الحمد لله رب العالمين، حمدًا يليق بكماله وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله، أول بلا بداية، وآخر بلا نهاية، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو بكلِّ شيء عليم.. ونشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، خير المتقين، وسيد الغر المحجَّلين.. اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيدنا محمد وعلى أهله وصحبه، أما بعد..
يقول الله تبارك وتعالى في الجزء السادس من سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (35) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (36) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (37)﴾.
هذا خطابٌ كريمٌ من ربٍّ كريمٍ إلى المؤمنين الكرماء، وقد أمرهم الله سبحانه في هذه الآية بثلاثة أوامر كلها تشتمل على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم؛ أمرهم بالتقوى وابتغاء الوسيلة والجهاد في سبيله، ثم رتَّب سبحانه وتعالى على هذه الأمور الثلاثة أعظم العواقب وأشرف وأنبل الأهداف، وهل هناك أسمى وأشرف من الفلاح، إنه السعادة الأبدية والسعادة مملكة لا يهبها إلا مالك الملك وملك الملوك الله رب العالمين.
أما التقوى فهي أن يجعل المرء بينه وبين ما يغضب الله وقايةً وحجابًا، ويجعل بينه وبين عذاب الله سترًا وحجابًا؛ ولذلك كان حديث النبي- صلى الله عليه وسلم: "اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناسَ بخُلقٍ حسن".
ولما سُئل الإمام علي- كرم الله وجهه- عن التقوى قال: "هي أربع؛ الخوف من الجليل- خوف المراقبة من الله عز وجل، خوف من نظر الله تبارك وتعالى الذي هو أسبق للمرء من نظره للمعصية، خوف يملأ على المرء كل كيانه ويتحقق فيه الحديث القدسي الذي يرويه المعصوم- صلى الله عليه وسلم- عن ربِّ العزة: "مَن خافني أخفتُ منه كل شيء، ومَن خاف غيري أخفته من كل شيء"- ثم العمل بالتنزيل، أي العمل بالقرآن الكريم الذي جاء به الحبيب محمد- صلى الله عليه وسلم- ليخرج به الناس من الظلماتِ إلى النور، يكون وقافًا مع كتاب الله يأتمر بأمر الله وينتهي بنهي الله، ويدور مع القرآن حيث دار، فقد أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- في حديثه: "ألا إنَّ القرآنَ والسلطانَ سيفترقان، ألا فدوروا حيثما دار القرآن، ألا سيُولَى عليكم حكام إن أطعتموهم أذلوكم، وإن خالفتموهم قاتلوكم، فكونوا كأصحاب عيسى شُجوا بالمناشير فلم يثنهم ذلك عن دين الله شيئًا، لموتة في سبيل الله خيرٌ من حياةٍ في معصية"، والقرآن حياة القلوب، ثم الرضا بالقليل لحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم-"أرض بما قسمه الله لك تكن أغنى الناس" أن يرضى المرء من أمور دنياه بالقليل ولا يرضى من أمرِ الآخرة إلا بالكثير الكثير دائمًا وأبدًا، في أمور الدنيا ينظر لمَن هو دونه، وفي أمر آخرته ينظر إلى مَن هو فوقه؛ لحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: "مَن نافسك في أمرِ آخرتك فنافسه، ومَن نافسك في أمر دنياك فألقها في ظهره".
ثم الاستعداد الدائم ليوم الرحيل، من دار الباطل إلى دار الحق، من دار الغرور إلى دار اليقين، إذا أصبح لا ينتظر المساء وإذا أمسى لا ينتظر الصباح، ويعد نفسه من أهل القبور؛ ولذلك الكيس هو مَن دان نفسه وعمل لما بعد الموت، وهو مستعدٌ للقاء الله، مستعدٌ للموت الذي يأتي فجأة.
مـا زال يلهج بالرحيل وذكره حتــى أناخ بابـه الجمــال
فوجـده متيـقظًا متــأهبًا مستـعدًا للموتِ لم تلهه الآمال
وجماع الأمر كله أنه مَن خاف الله فقد عرفه، ومَن عرفه فقد أحبَّه، ومَن أحبَّه الله كان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولسانه الذي يتكلم به، وقلبه الذي يعي به، ولئن سأل الله ليعطينه، ولئن استعاذ به ليعذنه، ولئن استنصره لينصرنه، ويكون جار الله في الجنة مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسُن أولئك رفيقًا، ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليمًا.
