وادٍ وهو في وادٍ آخرَ؟ ومَن للفقراءِ وقد استأثَرَتْ قلةٌ بمعظمِ الثروةِ، واستولَت عليها بالغشِّ والرشوةِ والفسادِ والتدليسِ، فضلاً عن تهريبِ الملياراتِ؟!

 

والمرضُ الذي تعدَّدت صورُه وأنواعُه؛ حيث تدهورتْ صحةُ الشعب وأصبح حوالى 20% من المصريين، أي حوالَي 16 مليونَ مصريٍّ يعانون من أمراضِ الكبدِ الخطيرةِ؛ الأمرُ الذي ينعكسُ سلْبًا على قدرةِ الشعبِ على الإنتاجِ.

 

والحوادثُ التي أصبحَت تحصُدُ الأرواحَ بالآلافِ من المصريين كلَّ عامٍ؛ نتيجةً لسوءِ حالةِ الطُّرُقِ، وعدمِ الرقابةِ الفعَّالةِ على الحركةِ.

 

هذا هو الحالُ.. ضعفُ المواردِ، وسوءُ إدارةِ المتاحِ منها، وإعلانُ خططٍ وبرامجَ وهميةٍ، لا نرى لها أثرًا ولا نُحِسُّ منها بنتيجةٍ إيجابيةٍ على معاناةِ الناسِ اليوميةِ.

 

فإلى متى هذا الفشلُ والإخفاقُ والتقصيرُ بل والإجرامُ في حقِّ هذا الوطنِ، وفي حقِّ أهلِه الطيبين، الذين يستحقون منا كلَّ جهدٍ وعملٍ مخلِصٍ؟!

 

وإلى متى التضليلُ ومحاربةُ الشرفاءِ من أبناءِ الوطنِ، وإقصاءُ ذوي الاختصاصِ والهمَّةِ العاليةِ، الذين يُحرَمون من المشاركةِ في تنميةِ أوطانِهم، لا لشيءٍ إلا لأنهم يختلفون مع الحاكمِ في نهجِهِ الاستبداديِّ وأسلوبِهِ القمعيِّ؟!

 

لقد كان من الطبيعيِّ مع الظلمِ والفشلِ والإخفاقِ وحالةِ الاستبدادِ والجمودِ والركودِ أن يتراجَعَ دورُ مصرَ على المستويين الإقليميِّ والدوليِّ، خاصةً في مواجهةِ المشروعِ الأمريكيِّ الصهيونيِّ، الذي يستهدفُ تصنيفَ المنطقةِ إلى محورَين: محورِ اعتدالٍ، ومحورِ تطرفٍ؛ لضمانِ المصالحِ الأمريكيةِ والتفوقِ الساحقِ للكيانِ الصهيونيِّ من ناحيةٍ، ومزيدٍ من إضعافِ وتشرذمِ النظامِ العربيِّ والإسلاميِّ من ناحيةٍ أخرى.

 

أيها الإخوةُ الفضلاءُ، والأخواتُ الكريماتُ..

إن الصهاينةَ والنظامَ الأمريكيَّ اليمينيَّ المتطرفَ يحاصرون الشعبَ الفلسطينيَّ حصارَ الجوعِ والموتِ، ويشاركُ للأسفِ في الحصارِ بعضُ الأنظمةِ القائمةِ في البلادِ العربيةِ والإسلاميةِ في منعِ الغذاءِ والدواءِ ومستلزماتِ الحياةِ ومطالبِها الضروريةِ عن إخوانِهم الفلسطينيين!! إنني ومن هذا المكانِ أدعوكم جميعًا وأدعو كلَّ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ إلى مقاطعةِ الصهاينةِ وأعوانِهم ومَن يتعامَل معهم من عصاباتِ المصالحِ والمطبِّعين والمخرِّبين للاقتصادِ في بلادِنا.

 

وأقولُ وبكلِّ إخلاصٍ وودٍّ للإخوةِ الفلسطينيين: إن واجبَنا جميعًا الآنَ مقاومةُ المحتلِّ، فلا مكانَ ولا مجالَ للصراعِ الداخليِّ؛ فانبِذوا الفرقةَ والعداوةَ، وأخرِجوا من بينكم العملاءَ ورؤوسَ الفتنةِ وأعوانَ الصهاينةِ، وكونوا على قلبِ رجلٍ واحدٍ، هدفُكم هو تحريرُ الأرضِ المقدَّسةِ، وتطهيرُها من دنَسِ الصهاينةِ الغزاةِ المحتلين.

