الحمدُ لله ربِّ العالمين نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره ونعوذ بالله العظيم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له ونشهد أن محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، أما بعـد..


يقول الله تبارك تعالى في الجزء السابع من سورة المائدة الآية 105: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾.


هنا الخطاب يأتي من صاحب العظمة والكبرياء إلى الجماعة المؤمنة التي عُرفت بإيمانها واستجابتها لأوامر الله ورسوله.. جاء الخطاب مرشدًا وموجهًا لأمرٍ جد خطير تنبني عليه قوة الأمة وتأثيرها في عالم البشر، إنه الأمر بالتزام شئون أنفسها، وذلك بالإعداد والتكوين والاتحاد والألفة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإذا ما استمسكت الجماعة المؤمنة بأحكام ربها ونفَّذت أوامره وطبَّقت شرائعه فإن أي قوةٍ على وجه الأرض مهما كان ضلالها لا يمكن أن تضير عنده الجماعة التي أصبحت كالبنيان المرصوص والتي أصبحت سماتها كما صورها القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمْ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)﴾ (التوبة).


ومن الخطأ الشائع أن يُقال إن الإنسان متى لزم شأن نفسه أصبح خاليًا من مسئولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فذلك فهم سقيم برئت منه ساحة الآية الكريمة، فخبرني بربك كيف يكون للمجتمع كيان إذا لزم كل إنسان نفسه فلم يأمر بمعروف ولم ينهَ عن منكر، إنه لمجتمع الرذائل والخور وإنها لسلبية قاتلة، والآية تدعو إلى قوة المجتمع الإسلامي ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾ هكذا بصيغة الجمع ولو كانت كما يزعمون ويدعون لجاء الخطاب بصيغة الإفراد "يا أيها المؤمن عليك نفسك"، ولكن ما من مجتمعٍ يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا كان العز رائده والنصر حليفه وألبسه الله لباس العز والشرف، وما من مجتمعٍ لا يؤمر بمعروفٍ ولا ينهى عن منكر إلا كان الذل رائده والفشل حليفه وأذاق الله أهله لباس الخوف والجوع بما كانوا يصنعون، فالدين النصيحة والناس بخيرٍ ما تناصحوا وها نحن نسوق من الأحاديث ما يجعل المعنى جليًا جلاءً يزيل كل لبس وينفي كل غموض.


قال العوفي عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: يقول الله تعالى إذا ما العبد أطاعني فيما أمرته به من الحلال ونهيته عنه من الحرام فلا يضره مَن ضلَّ بعده إذا عمل بما أمرته به.


قال الإمام أحمد: حدثنا قيس قال قام أبو بكر الصديق- رضي الله عنه- فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ (المائدة: من الآية 105)، وإنكم تضعونها على غير موضعها، وإني سمعتُ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه يُوشك الله عز وجل أن يعمهم بعقابه".


 

 الصورة غير متاحة
وروى الإمام أبو عيسى الترمذي قال: حدثنا أبو أمية الشعباني قال: "أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال أية آية؟ قلت: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألتُ عنها رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال- صلى الله عليه وسلم-: "بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحًّا مطاعًا وهوى متبعًا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع العوام، فإن من ورائكم أيامًا الصابر فيهنَّ مثل القابض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون كعملكم"، قيل: يا رسول الله، أجر خمسين رجلاً منا أو منهم؟ قال: "بل أجر خمسين منكم" (أخرجه أبو داود).

 

وقال عبد الرزاق: أنبأنا معمر عن الحسن أن ابن مسعود- رضي الله عنه- سأله رجل عن قول الله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فقال: إن هذا ليس بزمانها، إنها اليوم مقبولة ولكن قد يوشك إن يأتي زمانها تأمرون فيصنع بكم كذا وكذا فلا يقبل منكم فحينئذٍ عليكم أنفسكم لا يضركم مَن ضلَّ.


ورواه أبو جعفر الرازي عن الربيع عن أبي العالية عن ابن مسعود في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ﴾ قال: كانوا عند عبد الله بن مسعود جلوسًا فكان بين رجلين بعض ما يكون بين الناس حتى قام كل واحد منهما إلى صاحبه فقال رجل من جلساء عبد الله: ألا أقوم فأمرهما بالمعروف وأنهاهما عن المنكر، فقال آخر إلى جنبه: عليك بنفسك فإن الله يقول: ﴿عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ﴾، قال: فسمعها ابن مسعود فقال: مه لم يجئ تأويل هذه الآية بعد، إن القرآن أُنزل حيث أُنزل ومنه آي قد مضى تأويلهن قبل أن ينزل ومنه آي قد وقع تأويلهن على عهد رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بيسير ومنه آي يقع تأويلهن بعد اليوم ومنه أي تأويلهن عند الساعة، وما ذكر من الساعة، ومنه آي يقع تأويلهن يوم الحساب ما ذكر من الحساب والجنة والنار. فما دامت قلوبكم واحدة وأهواؤكم واحدة، ولم تلبسوا شيعًا، ولم يذق بعضكم بأس بعض فأمروا وانهوا وإذا اختلفت القلوب والأهواء وألبستم شيعًا وذاق بعضكم بأس بعض فامرؤ ونفسه، وعند ذلك جاءنا تأويل هذه الآية. رواه ابن جرير.


وليعلم المسلمون أن الله تبارك وتعالى لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود وعيسى بن مريم لأنهم كانوا لا يتناهون عن منكرٍ فعلوه.. قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)﴾ (المائدة).


وعلى العكس تمامًا جعل الله تبارك وتعالى الخيرية في هذه الأمة أمة محمد- صلى الله عليه وسلم- بشروطها التي حددها الحق جلَّ وعلا.. فقال سبحانه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (آل عمران: من الآية 110)). فلتعلم الأمة جميعًا أن الخيرية باقية فيها بشروط الله عز وجل، فإذا فقدت الأمة هذه الشروط فلا خيريةَ فيها؛ لأن الله عزَّ وجل لا يُحابي أحدًا وسنن الله ماضية في خلقه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.


ولذلك لا عجبَ أن نرى ونقرأ في القرآن الكريم وصيةَ لقمان لابنه.. فيقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمْ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ (17)﴾ (لقمان). ومن هنا يتضح أن الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر عليه بالصبر الجميل في هذا الطريق حتى يلقى الله فهو القائل في ختام الآية: ﴿إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (المائدة: من الآية 105)، تنبيه للغافلين الذين شغلتهم الدنيا عليهم أن يعملوا ليومٍ لا بدَّ منه فيه يرجعون إلى الله ثم تُوفَّى كل نفسٍ ما كسبت وهم لا يُظلمون.

وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.