والتقوى هي السلاح الأقوى، وهي سنام الأمر وعموده ومحلها الصدر كما أخبر بذلك المعصوم- صلى الله عليه وسلم- مشيرًا إلى صدره قائلاً "التقوى ها هنا" ثلاث مرات، فهي عمل من أعمال القلوب لا يطلع عليه إلا الله، والتقوى هي مدار تفريج الكروب وستر العيوب وتكفير الذنوب وإحياء القلوب، قال تعالى ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ (الطلاق)، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا﴾ (الطلاق: من الآية 4)، وقال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾(الطلاق: من الآية 5)، وهي الكلمة الجامعة التي وصَّى الله بها كل الأمم قال تعالى ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنْ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ (النساء: من الآية 131)، وهي حصن الأمان للذرية إذا مات عائلها قال تعالى ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (9)﴾ (النساء).
ولستُ أرى السعادةَ جمع مالٍ ولكـن التقـي هـو السـعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخـرًا وعند اللـــه للأتـقى مزيد
وإدراك الذي يأتـي قريـب ولكـن الذي يمضـي بعـيد
وهذا هو المنهج الإسلامي المتكامل يأخذ النفس البشرية من أقطارها جميعًا ويخاطب الكينونة البشرية من مداخلها جميعًا ويلمس أوتارها كلها وهو يدفعها إلى الطاعة ويصدها عن المعصية.
إن الهدف الأول للمنهج هو تقويم النفس البشرية وكفها عن الانحراف، فهنا يغرس المنهج الخوف اللائق بكرامة الإنسان، أما الخوف من السيف والسوط فهو منزلة هابطة لا تحتاج إليها إلا النفوس الهابطة، والخوف من الله أولى وأكرم وأزكى.. على أن تقوى الله هي التي تصاحب الضمير في السر والعلن، وهي التي تكف عن الشر في الحالات التي لا يرها الناس، ولا تتناولها يد القانون، وما يمكن أن يقوم القانون وحده مع ضرورته بدون التقوى؛ لأن ما يفلت من يد القانون حينئذٍ أضعاف أضعاف ما تناله ولا صلاحَ لنفس ولا صلاحَ لمجتمعٍ يقوم على القانون وحده بلا رقابةٍ غيبيةٍ وراءه وبلا سلطةٍ إلهيةٍ يتقيها الضمير.
ثم يأتي الأمر الثاني من الله إلى المؤمنين بعد التقوى يدعو الله عزَّ وجل جماعةَ المؤمنين إلى ابتغاء الوسيلة، والوسيلة هي التقرُّب إلى الله بالأعمال الصالحة التي شرعها في كتابه وعلى لسان رسوله- صلى الله عليه وسلم- ومنها ما ورد في الحديث القدسي: "ما تقرَّب إليَّ عبدي بشيء أحب إليَّ مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه" فكل عملٍ صالحٍ تقربت به إلى الله- عز وجل- فهو الوسيلة التي أمر الله عباده المؤمنين بابتغائها.. قال جل شأنه: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57)﴾ (الإسراء).
وقد تأتي الوسيلة ويُراد بها أعلى منزلةً في الجنة، وقد روى الإمام مسلم بإسناده عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنه سمع النبي- صلى الله عليه وسلم- يقول:"إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا عليَّ، فإنَّ مَن صلَّى عليّ صلاةً صلَّى الله عليه عشرًا، ثم سلوا لي الوسيلة فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبدٍ من عباد الله أرجو أن أكون أنا هو، فمَن سأل لي الوسيلة حلَّت عليه الشفاعة".
وعن ابن عباس- رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله- صلَّى الله عليه وسلم: "سلوا الله لي الوسيلة فإنه لم يسألها لي عبد في الدنيا إلا كنتُ له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة".
وتختم الآية بعد ذلك بالأمر بالجهاد في سبيل الله، وهو من أعظم الأمور في الإسلام شأنًا، قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (المائدة: من الآية 35) ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ (الحج: من الآية 78).
والجهاد هو بذلك بذل الطاقة واستفراغ الوسع في سبيل إعلاء كلمة لا إله إلا الله، ويشمل الجهاد بالنفس والمال والكلمة في سبيل الدعوة إلى الله، كما يشمل جهاد النفس وكبح جماحها بثبات باعث الدين في مقابل باعث الشهوات لئلا تتردى في القبائح.. قال تعالى في جهاد النفس والمال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (11)﴾ (الصف)، وقال تعالى في شأن الجهاد بأوسع معانيه: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (69)﴾ (العنكبوت)، فمَن اتقى الله وابتغى إليه الوسيلةَ بالعمل الصالح وجاهد في سبيله كان أهلاً بتلك الغاية النبيلة والشرف العظيم كان أهلاً للفلاح والفوز والنجاح.
فاللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا، وشفاءً من كلِّ داء، وسعادة عند اللقاء.. اللهم آمين.