الحمدُ لله خالق الموجودات، ورافع السماوات بلا عمد، مسيّر النجوم، ومسخِّر الكواكب، الموجود أزلاً وأبدًا بلا مكان، نحْمَدُهُ سبحانَهُ وتعالى حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد.. ربنا كلنا لك عبد، ربنا لا مانع لما أعطيت، ولا معطيَ لما منعت، ربنا أرسلت إلينا وإلى الإنس والجن هذا النَّبِيَّ الكريمَ، أعظمَ الأنبياءِ شريعةً، وأكملهم دلائلَ، وأوضحهم آياتٍ، وأجمَلهم خُلُقًا، وأفضلَهم رِفعةً لديك ومنزلةً، فكان للعالمين رسولاً مبشرًا وهاديًا ونذيرًا.

 

وأشهدُ أن لا إله إلا الله.. الواحدُ الأحد.. الفرْدُ الصَّمد.. الذي لم يلِدْ ولم يولد.. ولم يكُنْ لهُ كُفوًا أحد، وأشهدُ أنَّ سيدنا مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسولُه، ونبيُّهُ المصطفى، وَرَسُولُهُ المجتبى، وحبيبُهُ المرتضى، ومُختارهُ من أهلِ الأرضِ والسماءِ، اللهمَّ صلِّ وسلِّم وباركْ على هذا النبيِّ الكريم، وعلى آلِهِ الطاهرين، وصحابتهِ الطيِّبين وأتباعهِ، اللهم صلِّ على هذا النبى وأمته المباركة.
أما بعد..

 

فإني أوصيكم بتقوى الله العظيم، والتمسك بمنهاجه القويم، والسير على خُطى رسولِهِ الكريم، فقد تركنا على المحاجة البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك، فاللهم اجعلنا مستمسكين بسنة رسولك، راضين طائعين مؤمنين بصدق نبيِّك، وموحدين وموقنين بوحدانيتك، تباركت وتعاليت، وتنزَّهت عن كل شريك وولد.

 

يقولُ الله تباركَ وتعالى في القرآنِ الكريم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾ (الإسراء).

 

أيها الإخوة الأحباب.. تمرُّ علينا في هذا الشهر المجيد ذكرى الإسراء والمعراج، وإنها لمناسبة سامية لذكرى راقية نحتفل بها كل عام لعظيم مدلولها وجلالِ قدرها، فكيف لا نحتفل بها وهي معجزةٌ كبرى، اختصَّ الله تبارك وتعالى بها نبيَّه- صلى الله عليه وسلم- فكانَ إسراؤهُ من مكةَ المكرَّمةِ لبيت المقدس، ثم معراجُهُ صلى الله عليه وسلم إلى السماوات العُلا، ثم عودته صلى الله عليه وسلم بخبر السماء ليُخبِرَ أهلَ الأرضِ عمَّا رأى في تلك الرحلة المباركة، فيصفُ لقريش- في لحظة تحدٍّ- الأقصى نافذةً نافذةً، ثم يعطيهم من الدلائل ما يؤكد صدق رحلة وحقيقةِ نبوَّتِه.

 

من خصوصيات هذه الأمة

أيها الإخوة الأحباب.. قد كرَّم الله هذه الأمة عن سائر الأمم المعاصرة بخصائص، أهمها على الإطلاق ثبوت شرعنا بطريق الإسناد، فالإسناد- أيها الإخوة- من خصائص هذا الدين، فما من شعيرة صغرت أم كبرت إلا وتخضع لقواعد وموازين الإسناد وأصول الجرح والتعديل، فما ثبتت صحته أُخذ به وما لم تثبت صحته تُرك، عكس الأمم الأخرى من النصرانية واليهودية، فبينهم وبين شرائعهم انقطاع في السند لحلقات وحلقات.

 

أيها الإخوة الأحباب.. ثبتَ الإسراءُ بنصِّ القرآنِ الكريم وبتواتر الأحاديثِ الصَّحيحةِ، فيجبُ الإيمانُ بهِ وبأَنَّ الله أسرى برسوله صلى الله عليه وسلم ليلاً من مكةَ المكرَّمةِ إلى المسجِدِ الأقصى، وقد أجمع على ذلك علماء السلف والخلف من هذه الأمة.. قال تبارك وتعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)﴾ (الإسراء)، وقال تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (18)﴾ (النجم).

