ها قد هلَّ علينا شهر رمضان الكريم، شهر الخير والبركات، شهر كله نفحات، أوله رحمة وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار، فيه تسلسل الشياطين، فلا سلطان للشيطان على الإنسان، ويتضاعف ثواب الأعمال، وتسكن الشهوات بالصيام، وتُملأ القلوب إيمانًا بالقيام، وتمتلئ المساجد بالمصلين، وربما نجد مَن يدخل المسجد لأول مرة، وقد نراه يبكي في صلاة التراويح!! إنها روح الإيمان تغلغلت في قلبه، ولكنه محتاج إلى مَن يقف بجانبه، يدلُّه على الخير ويرشده ويأخذ بيده حتى نهاية الشهر وبعده؛ حتى لا يرجع على عقبيه بعد رمضان.

 

وهنا يبرز دور الدعاة إلى الله، فهذا الشهر فرصة كبرى في الدعوة؛ فالقلوب مهيَّأة، والناس مستعدة لتلقِّي أي نصيحة أو موعظة، فإن لم ينتهز الدعاة هذه الفرصة، ويجتهدوا في الدعوة، ويرشدوا الناس إلى الخير، ويقتربوا منهم، فسوف يضيع الناس مرةً أخرى، وينقلب حالهم بعد رمضان، وسيجد الدعاة مشقةً في الدعوة في غير رمضان؛ نظرًا لعدم تهيئة القلوب كما في رمضان.

 

حسنات مضاعفة

ولتتصور أخي الداعية عِظَم ثواب الدعوة إلى الله، ولتتصور أيضًا أن ثواب الأعمال في رمضان يكون مضاعفًا، فالنافلة بفريضة، والفريضة بسبعين فريضة فيما سوى رمضان، ورسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقول: "مَن دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا"، فكل مَن تدعوه في رمضان إلى خير ويفعله يكون لك مثل أجره.. تصور معي عظم هذا الثواب!

 

يقول الأستاذ عمر التلمساني (رحمه الله) في وصية للشباب عن رمضان، مبيِّنًا ما يعود على مَن يشغل نفسه بالدعوة إلى الله من مكاسب لا حصر لها: "يا شباب.. اخرج من رمضان على غير ما دخلت به فيه، واجعل شغلك الشاغل هذه الدعوة، إنك إذا شغلت نفسك بها جادًّا مخلصًا كفاك الله كلَّ ما يهمّ الناس في الحياة فيشغلهم عن ربهم.. كن في عون عبادِ الله عامةً، والمجاهدين خاصةً، يكُنِ الله في عونك، وقارن- في اتزانٍ- بين ضآلةِ عونك لإخوانك وضخامة عون الله لك، ترَ الربح الرابح الذي امتنَّ الله به عليك".

 

نعم أخي الداعية.. اجعل شغلك الشاغل هذه الدعوة، وخاصةً أن كثيرًا من المسلمين بعيدون عن ربهم، والأمة في حاجة إلى مَن يوقظها من غفلتها، والدعوة إلى الله فرض على كل مسلم، وقد نبَّهنا الإمام التلمساني في وصيته إلى أمرٍ مهمٍّ جدًّا في الدعوة وهو "كن في عون عبادِ الله عامة، والمجاهدين خاصةً، يكُنِ اللهُ في عونك"، فيجب أن تكون في عون الناس جميعًا حتى إذا دعوت أحدًا منهم استجاب لك؛ لأنك قدَّمت له النموذج العملي، ورمضان فرصةٌ لأن تساعد المحتاج وتقضي جوائج الناس.

 

أيها الداعية.. هيا انطلق

أخي الداعية.. هيا انطلق لتأخذ الزاد من رمضان، انطلاق الريح المرسلة في الخير، كما كان رسول الله- صلى الله عليه وسلم-.. انطلق لتقترب من ربك أكثر وأكثر.. انطلق لتقترب من الناس وتشاركهم همومهم وأحزانهم وأفراحهم.. انطلق في الدعوة إلى الله وقلبك عامر بالإيمان، وقلوب مَن يستمعون إليك جاهزة للتقبُّل منك.. فهي فرصة لن تعوَّض، فرمضان فيه زاد لا ينضب للدعاة، يستمدُّون منه العون على مواصلة الدعوة إلى الله.

 

الطريق وعر.. والصيام جنة

أخي الداعية.. إن طريق الدعوات مليء بالأشواك، فيه من الابتلاءات ما فيه، وقد يتساقط بعض الدعاة على هذا الطريق الشاقّ، ولا يكملون المسيرة لنفاد زادهم، وعدم وجود دروع حمايةً لهم من الأشواك.. وأنت أخي الحبيب في رمضان معك درع حماية قويّ لا يُكسر، ألا وهو الصيام، ولا أقصد هنا بالصيام عن الطعام والشراب فقط، وإنما الصيام عن كل ما يُغضب الله،.. الصيام عن الغضب والغيبة والنميمة، الصيام عن آفات القلب، من كبرٍ وعجب وغرور.. وقد صدق رسولنا حين قال: "الصوم جنة".. فصُم صَوْم المتقين، وادع غيرك إلى مثل هذا الصيام.