 

إن في المقاومةِ لحياةً كريمةً لكم في الدنيا، وسعادةً وفوزًا في الآخرةِ، وإنها لإحدى الحسنيَيْن، وإنه لجهادٌ.. نصرٌ أو استشهادٌ، وإني لآملُ من الأخِ محمود عباس ورفاقِه ألا يثِقوا في وعودِ الصهاينةِ والأمريكان على حسابِ وحدةِ الشعبِ الفلسطينيِّ وجمْعِ شملِهِ على قيمِ ومبادئِ الحقِّ والعدلِ، وأن يكونَ شعارُ الأُخُوَّةِ والحوارِ والتفاهُمِ هو المنطقَ الذي نعملُ جميعًا على الالتزامِ به وترسيخِه، وعلى الشعبِ الفلسطينيِّ المجاهدِ الصادقِ ألا يتنازلَ عن مبادئه وحقوقِه، وعلى علماءِ فلسطين ومفكِّريها وقادةِ الرأيِ فيها أن يجتمِعوا على كلمةٍ سواءٍ لما فيه مصلحةُ القضيةِ الفلسطينيةِ.

 

وأدعو أولي الأمرِ في بلادِ العربِ والمسلمين أن يقوموا بواجبِهم، وأن يؤدوا دورَهم في نصرةِ الشعبِ الفلسطينيِّ بالمالِ وبالمواقفِ والدعمِ بكلِّ أنواعِه، ولو اجتمعوا على ذلك فلن يستطيع الصهاينةُ ولا إدارةُ بوش ولا غيرُهما أن ينالوا منهم.. فهل نجرِّبُ مرةً؟!

 

والعراقُ الجريحُ الذي غَزَتْه وتحتلُّهُ قُوَى الشرُّ الأمريكيةُ وحلفاؤها، ها هو يعيشُ أسوأَ حالاتِهِ، وها هو يعاني في ظلِّ الاحتلالِ من انتشارِ كلِّ الجرائمِ ضد المدنيِّين العزَّلِ، وها هي دسائسُ المحتلِّ وأجهزةُ مخابراتِه وأعوانِه في داخلِ العراقِ ينشرون الفوضَى والسلبَ والنهبَ، ويعملون على إشاعةِ الفتنةِ العرقيةِ والطائفيةِ وأعمالِ التصفيةِ والاغتيالِ، وفي كلِّ يومٍ يزدادُ عددُ القتلى والجرحى، فلا أمْنَ ولا أمانَ ولا استقرارَ؛ فأين نحن من ذلك أيها الإخوةُ؟! أين العربُ وأين المسلمون؟! أين اتفاقيةُ الدفاعِ العربيِّ المشتركِ؟!

 

إنها- مرةً أخرى- الحربُ ضدَّ أمةِ العربِ والمسلمين، والدسائسِ والمؤامراتِ وكيدِ الأعداءِ وعجْزِ النظُمِ والحكوماتِ أمامَ أعداءِ الأمةِ، مع شدَّةِ بأسِها وشراستِها على شعوبِها وبني جلدتِها!! ونقول: لن يرحَلَ الغازي، ولن تتحرَّرَ الأرضُ إلا بالمقاومةِ، وها هي تلقِّنُ المحتلَّ الغاصبَ دروسًا كلَّ يومٍ؛ الأمرُ الذي جَعَلَ الأصواتَ الأمريكيةَ تعلو كلَّ يومٍ، مناديةً بسحبِ قواتِها من العراقِ، وإنهاءِ الاحتلالِ.

 

إن هذه المقاومةَ تمثِّلُ حائطَ الصَّدِّ، وخطَّ الدفاعِ الأولِ ضدَّ المشروعِ الأمريكيِّ الصهيونيِّ، وواجبٌ على الأمةِ كلِّها أن تدعمَها وتقفَ إلى جوارِها؛ حتى لا يتكرَّرَ هذا النموذجُ الأمريكيُّ مرةً أخرَى في أرضِ العروبةِ والإسلامِ.

