مع بداية العام الدراسي يتم إعلان حالة الطوارئ داخل الأسرة، وتبرز الخلافات في الكثير من البيوت، وذلك باعتراف الزوجات والأزواج أنفسهم وتقرره الدراسات النفسية والاجتماعية التي تؤكد أن موسم دخول المدارس هو من أكثر أوقات السنة اشتعالاً بالصراعات الأسرية والتي وصلت في بعض الحالات إلى انتحار أحد الأزواج هربًا من جحيم الحياة مع زوجة لا تقدر محدودية إمكاناته في توفير نفقات الدراسة.

 

 ونحن في هذا التحقيق نسلط الضوء على هذه الظاهرة مقدمين الحلول التي تجعل من بداية العام الدراسي فرصةً للسعادة والفرح بدلاً من كونها موسمًا سنويًّا للنكد.

 

تقول أمل هلال- ربة منزل وأم لخمسة أبناء بمراحل التعليم-: إن بداية الدراسة هي فعلاً همٌّ يسيطر على الأسرة بكل الصور، أول هذه الهموم هو الهم المادي فمع اقتراب موعد الدراسة يسيطر على أنا وزوجي هاجس توفير مصروفات المدرسة إلى جانب شراء ملابس جديدة للأولاد ولكي تقدري كم يتكلف خمسة أولاد في مراحل التعليم المختلفة، ورغم أن زوجي يدخل في "الجمعيات"، ويحاول التوفير طوال فترة الأجازة الصيفية إلا أننا نفاجأ أن كل ما تم إدخاره لا يكفى لتوفير كل النفقات فنضطر للاستدانة وهذا أكثر ما يضايق زوجي وينكد علينا حياتنا أي أن بداية العام الدراسي تعني بالنسبة لنا سلسلةً من العذاب تمتد طوال العام وتبدأ بتوفير النفقات وملابس المدارس ثم البحث عن وسيلة لنقل الأولاد لمدارسهم ثم دوامة الدروس الخصوصية التي لا تنتهى إلا في نهاية العام الدراسي.

 

أما نجوى كمال- موظفة- فيشكل لها العام الدراسي همًّا من نوع آخر إذ تقول: الحمد لله زوجي ثري ولا توجد لدينا أي مشكلات لتوفير نفقات الدراسة وملابس الأولاد أو وسيلة الانتقال فوالدهم يأخذهم كل صباح بالسيارة إلى المدرسة ولكن أنا كزوجة شابة أشعر مع بداية العام الدراسي بالهم والضيق لأن الدراسة بالنسبة لي هي عبء إضافي، وتحتاج إلى وقت إضافي لمتابعة مذاكرة الأولاد وتغذيتهم وأوضاعهم بالمدرسة، وأنا كسيدة عاملة الحمد لله أستطيع أن أؤدي واجباتي بين عملي وبيتي ولكن هذا يكون على حساب صحتي وحالتي النفسية ومعانتي التي لا تنتهي إلا بنهاية العام ويكفي أنني أستيقظ كل يوم في الخامسة صباحًا لإعداد إفطار الأولاد وملابسهم ثم الذهاب إلى العمل ثم العودة لإعداد الغداء ومتابعة دروس الأولاد وفي نهاية اليوم أجد نفسي في قمة الإرهاق، وأحمد الله أن زوجي إنسان متفاهم ويحاول مساعدتي قدر الاستطاعة لكن هو الآخر غارق في أكثر من عمل.

 

موسم خناقات 

 ويؤكد أحمد عوض- صاحب محل بقالة- أن بداية الدراسة موسم خناقات بينه وبين زوجته التي لا تقدر ظروفه المادية وهو يسعى بكل الوسائل لتوفير مستلزمات المدارس بينما تظل زوجته تقارن بين ما أستطيع توفيره لأولادها وبين المستوى المادي والاقتصادي والرفاهية التي يعيش فيها أولاد أختها المتزوجة من رجل ثري فتزداد الخناقات والخلافات بيننا لدرجة أنني أوفر ما يحتاجون وأهرب من حديثها الممل وطلباتها التي لا تنتهي وأفضل البقاء عند والدتي.

 

دروس خصوصية 

 وتشير نجاة عمر- طبيبة- إلى أن عبء الدروس الخصوصية يفوق كل أعباء العام الدراسي لسبب بسيط هو أن أي أسرة لا تستطيع تقدير مبلغ المال الذي تحتاجه بشكل محدد، فالمدرسون في كل يوم يزيدون من أسعارهم مما يشعل الخلافات بين زوجي وبين الأولاد الذين يطلبون دروسًا في جميع المواد الدراسية وهو يشترط عليهم أن يأخذوا دروسًا في المواد الصعبة فقط.

 

ويرى محمود أبو الخير- محامٍ- أن موسم الدراسة إذا توفر له الاستعداد الجيد من الممكن ألا يشكل عبئًا أو مشكلةً بالنسبة للأسرة. ويقول: أنا شخصيًّا أجهز ميزانيةً لنفقات المدارس وأتفق مع زوجتي على استخدام ملابس العام الماضي الصالحة للاستخدام مع شراء ما يحتاجه الأولاد، وبالفعل تبدأ زوجتي في تهيئة ملابس العام الماضي، وكذلك أتبادل مع زوجتي المذاكرة للأولاد كما أننا نحرص على قضاء عطلة نهاية الأسبوع بشكل مختلف إما بالخروج للنزهة أو بزيارة أحد الأقارب أو بقضائها في البيت مع تغير جو المذاكرة والعمل وإضفاء جو من المرح.

 

وتوضح دكتورة سونيا البنا- أخصائية نفسية- أن غياب التمهيد والإعداد الجيد للعام الدراسي الجديد هو السبب الرئيسي في إشعال الخلافات في البيوت وتتساءل: لماذا نؤجل توفير الاحتياجات إلى اللحظة الأخيرة فيعجز الزوج عن توفيرها وتندلع الخناقات؟، فالأفضل للزوجين أن يجلسا معًا ويتفقا مع بداية الأجازة على توفير نفقات الدراسة سواء بالادخار أو بالدخول في "جمعيات" أو غيرها، وكذلك من الضروري الاتفاق على برنامج يومي لرعاية الأبناء وتشجيعهم على المذاكرة وخاصة بالنسبة للزوجات العاملات، فهذا التمهيد، وهذا الاتفاق ووضع البرنامج هو في حد ذاته نوعٌ من التأهيل النفسي للوالدين والأبناء على استقبال عام دراسي جديد.

 

 ولا بد من الإشارة إلى أن الخلافات الزوجية التي تحدث مع بداية العام الدراسي لها تأثير سلبي على الأولاد يؤدي إلى تخلفهم دراسيًّا، وكذلك لا بد أن نلفت نظر الزوجين إلى أهمية التمتع بعطلة نهاية الأسبوع بشكل مكثف يخفف من ضغوط المذاكرة وأعبائها طوال الأسبوع بشكل يجدد المشاعر بين الزوجين، ويدعم من الترابط الأسري ويجدد نشاط الأولاد وإقبالهم على الدراسة في أسبوع جديد، وكذلك على الزوجين أن يخصصا وقتًا أثناء اليوم أو أثناء الأسبوع ولو كان قصيرًا لتحقيق إشباعهم النفسي والعاطفي حتى لا تجف المشاعر في دوامة العام الدراسي مما يؤدي لمزيد من التوتر والخلافات الأسرية.