الحمدُ لله ربِّ العالمين، ونشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين العابدين الخاشعين، ونشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله وصفيه من خلقه وخليله خير مَن عبد الله حتى آتاه اليقين.. اللهم صلِّ وسلِّم وبارك عليه وعلى أصحابه، ومَن سار على نهجه وترسم خطاه إلى يوم الدين.. أما بعد،

 

يقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة في الجزء الأول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾.

 

إنه النداء إلى الناس كلهم لعبادةِ ربهم الذي خلقهم والذين من قبلهم.. ربهم الذي تفرَّد بالخلق فوجب أن يتفرَّد بالعبادة، وللعبادة هدفٌ لعلهم ينتهون إليه ويحققوه ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ لعلكم تصيرون إلى تلك الصورة المختارة من صور البشرية صورة العابدين لله المتقين لله، الذين أدوا حق الربوبية الخالق فعبدوا الخالق وحده رب الحاضرين والغابرين وخالق الناس أجمعين ورازقهم كلك من الأرض والسماء بلا ندٍ ولا شريك.

 

فالعبادة: خضوع ينشأ عن استشعار القلب بعظمة المعبود، فكفى بالمرء عزًّا أن يكون لله عبدًا، وكفى بالمرء فخرًا أن يكون الله له ربًّا, والربُّ هو الذي يسوس مَن يربيه ويدبر شئونه.

 

والعلم بوحدانية الله مركوز في طباع المخلوقات، فقد فُطروا على التوحيد لحديث النبي- صلى الله عليه وسلم-: "كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عن لسانه فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".

 

والتوحيد هو إفراد المعبود سبحانه وتعالى بالعبادة مع اعتقاد وحدته ذاتًا وصفاتٍ وأفعالاً، ولا بد للمُوحِّد أن يعتقد بتوحيد الألوهية والربوبية؛ وذلك بأن يعبد الله وحده، مع اعتقاد أنه الخلاق الرازق الذي سخَّر ما في السماوات والأرض طوع إرادته ومشيئته؛ ولذا لما أمر الله الناس بعبادته وحده نصب الأدلة الناطقة بأنه الواحد؛ وذلك في الأفاق والأنفس، قال جل جلاله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (54)﴾ (فصلت).

 

ومن هذه الأدلة أنه الخالق.. ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20) فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21) إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22) فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ (23)﴾ (المرسلات)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)﴾ (النحل).

 

وبنظرةٍ فاحصةٍ في قوله تعالى: ﴿لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ تفيد نفي العلم بالكلية ثم بعد ذلك زوَّدنا الله بالعلم والمعرفة ليكون ذلك دليل إنعامه وتفضله ولنقابل هذا بالشكر، والشكر لله إن تُسخَّر نعم الله في طاعته وألا تُستعمَل في معصيته، قال موسى- عليه السلام- لربه: "يا رب كيف أشكرك؟ قال له: يا موسى تذكرني ولا تنساني إنك إن ذكرتني شكرتني، وإن نسيتني كفرتني"، وهذا مصداق قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ (152)﴾ (البقرة).

 

وقد مرَّ أحد الناس برجلٍ من الصالحين ابتلاه الله بفقد بصره وعجز في يديه وهو يردد بلسانه قائلاً: الحمد لله الذي عافانى مما ابتلى به كثيرًا ممن خلق.. فقال له الرجل: فمن أي شيء عافاك. قال له: وَهَبَ لِي قلبًا ذاكرًا ولسانًا شاكرًا. ثم أنشد يقول:

 

وحمدت الله ربي إذ هداني       إلى الإسلام والدين الحنيف

فيذكره لساني كـل وقتٍ       ويعرفـه فـؤادي باللطيف

فهذا نداء الحق للناس كل الناس إن يعبدوه حق عبادته؛ لأنهم ما خُلقوا لغير عبادته لقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)﴾ (الذريات).

 

والله تعالى يوضح أن الغاية من خلق الناس كل الناس هي إتمام العبودية لله وحده فيقول سبحانه وتعالى في الحديث القدسي الذي يرويه المعصوم- صلى الله عليه وسلم-: "يا عبادي إني لم أخلقكم لأستكثر بكم من قلة، ولا لأستأنس بكم من وحشةٍ، ولا لأستعين بكم على قضاء شيء عجزتُ عن قضائه، وإنما خلقتكم لتعبدوني طويلاً وتذكروني كثيرًا وتسبحوني بكرةً وأصيلاً".