 

وفي دارفورَ السودانِ جُرْحٌ جديدٌ في قلبِ الأمةِ، ومؤامرةٌ كبرى لتشتيتِ قواها وتوسيعِ الجبهات ودوائرِ المواجهةِ، ومرةً أخرى آلةُ الشرِّ الأمريكيةِ وحاديها الصهاينةُ، ومن يدورُ في فلكِهم من دولِ غربِ أوروبا، يتحرَّكون جميعًا ليضعوا أقدامَهم وقواعدَهم العسكريةَ في قلبِ القارَّة التي يقطُنُها غالبيةٌ من المسلمين، وقد أغراهم كنوزُ دارفور وثروتُها الكامنةُ في باطنِها، وساعدَ على زيادةِِ الإغراءِ عجزُ الأنظمةِ والحكامِ واختلافُهم وتناحرُهم وتمكُّنُ البغضاءِ من أنفسِهِم، فضلاً عن غفلةِ الأمةِ وانصرافِها عن هدفِها الأكبر، وهو أن تكونَ بحقٍّ خيرَ أمةٍ أخرجت للناسِ.

 

وتتسعُ دائرةُ المعاناةِ لأبناءِ الأمةِ العربيةِ والإسلاميةِ، فتظهرُ مرةً أخرى الفتنةُ البغيضةُ في الجزائرِ، وقد ساءَنا جميعًا ما حَدَث مع قدومِ الشهرِ الكريمِ، تلك الأحداثُ الداميةُ التي راح ضحيتَها العشراتُ من الأبرياءِ، ولكنها أيضًا المؤامرةُ وكيدُ أعداءِ الأمةِ؛ فقلوبُنا مع الجزائرِ، ودعواتُنا لها أن يحفظَها ربُّنا من الفتنِ، وأن يجنِّبَها المحنَ ومكائدَ بني صهيون.

 

ولا يغيب عنا حالُ الأمة في لبنان وسوريا ودول الخليج، التي يهدِّدها جميعًا الصهاينةُ وإدارةُ بوش، صباح مساء، بالغزوِ والعدوانِ!

 

أيها الإخوةُ الأفاضلُ، والأخواتُ الفضلياتُ..

ومع كلِّ هذا الكيدِ والعَداءِ والعدوانِ على أمتِنا.. إلا أنَّ آفاقَ الفجْرِ الجديدِ بدأت تظهَرُ، فها هي الحركةُ الإسلاميةُ وأبناؤها تظهَرُ آثارُها، وينمو نبتُها في كلِّ مكانٍ، وها هي الشعوبُ تُوشِك أن تنفضَ عن كاهلِها بقايا استبدادٍ طالَ أمدُه وآثارَ ظلمٍ طفَحَ الكيلُ منه، وانظُروا إن شئتم إلى نتائجِ الانتخاباتِ، وكيف يلتفُّ الناسُ حولَ أبناءِ الصحوةِ ودعاةِ الإصلاحِ، بعيدًا عن أحزابِ الأنظمةِ وتجمعاتِها الفاسدةِ، رأينا ذلكَ في إندونيسيا وفي الجزائر وفي الأردن واليمن ومصر، والآن نرى بعضًا منه في المغرب، والانتصارَ الكبيرَ الذي حقَّقه حزبُ العدالةِ والتنميةِ في تركيا؛ بسبب توفُّرِ مناخِ الحرياتِ والديمقراطيةِ.

 

إن حركةَ الشعوبِ العربيةِ والإسلاميةِ الناهضةَ الآن قد أقلقَت وأقضت مضاجعَ أعداءِ هذه الشعوبِ من الصهاينةِ، ومَن يتجاوبُ مع سياستِهم؛ فتحركوا لمواجهتِها، فحاولوا حصارَها وإفشالَها كما في فلسطين، ولفَّقُوا لقادتِِها ورموزِِها التُّهَمَ، وأحالوهم للمحاكِمِ العسكريةِ كما هو الحال في مصر، وزوَّروا الانتخاباتِ، وافتعلوا الأزماتِ كما في الأردن، ولكن هيهات هيهات!! فلن يفلحوا ولن يصحَّ في النهايةِ إلا الصحيحُ.

 

أيها الإخوةُ والأخواتُ..