 

وروى البخاري في صحيحه من حديث‏ ‏مالك بن صعصعة رضي الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "‏بينا أنا عند ‏البيت ‏بين النائم واليقظان (وذكر ‏يعني رجلاً بين الرجلين) ‏فأُتيت بطستٍ من ذهب مُلِئَ حكمةً وإيمانًا فشقَّ من النحر إلى ‏مراق البطن، ‏ثم غسل البطن بماء ‏زمزم، ‏ثم مُلِئَ حكمةً وإيمانًا، وأُتيت بدابة أبيض دون البغل وفوق الحمار البراق، فانطلقت مع ‏جبريل ‏حتى أَتينا السماء الدنيا، قيل من هذا؟ قال: ‏جبريل، ‏قيل من معك؟ قال ‏محمد، ‏قيل وقد أرسل إليه؟ قال نعم، قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأُتيت على ‏آدم ‏فسلمت عليه، فقال: مرحبًا بك من ابنٍ ونبيٍّ!! فأتينا السماء الثانية قيل مَن هذا؟ قال: ‏جبريل، ‏قيل: من معك؟ قال: ‏محمد، ‏قيل أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على ‏عيسى ‏ويحيى، ‏فقالا: مرحبًا بك من أخٍ ونبيٍّ!! فأتينا السماء الثالثة، قيل: من هذا؟ قيل: ‏جبريل، ‏قيل: من معك؟ قيل: ‏محمد، ‏قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، فأتيت على ‏يوسف ‏فسلمت عليه، قال: مرحبًا بك من أخ ونبي!! فأتينا السماء الرابعة: قيل مَن هذا؟ قال: ‏جبريل، ‏قيل: من معك؟ قيل: ‏محمد، ‏قيل: وقد أرسل إليه؟ قيل: نعم، قيل: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، فأتيت على ‏إدريس ‏فسلمت عليه، فقال مرحبًا بك من أخ ونبي!!.. " الحديث.

 

أيها الإخوة الأحباب.. ولما كان الإسراء قد ثبت بدليل القرآن وبأحاديث صحيحة ومتواترة وأجمع عليه علماء الأمة سابقًا ولاحقًا، سلفًا وخلفًا، كان علينا أن نؤمن به ولا ندع مجالاً للمشكِّكين في بثِّ بذور الشكِّ في نفوس الضعفاء منا.

 

وقفات مع رحلة الإسراء والمعراج

قبر ماشطة بنت فرعون

إنها محطة من المحطات وعظة من العظات وعبرة من العبر، ففي رحلته صلى الله عليه وسلم وجدَ رائحةً طيبةً تنبعث من قبر ماشطة بنت فرعون، فماذا وراء هذا القصة؟! يروَى أن الماشطةَ هذه كانت تمشِّط شعر بنت فرعون، فسقط المشط من يدها فقالت "بسم الله"، فتعجبت بنت فرعون منها وقالت لها: ألك ربٌّ غير أبي، أي غير فرعون والدها؟! بماذا أجابت الماشطة؟ لم تخَف ولم ترهب، فنطقت بالحق، قالت لها: ربي وربِّ أبيك هو الله، فما كان من ابنة فرعون إلا أن أخبرت والدها فرعون.

 

طلب فرعون من الماشطة أن ترجع عن هذا الإيمان، فأبت الماشطة أن تتزحزح عن إيمانها قيدَ أنملة، وتحمَّلت العذاب الشديد في ثبات وشموخ، حتى إنه أحمى لها زيتًا يغلي، وألقى فيهِ أولادَها وبينَ يديها طفلٌ رضيعٌ فأنطَقَهُ الله فقال: يا أُمَّاهُ، اصبِري فإنَّ عذابَ الآخرة أشَدُّ من عذابِ الدنيا، فلا تتقاعسي فإنَّكِ على الحقِّ.

 

وكانت المرأة قد طلبت من فرعون أنْ تُجمعَ العظامَ وتُدفن في مكانٍ واحدٍ فلبَّى طلبها، فألقاها هي ورضيعَها في الزيتِ الحامي، فماتتْ هي وأولادُها شهداء، ومن ذلكَ القبرِ شمَّ النبيُّ تلكَ الرائحة الطيبة.

 

وهنا- أيها الإخوة- لنا وقفةٌ مع النفس، لنسأل أنفسنا: ماذا نعتبر من هذه القصة؟ ماذا نستفيد؟ امرأة ضعيفة مستضعفة في قصر مهيب، وبين يدي حاكم فرعوني جبَّار، كل هذا لم يزحزحها عن عقيدتها قيد أنملة!!

