هيا بنا نتلقَى الطيف الكريم الشفاف لهلال هذا الضيف القادم من هاتيك الأفلاك الربانية الرحبة، فقد شغلتنا أعباء دنيوية وأخرى.. وغابت عنا في زحمة الحياة صور وادعة رفرافة لهذا القادم الكريم.
مواجهة مع النفس
هيا بنا لأننا في رمضان في مواجهةٍ مكشوفةٍ مع أنفسنا، فالجنة قد فُتحت، والنار قد أُوصدت، والشياطين قد صُفدِّت.. فأين نحن في هذه المواجهة والشيطان غائبٌ في الحلبة الآن، وقد تركك مع نفسك لتظهر على حقيقتها، فهيا بنا نؤمن ساعاته وأيامه ونُري ربنا من أنفسنا خيرًا.
نور الله يبدد الظلمات
هيا بنا.. ففي شهر رمضان يعيش الإنسان في صراعٍ بين سمو العاطفة ونداء الشهوات وحبائل الشيطان من إعلامٍ فاسدٍ خليعٍ ماجن يجعله يتأرجح بين التكوين الترابي وبين النفحة الروحية العالية فيأتي الغبار ليلوث وجه الإحساس الجميل، ولكنَّ الله الخالق العظيم قادرٌ على أن يخرج هذه الأمة من ظلماتِ هذا البحر اللجي الذي يغشاه موجٌ من فوقه ظلماتٌ بعضها فوق بعضٍ فيرحم الخالق الرحيم هذه الأمة ويجعل لها نورًا؛ لأنه من لم يجعل الله له نورًا فماله من نور.
شهر يزيل الشحناء والخصومة
هيا بنا نتهيَّأ لاستقبال الشهر الكريم بإزالةِ كلِّ أثار الشحناء والخصومة بيننا وبين بعضنا أو بين مَن نحب من أهلٍ وعشيرةٍ وجيرانٍ وقُربى.
وتتمثل هذه القلوب الصافية حول رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مصابيح الهدى وجلساء الملائكة الذين أضاء لهم طريق الحق وإيمان الصدق وأرشدهم من غواية وسخَّرهم لدينه وأهلهم لنصرته، ومكَّن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وآواهم وأيَّدهم بروحٍ منه؛ لأنهم أسلموا قلوبهم لمَن يصلحها وهتفوا من أعماق قلوبهم.. ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (الأعراف: من الآية 126).
فنتذكر ذلك المثل الهائل الذي مشى أمام مجلس النبي- صلى الله عليه وسلم- وهو يقول لهم: "يخرج عليكم الآن رجلٌ من أهل الجنة" فيتبعه أحد (العباد له) (عبد الله بن عمرو) ويتقصى أخباره عن قربٍ داخل بيته ضيفًا عليه ثلاثة أيام فلا يجد له سابقة على غيره من الصحابة الكرام في صلاةٍ أو صيام إلا هذه الميزة الرائعة الفريدة "إني أبيت وليس في صدري شيء لأحدٍ من المسلمين".
شهر يدفع قاطرة الإصلاح إلى الأمام
هيا بنا.. فشهر رمضان شهر الإصلاح وسيظل الإصلاح والأمل في تحقيقه سرابًا برَّاقًا، لكنه خادع ما لم تتلبس به طائفة صادقة تتحرك به في دنيا الناس، كما قال الإمام الشهيد حسن البنا- رحمه الله-: "إن تكوين الأمم وتربية الشعوب ومناصرة المبادئ وتحقيق الأمال تحتاج من الأمة التي تريد ذلك أو من الفئة التي تدعو إليه على الأقل إلى قوةٍ نفسيةٍ عظيمةٍ تتمثل في:
- إدارة قوة لا يتطرق إليها ضعف ولا لين.
- ووفاء ثابت لا يبدو عليه تلون ولا غدر.
- وتضحية عزيزة لا يحول دونها طمع ولا بخل.
- ومعرفة بالمبدأ وإيمان به وتقدير له يعصم من الخطأ فيه والانحراف فيه والمساومة عليه والخديعة بغيره".
هذه كلمات إمام مجدد جاء على فترةٍ من الدعاة المجاهدين ليجد الأمة تعجُّ بالفساد وترزح تحت الاستعباد الأوروبي الجشع.. جاء رافعًا رايةَ الإصلاح عُدته عدة القرآن صاحب المنهج الصادق الذي يلم الشمل ويقوي العزائم في صبرٍ لا يعرف الضجر وحكمة بالغة ونفس زكية، عالمًا بزمانه يُشخِّص الداء ويصف الدواء.
ويمضي في طريق الإصلاح في غير كللٍ ولا ملل، واضح الرؤية وباني الفكرة، أخرج كثيرًا من حوله من ميدان الجدل العقيم والفكر السقيم إلى ميدان المهنج القويم والدعوة الراشدة، يحب في الله في صدقٍ ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في أدبٍ، رباني، جاهد اليهود وأذاقهم ورجاله جرعات البأس الشديد الذي لا يرده الله عن القوم الكافرين، ومن نفس الكأس أذاق الإنجليز في حرب القنال، وهاهم رجاله اليوم بعد ع