 

ويقول في الحديث القدسي أيضًا الذي يرويه المعصوم- صلى الله عليه وسلم-: "يا ابن آدم خلقتك لعبادتي فلا تلعب، وضمنت لك الزرقَ فلا تتعب، إن كثُر مالُك فلا تفرح، وإن قلَّ مالك فلا تحزن"؛ ولذلك أقام القرآن من الأدلة على وحدانية الخالق ما تعنو له الوجوه خشوعًا وتخشع له الأصوات خضوعًا، وخلق الإنسان منذ كان نطفة وإيجاده من العدم دليلٌ ملموس محسوس على وحدانية الخالق الذي أتقن كل شيء والذي يستحق العباده وحده، وأيضًا عالم الأجنة من أكبر الأدلة على وحدانية الخالق وقدرة الله الذي أنزل القرآن وعلى صدق الرسول الكريم في رسالته.

 

وبعد أن أقام الدليل على الوحدانية بآية الخلق بيَّن الغرض السامي والهدف الأعلى المترتب على عبادته وحده فقال: ﴿لَعَلَكُمْ تَتَّقُون﴾ ولعل هنا تفيد الغاية والتعليل؛ أي لتتقوا ولا تفيد الترجي؛ لأن الترجي توقع حصول الأمر المحبوب والتوقع فيه جهلٌ بالمستقبل والجهلٌ على الله محال.

 

إذًا فلتأتِ هذه الكلمة بمعنى يليق بذات الله فيكون معناها الحكمة والغرض، والتقوى هي السلاح الأقوى، فمَن عرف الله اتقاه، ومَن اتقى الله خافه، ومَن خاف الله أطاعه، ومَن أطاع الله اجتنب النواهي وامتثل الأوامر، ومَن كان كذلك فقد انخرط في سلك المقربين الذين قال فيهم جلَّ شأنه: ﴿وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا (69) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)﴾ (النساء).

 

والتقوى غاية كل عبادة، وكما عرفها الإمام علي- كرَّم الله وجهه- هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضا بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.

 

ولستُ أرى السعادة جمل مال  ولكن التقـي هو السـعيد

وتقوى الله خير الزاد ذخـرًا  وعند اللـه للأتقى المزيد

وإدراك الذي يـأتي قريـب  ولكن الذي يمضي بعـيد

 

 الصورة غير متاحة
ولذلك نجد في هذا النداء الإلهي للناس كل الناس تبرز لنا كليتان من كليات التصور الإسلامي وحده الخالق لكل الخلائق ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ ووحدة الكون وتناسق وحدته وصداقته للحياة والإنسان ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)﴾، فهذا الكون أرض مفروضة لهذا الإنسان، وسماؤه مبنية بنظام معينة.. بالماء الذي تخرج به الثمرات رزقًا للناس والفضل كله في هذا للخالق الواحد ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون أنه خلقكم والذين من قبلكم وتعلمون أنه جعل لكم الأرض فراشًا والسماء بناء وأنزل من السماء ماءً، وأنه لم يكن له شريك يساعده ولا ند يعارض.

 

فالشرك بعد هذا العلم تصرف لا يليق والأنداد التي يشدد القرآن في النهي عنها لتخلص عقيدة التوحيد نقية واضحة، قد لا تكون آلهة تعبد مع الله على النحو الساذج الذي كان يزاوله المشركون، فقد تكون الأنداد في صورٍ أخرى خفية قد تكون في تعليق الرجاء بغير الله في أي صورة، في الخوف من غير الله في أي صورة، في الاعتقاد بنفع أو ضر في غير الله في أي صورة، فعن ابن عباس قال: "الأنداد هو الشرك أخفى من دبيب النمل على صفاة سوداء في ظلمة الليل، وهو أن يقول مثل قول الرجل لصاحبه.. "ما شاء الله وشئت"، وقول الرجل "لولا الله وفلان.."، وفي الحديث أن رجلاً قال لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- "ما شاء الله وشئت" فقال له النبي- صلى الله عليه وسلم- "أجعلتني لله ندًّا".

 

هكذا كان سلف هذه الأمة ينظرون إلى الشرك الخفي والأنداد مع الله، فلننظر نحن أين نحن من هذه الحساسية المرهفة، وأين نحن من حقيقة التوحيد الكبيرة التي يُبنى عليها عباده الناس كل الناس لرب الناس الله رب العالمين.

 

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد