أكد فضيلة الأستاذ محمد مهدي عاكف- المرشد العام للإخوان المسلمين- أن آفةَ الاستبدادِ هي من أعظم الآفاتِ التي تُبتلى بها المجتمعات الإنسانية عمومًا، والشعوب العربية والإسلامية خصوصًا، وهي المسئولة عن تدهور هذه المجتمعات، مضيفًا أنَّ الكثيرَ من الأزماتِ والمشكلاتِ والكوارث، إنما تعود إلى سيطرة الرأي الواحد والفكر الواحد والحزب الواحد.

 

وأضاف في الرسالة الأسبوعية أن الاستبدادَ قرينُ الفسادِ والقهرِ والاستغلال، وهو نِتاجُ التخلُّفِ البشري بكل مظاهرِهِ، وسببٌ مباشرٌ من أسباب هذا التخلف مؤكدًا أنه يدمر طاقات الشعوب ويقتل مواهب العلم والفكر، ويخرب الاقتصاد والحضارة، ويعمق الإحباط واليأس في نفوس الناس، ويجعل الأمل في النهوض مستحيلاً، ومن هنا تنهار الحضارات، وتفقد الأمم ريادتها وتصبح الشعوب لقمةً سائغةً في أيدي أعدائها.

 

وأوضح أن المجتمعاتِ البشرية تتقدَّم بقدرِ اعتمادِها الحرية والشورى والديمقراطية سبيلاً للنهوض، وأساسًا للحركةِ والعمل، ورؤيةً واضحةً للمستقبل، وواهِمٌ مَن يتصوَّر أن الحياةَ الكريمةَ يمكن أن تنشأ في مجتمعٍ لا حريةَ فيه، وواهِمٌ أيضًا مَن يتصوَّر أن النهضةَ والتقدم والرقي يمكن أن تكون صفةً لمجتمعٍ يئنُّ تحت سطوةِ الاستبدادِ والقهرِ والطغيان، مؤكدًا أنه لا تقدُّمَ بغيرِ حرية، ولا نهوضَ بغيرِ شورى ومشاركة، ولا مستقبلَ كريمًا بغير إطلاق الطاقات الكامنة لدى الشعوب واحترام الرأي الآخر.

 

وأكد فضيلته أننا عانينا في بلادنا الكثيرَ والكثيرَ من جرَّاء الاستبدادِ والقهرِ والطغيان، الذي طال علماء وفقهاء ومفكرين ودعاةً ومثقفين وكُتَّابًا وأصحابَ رأي وقادةً من مختلف المهنِ والتخصصات، وعانى منه الجميع، الذين وجدوا أنفسَهُم يواجهون استبدادًا تُمارسه السلطةُ، مستخدمةً كلَّ إمكاناتِ الدولةِ في قهرِ المجتمع، مشيرًا إلى أن سجون مصر امتلأت عن آخرها بما يقرب من ثلاثين ألفًا من الإخوان المسلمين في ليلةٍ واحدةٍ في ستينيات القرن الماضي، أمر الحاكمُ الفردُ المستبدُّ بالقبضِ عليهم والزجِّ بهم في المعتقلات، وهم مَنْ هم علمًا وخلقًا ودينًا وتفانيًا في خدمةِ الوطنِ والأمة.

 

وقال: إننا على يقينٍ من أنَّ أحوالنا لن تتحسن، ولن تقوى أمتنا على النهوض، وسيفُ الاستبدادِ السياسي فيها يصد كلَّ موجاتِ التقدُّم والرقي، ويزرع اليأسَ والخرابَ في النفوس، وينشر الإحباطَ واللامبالاة في العقول والقلوب.

 

وأضاف أن محاربة الاستبداد والتصدي له هو مسئوليةُ الأمةِ كلِّها، وفي الطليعة منها أصحاب الفكر والعقل، وأصحاب الرأي والسياسة، وأصحاب الهدف والرسالة، ولكلٍّ دوره ومسئوليته، ولكلٍّ جهده وجهاده، وخصوصًا مؤسسات المجتمع المدني، من نقاباتٍ وجمعياتٍ ومراكزَ ومؤسساتٍ وهيئاتٍ، مطالبًا إياها ببذل الجهدِ الحقيقي لمواجهةِ الاستبدادِ السياسي والضغطِ من أجلِ الإصلاحِ الشامل، والعمل من أجلِ نشرِ ثقافةِ الحريةِ والشورى والديمقراطية، موضحًا أن هذا دورُها الأصيل، وواجبها الذي لا يمكن التقليل من أهميته.

 

ووجه فضيلته تحيةً لأولئك الرجالِ الصامدين في وجهِ الاستبدادِ والتسلط والطغيان، المقاومين للعدوان على حقِّ الشعوبِ في حياةٍ حرةٍ كريمة، المتحملين للأذى والاضطهاد في سبيلِ مستقبلِ وطنهم وأمتهم، وتحيةً لأولئك الذين يدفعون ثمنَ حريةِ أوطانهم من دمائهم وعرقهم وحريتهم، وتحيةً لأولئك المجاهدين الصامدين خلف الأسوار؛ دفاعًا عن كرامةِ أوطانهم، وحرية شعوبهم ومستقبل أمتهم، فلهم الأجر من الله، والاحترام والتقدير من الأمة بأسرها.

 

وقال فضيلته إننا سنواصل طريقنا، ونسير في دربنا الذي اخترناه، درب الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، والاستفادة من كلِّ وسائلِ العمل السياسي السلمي لمواجهة الاستبدادِ السياسي، ومناهضة الديكتاتوريةِ والتسلط، ورفض الإقصاءِ والتهميش لكلِّ قوى الوطن الفاعلة، فالمستقبل ملكٌ للجميع، ورسمه مسئولية الجميع أيضًا.

 

طالع نص الرسالة