عاطف الجولاني

 

على ماذا يراهن محمود عباس؟ ولماذا يُظهر كل هذا العداء والتشدد في التعامل مع حركة حماس، ويُبدي في ذات الوقت "اندلاقًا" واندفاعًا قويًّا للقاء أولمرت في اجتماعاتٍ يعترف هو قبل غيره بأنها غير منتجة ولم تتجاوز حدود العلاقات العامة التي لا تُسمن ولا تُغني من جوع؟!

 

إذا كان جزء مهم من المسئولية عن التوتر في العلاقات الفلسطينية الداخلية تمَّ تحميله فيما مضى لمحمد دحلان وتياره الانقلابي، فإن "عباس" يدير بنفسه عملية التأزيم في هذه المرحلة، ويُظهر قدرًا كبيرًا من الصلف والتشدد، ويغلق الأبواب ولا يُبدي حرصًا على إعطاء انطباعات بأنه رئيس فلسطيني وليس مجرَّد رئيس تنظيم أو حركة.

 

عباس يُحيط نفسه هذه الأيام بفريقٍ من المأزومين والموتورين والمعروفين بعلاقاتهم السيئة مع حماس، وقد سعوا طوال الأعوام الماضية إلى دفع الأمور معها إلى حالةٍ من الصدام والمواجهة وكسر العظم، وإذا كانت ورقة دحلان سقطت أمنيًّا بعد الحسم في قطاع غزة، فإن نافخي كير الأزمة من جوقة السياسيين والإعلاميين يصولون ويجولون في الوقت الراهن ويزينون لعباس السوء.

 

عقب فوز حماس الكاسح في الانتخابات التشريعية، أخبرني أحد السياسيين الأمريكيين المقربين من وزارة الخارجية الأمريكية أن الرئيس الأمريكي جورج بوش رفض بصورة قاطعة حديث عباس عن تفكيره بالاستقالة من موقعه بعد هزيمة فتح القاسية في الانتخابات، وأضاف أن الإدارة الأمريكية تجد نفسها مضطرة للرهان على عباس في ظل انعدام خيارات بديلة عنه في الساحة الفلسطينية، وحين سألته: ماذا لو اختفى عباس لسبب أو لآخر؟ كانت الإجابة أنها ستكون كارثة وورطة كبيرة لا يدري أحد كيف سيتم التعامل معها!

 

وإذا كانت رهانات بوش وكوندوليزا رايس وأولمرت في الساحة الفلسطينية تكاد تنحصر في عباس، فإن مواقف عباس هو الآخر أظهرت خلال الشهور الماضية أن خياراته ورهاناته باتت تنحصر بالكلية في واشنطن وتل أبيب.

 

عباس بدا متشنجًا ونزقًا وفاقدًا للتوازن خلال الشهور الماضية في التعامل مع الأزمة بينه وبين حماس، ظهر ذلك جليًا في عشرات "الفرمانات" والمراسيم الرئاسية التي أسرف في إصدارها والتي تكرّس حالة القطيعة بينه وبين حماس وبين الضفة والقطاع.

 

كما تجلى النزق والعصبية والتشنج في خطابه السياسي إزاء حماس، والذي وصل حدّ الإسفاف والشتم المقذع في خطابه أمام المجلس المركزي للمنظمة.

 

لكن لماذا أغلق عباس أبواب الحوار مع حماس بهذه الطريقة التي لا تنم عن حكمةٍ وبصيرةٍ سياسية؟

 

يمكن الحديث عن ثلاثة أسباب تفسّر الطريقة التي تعامل بها عباس مع الأزمة وتبرر رفضه الحوار مع حماس:

 

الأول: الجانب النفسي والانفعالي الذي ترتب على الخسارة المهينة للأجهزة الأمنية وللتيار الانقلابي في فتح للمواجهة العسكرية مع حماس في قطاع غزة، وقد استغل هذا الجانب النفسي من قِبل تيار التأزيم والمواجهة والصدام في السلطة من أجل حسم خيار التعامل مع حركة حماس بمنطق الإقصاء لا التلاقي والتفاهم.

 

السبب الثاني: يتعلق بموازين القوى الجديدة التي نشأت في الساحة الفلسطينية عقب الحسم العسكري في قطاع غزة، فإذا كانت هذه الموازين تميل بشكلٍ صارخٍ لصالح حركة فتح فيما مضى، فإن تغييرًا مهمًا طرأ عليها جعل من حماس طرفًا مفاوضًا من موقع الندية لحركة فتح والرئاسة، وهو ما لا يرغبه عباس وفتح؛ لكونه لا يتيح لهما فرض شروطهما على نتائج الحوارات والمفاوضات مع الحركة، ما يجعل من التوقيت الحالي والمعطيات القائمة غير مفضلة لعباس لإطلاق مثل هذا الحوار بين الجانبين، الأمر الذي يفسر إصراره على أن تعيد حماس الأمور إلى ما كانت عليه قبل الحسم في ا