 

أيها الإخوة.. إنه الثبات، الثبات على الحق مهما كانت التضحيات، ومهما كان الظلم، فلا بد أن يكون لدينا يقين بنصر الله، وأن هذا النصر آجلاً أم عاجلاً آتٍ لا محالة، هذا إذا أخلصنا مع الله، وثبتنا على الحق، فلا نفرِّط في قيمنا مهما كانت المغريات ولا نتزحزح عن مبادئنا أو نَحيد مهما طغى الظلم وتجبَّر ومهما طال السجن والسجَّان، فلا بد من يوم الفرج، ولنعلم ونتيقن أن ليل الظلم لا بد أن ينجلي، ولا بد لنهار الحرية والعدل أن ينبثق، ولنتذكر أيها الإخوة الأحباب العهد الرباني الإلهي الذي وعد الله به هذه الأمة، الصالحين منها، حيث قال تبارك وتعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (النور: من الآية 55).. نعم نؤمن تمام الإيمان ونقرن إيماننا بالعمل الصالح فيأتي الاستخلاف الذي وعدنا الله إياه.

 

علينا أيها الإخوة بالصبر والثبات عند المحن والتمسك بعرى الإسلام ففيها نجاةٌ لنا من الزلل، فلا ننحني ولا ننثني أمام موجات التغريب وصيحات التحلل من القيم التي تسود عالمنا الآن، فلا ننبطح أمام ذلك، فقيمنا هي العاصم لنا من هذه الفتن؛ لأنها قيم ربانية ومبادئ إلهية.

 

تحديات ما بعد الرحلة وموقف أبي بكر الصديق

لمّا رَجَعَ رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أخبرَ قومَهُ بما حدث فاستنكروا ذلك كدأبهم، وقالوا له: "من هنا إلى هناكَ مسيرةُ شهرٍ"، وكان فيهم من يعرِفُ بيتَ المقدِس، فجعلوا يختبرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ليروا صدقه، فقالوا له: "كم بابًا ببيتِ المقدِس"، كان هو بالليلِ ما تأكَّدَ من عدَد الأبواب، تضايقَ.. ثم كشَفَ اللهُ له فأراهُ، فصارَ يعُدُّ لهم وهو ينظرُ إلى الأبواب واحدًا واحدًا فسكتوا، ثم ذهبوا إلى أبي بكر فقالوا له: "صاحبُك يدَّعي أنّه أُسريَ به"، فقال لهم: "إنّهُ صادقٌ في ذلك، عن خبرِ السماءِ أنا أُصَدِّقُهُ فكيف لا أُصدقُهُ عن خبر الأرض؟!".

 

والرواية عند مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد رأيتني في الحجر، وقريش تسألني عن مسراي، فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربتُ كربةً ما كربت مثله قط، قال فرفعه الله لي أنظر إليه، ما يسألوني عن شيء إلا أنبأتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ضرب جعد كأنه من رجال شنوءة، وإذا عيسى بن مريم عليه السلام قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا عروة بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم عليه السلام قائم يصلي، أشبه الناس به صاحبكم (يعني نفسه) فحانت الصلاة فأممتهم، فلما فرغت من الصلاة قال قائل: يا محمد! هذا مالك صاحب النار فسلم عليه، فالتفت إليه فبدأني بالسلام..".

 

وهنا أيها الإخوة الأحباب لنا وقفة تأمُّل لنتَّعظ ونعتبر من تلكم الأحداث؟! قريش تتحدى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وتذهب إلى أبي بكر لتخبره بخبر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- لتجد عنده فرصة تردُّد أو شكّ، فما تجد ذلك عنده لماذا؟ لأنه صادق الإيمان، قوي العزيمة، فما إن قالوا له ذلك لم يذهب إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ليستطلع الأمرَ وإنما كان جوابُه حازمًا قاطعًا: "لإِن كان قال ذلك فقد صدق، أصدقه في خبر السماء، ولا أصدقه في خبر كهذا".

 

نعم إنه صدق الإيمان وقوة العقيدة التي جعلت ردَّ أبي بكر ردًّا حاسمًا يقطع على قريش كل فرصة للتشكيك أو الطعن في صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم.

 

هنا لم يدَعْ أبو بكر- رضي الله عنه- فرصةً للمشركين للطعن في صدق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وهذه عبرةٌ لنا وعظةٌ، فما نسمعه من المخالفين لا يجب أن يصدَّق، وإنما يجب أن يوضع في موضعه وهم أهل غرض ليسوا أصفياءَ القلوب، ولا يرتفع قولهم عن الغرض والمكر، فلنكن حذرين في تعاملنا مع من يأتينا بخبر يطعن في قيمنا أو عقيدتنا تحت أي مسمّى أو تحت أي عنوان، سيما وقد أمرنا الشرع بالتثبُّت والتبين ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ (الحجرات: من الآية 6)، فعلينا أن نقرع الحجةَ بالحجةِ.