إن كلَّ ذلك يقتضِي منا الوحدةَ والتعاونَ ونبذَ الخلافاتِ، وأن نضعَ أيديَنا معًا في طريقٍ واحدٍ.. طريقِ الحريةِ والديمقراطيةِ.. نحوَ هدفٍ واحدٍ، وهو الإصلاحُ، وتحريرُ الأوطانِ من كلِّ سلطانٍ أجنبيٍّ، ومن كلِّ سلطانٍ جائرٍ يحكمُه.

 

واسمحوا لي- أيها الإخوةُ والأخواتُ- أن أتوجَّهَ بالتحيةِ إلى كلِّ الأحرارِ، أصحابِ الرأيِ والفكرِ من رجالِ هذا الوطنِ، الذين امتدَّت إليهم يدُ البطشِ والظلمِ وغيَّبتْهم عنا خلفَ الأسوارِ: تحيةً إليهم جميعًا، سائلاً المولَى- عزَّ وجلَّ- أن يربِطَ على قلوبِهم، ويشرحَ صدورَهم، ويثبِّتَ على الحقِّ أقدامَهم، وأن يعيدَهم إلينا وإلى أهليهم وأولادِهم ودعوتِهم غانمين سالمين.

 

وأقولُ للنظامِ: إن إيداعَ الإخوانِ السجونَ والمعتقلاتِ ما حجَب الرجالَ أبدًا عن الدعوةِ والجهادِ؛ فعلى مدارِ ستينَ سنةً سُجِنَ الإخوانُ وعُذبوا وقُتلوا، فما لانَتْ لهم قناةٌ، ولا تراجَعوا، بل أقدَموا وجاهَدوا وضحَّوا ورَوَت دماؤهم صحراءَ شرقِ القاهرةِ وغيرِها في سجونِ مصرَ المختلفةِ.. رَوَت هذه الدماءُ الزكيةُ شجرةَ الدعوةِ المباركةِ.. دعوةِ الإخوانِ المسلمين؛ فنمَت وترعرعَت وتجذَّرَت، واشتدَّ ساقُها، وامتدَّت أغصانُها، فأصبحت وارفةَ الظلالِ، واستعصت على كلِّ الجبَّارين والطغاةِ، وبقيت- وستبقى- هذه الشجرةُ المباركةُ تؤتي أكلَها كلَّ حينٍ بإذنِ ربِّها إن شاء الله .

 

تحيةً من القلبِ إلى أسرِهم.. إلى زوجاتِهم وأبنائهم، الذين يقفون بكلِّ الصمودِ والصلابةِ والصبرِ والثباتِ في مواجهةِ هذا الاستبدادِ، يقفون وهم شامخو الرءوس، مرتفعو الهامة، فوق المحنة، وهم يقولون: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ (إبراهيم: 12).

 

وقبل أن أختِمَ كلمتي هذه أتوجَّهُ- بصدقٍ وإخلاصٍ- إلى مَن مَنَعوا لقاءنا للإفطارِ هذا العامَ، وأقول: آنَ الأوانُ لننظرَ إلى مصلحةِ الوطنِ الكبرى، بعيدًا عن هذه النظرةِ الضيِّقةِ، هل يضرُّكُمْ أن يجتمعَ بضعُ مئاتٍ من رموزِ الوطنِ على طعامِ الإفطارِ في شهرِ رمضانَ المباركِ؟! لماذا الإصرارُ على تهميشِ القوى الشعبيةِ، ومحاولةِ إظهارِ الجبهةِ الداخليةِ على أنها مضطربةٌ وغيرُ مستقرةٍ؟! أعيدوا حساباتِكم، وراجِعوا أنفسَكم، وانظروا في دروسِ التاريخِ، ونسألُ اللهَ أن يفتحَ بيننا وبينكم بالحقِّ وهو خيرُ الفاتحين.

 

الإخوةُ والأخوات..

في نهايةِ كلمتِي، لا يسعُني إلا أن أتوجَّهَ لكم بالشكرِ والدعاءِ والتحيةِ، مع خالصِ الودِّ والتقديرِ، وآخرُ دعوانا أن الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، وصلَّى اللهُ على سيدِنا محمدٍ وعلَى آلهِ وصحبِه وسلَّم، وكلَّ عامٍ وأنتم بخيرٍ.. وتقبَّل اللهُ منا ومنكم الصيامَ والقيامَ.

 القاهرة في: 10 من رمضان 1428هـ الموافق 22 من سبتمبر 2007م.