حنان زين

منذ ثلاث سنوات كتبت إليك رسالةً من سلسلة رسائل النكَد الزوجي، التي كنت تنشرها في ذلك الوقت، وشكوت لك من تصرفات زوجتي النكدية، التي تجعل حياتي معها غير محتملة، وكيف أنها تهوَى البكاء في كل مناسبة، سواءٌ لمرض أحد أفراد أسرتها، أو لأني انتقدتها في شيء عابر من شئون الحياة اليومية، فإذا لم تبكِ تعمَّدت استفزازي؛ بإجبار طفلتنا على الصراخ والبكاء؛ بإرغامها على تناول الطعام قسرًا أو بحرمانها من اللعب عقابًا لها على أي خطأ، إلى جانب اعتبارها لكل تصرفٍ من تصرفات أهلي تجاهها إهانةً لها، وبعد كل زيارةٍ منهم لنا تلقِّنني محاضرةً في حقوق الزوجة، وكيف أن واجب الزوج هو التربص لكل بادرةٍ تشمّ منها رائحة الإساءة لزوجته، فيهب ممتطيًا حصانه وشاهرًا سيفه في وجوه أهله إلى آخر ما ذكرته لك في حينه.
وقد قرأت ردك على رسالتي ورسائل غيري من الأزواج الذين شاركوا في مسلسل النكد الزوجي، فوجدتك- بالرغم مما ذكرته في ردودك عن تأثير هذا السحر اللعين للنكد على الحياة الزوجية- تدعوني وغيري من ضحايا النكد الزوجي إلى الصبر والتضحية من أجل أطفالٍ لا ذنبَ لهم في شيء، ومحاولة التكيُّف مع الأمر الواقع والتقليل بقدر الإمكان من أثر هذا السحر اللعين على الحياة الزوجية.. إلخ.
لكنني رغم اقتناعي بما قلت لم أستطع مواصلة الاحتمال، وحسمت أمري على الانفصال عن زوجتي، وطلب مني والدها التروِّي قبل اتخاذ القرار، وتحمَّلت هذا القرار من أجل طفلتي التي أحبها وتحبني كثيرًا، لكنني سدَدت أذنيَّ عن النصيحة، وتم الانفصال، وبدأت أبحث عن عروسٍ أخرى، وأحلم بالسعادة والهناء معها، وبعد ستة شهور من الانفصال كنت قد ارتبطت بفتاةٍ أخرى رشحتها لي أسرتي وتزوجتها، وآملت أن أجد سعادتي وهدأ بالي معها.
وبعد شهرين من الزواج علمتُ أن مطلقتي قد وضعت طفلي الثاني، وأنها كانت قد أخفت عني حملها عند الانفصال؛ لكيلا ترغمني على العودة إليها مضطَّرًّا، وأصارحك القول بأن مشاعري لم تتحرك في ذلك الوقت لرؤية وليدي الجديد، ربما لأن أمه كانت قد أقامت ضدي دعوى نفقة للطفلين، بالرغم من أن والدها ميسور الحال، وتصورت- كما أقنعني بذلك الجميع- أنها تصرُّ على ملاحقتي بالنكد حتى بعد انفصالنا، وتمنَّيت أن أنسى كل ما جرى في حياتي السابقة، وأن تعوضني عنه زوجتي الجديدة، لكنني وجدتها بعد شهورٍ قليلةٍ من الزواج تضيق بمشاكلي وأحزاني، ولا تحتمل ظروفي المادية الجديدة التي فرضتها عليَّ الظروف مؤقتًا بسبب تكاليف الزواج الجديد، ودفع مستحقات الزوجة السابقة، بل وجدتها كذلك لا تحتمل أيَّ نقدٍ ولو كان رقيقًا لأي تصرفٍ من تصرفاتها، وإنما تثور عليَّ ثورةً هائلةً وتفقد سيطرتها على لسانها فتوجِّه لي أفظع السباب، وربما قذفتني كذلك خلال انفعالها بأي شيء تجده أمامها من الأدوات المنزلية.
وخلال ذلك تُوفي أبي إلى رحمة الله، وأصبحت أمي وحيدةً في مسكنها وقبل أن أفكِّر في فعل أي شيء للتخفيف عنها، وجدت زوجتي ترفض بإصرار إقامتها معنا ولو لفترة مؤقتة عقب الوفاة، وتضعني في حرجٍ شديدٍ أمام إخوتي وأهلي، في الوقت الذي جعلتُ فيه من بيتي أرضًا مشاعًا لكل أقاربها حتى الدرجة الثالثة يأتون إليه في أي وقت، وترحِّب بهم في كل حين، وحرَّمت بيتي في المقابل على أهلي، ومَن يغامر بزيارتنا وتفلت منه- ولو على سبيل المزاح- كلمةٌ تعتبرها إساءةً لها يكون مصيره الطرد بلا رحمة.
وتساءلت: أين السعادة التي بحثتُ عنها وهجرتُ من أجلها زوجتي الأولى وأطفالي؟ وتراكم الإحساس بالمرارة في أعماقي لكني تحملت كل شيء خوفًا من الفشل الثاني في الزواج ومن شماتة زوجتي السابقة.
وفي أحد أيام شهر مضان الماضي توجَّهت لأحد المساجد الكبرى لأداء صلاة التراويح، وبكيتُ في صلاتي وأنا أتذكر طفلتي الحبيبة وطفلي الذي قارب على العام الأول من عمره، ثم هممتُ بمغادرة المسجد بعد الصلاة، فوجدت والد مطلقت