 

أيها الإخوة الأحباب.. إن لنا في أبي بكر لعبرةً في صدق إيمانه وقوة عقيدته، ولِمَ لا وهو الذي تعرَّض لأذى شديد في مكة على يد عتبة بن ربيعة؛ حيث ضربه ضربًا شديدًا بنعليه، حتى لم يكد يُعرف وجهه من أنفه، وحُمل إلى أهله ولا يشكون في موته، ولكنه في آخر اليوم فاق من غيبوبته يسأل عن محمد- صلى الله عليه وسلم- ليطمئن عليه.

 

أيها الإخوة الأحباب.. هذه الجزئية أحببت أن أتحدث فيها؛ لأنه كثيرًا ما يخرج علينا بعض كتبة الصحف الصفراء من ذوي الاتجاهات العلمانية والشيوعية وهم كثُر؛ حيث يخرج علينا بين الحين والآخر غلام من غلمانهم- وما أكثرهم في هذا الزمان!!- ليطعن في قيمنا ومبادئنا تحت مسميات عديدة كالحرية والديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة، وحقوق الحيوان، فينخدع الكثيرُ منا، وينطلي عليهم كلام هؤلاء الغلمان، وهو لا يدري مَن وراء هؤلاء.. فلا ننخدع بهؤلاء ولا ينطلي علينا خداعهم.

 

فموقف أبي بكر الصديق هذا فيه ثبات على المبدأ، فما أحوجَنا إليه في هذا الزمان، زمن استبدال القيم، وزمن التغريب، وزمن الانبطاح أمام الأعداء والانقياد لأفكارهم، فتتبدل فيه المبادئ وتختزل وتمسخ القيم!!

 

أيها الإخوة.. ها هو الصدِّيق عندما قيلَ لهُ "صاحبُك يدّعي أنّه أُسريَ به"، قال: "إنّهُ صادقٌ في ذلك، عن خبرِ السماءِ أنا أُصَدِّقُهُ فكيف لا أُصدقُهُ عن خبر الأرض؟!".

 

أيها الإخوة الأحباب.. تعيش الأمة الآن مرحلةً من أصعب المراحل في تاريخ هذه الأمة، فعبر التاريخ لم يحدث ما نراه الآن من موجات ودعوات التغريب والاستبدال التي يقودها أعوان الغرب من العلمانيين والشيوعيين، دعاة التغريب ومَن ناصَرَهم لهدم ثواب الأمة وتدمير قيمها تحت مسميات كاذبة وهمية، ظاهرها الرحمة، وباطنها الخبث والمكر، مسميات لا وجود لها إلا في الخيال.

 

أيها الإخوة.. ما أحوجَنا إلى موقف الصدِّيق هذا لنأخذَه مثلاً لنا في هذا الزمان، زمن الردة، زمن البهتان، زمن الانهزامية والخضوع!!

 

الإسراء والمعراج منحة من الله

نعم إنها منحة من الله لرسوله- صلى الله عليه وسلم- وما أجمل المنح بعد المحن وما أطيبها.. أيها الإخوة الأحباب لقد جاءت أحداث الإسراء بعد محنة الطائف وما حدث لرسول الله- صلى الله عليه وسلم- حيث مكث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بين أهل الطائف عشرة أيام لا يدَعُ أحدًا من أشرافهم إلا جاءه وكلَّمه ودعاه للإسلام فماذا كان ردّهم؟!

 

قالوا له: اخرج من بلادنا، وحرَّضوا عليه سفهاءهم فتتبعوه يسبونه ويرمونه بالحجارة حتى اختضب نعلاه بالدماء، وكان زيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى أصابه حجر شجّ رأسه.

 

أيها الإخوة.. ظل سفهاء الطائف يتعقَّبون رسول الله- صلى الله عليه وسلم- حتى ألجؤوه إلى حائط لعتبة وشيبة ابني ربيعة فجلس- صلى الله عليه وسلم- ودعا بالدعاء المشهور: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيدٍ يتجهمني؟ أم إلى عدوٍّ ملَّكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن يتنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك".

 

نعم إنها محنة الطائف بأحداثها وملابساتها، ولكن كان- صلى الله عليه وسلم- مثالاً للصبر على البلاء في سبيل تبليغ دعوته إلى الناس، وكان الإسراء والمعراج في المقابل منحةً من الله لنبيه- صلى الله عليه وسلم- فما أجملها من منحة بعد محنة وما أجمله من فرج بعد صبر!!

 

دروس وعِبر في الصبر والثبات على الحق ما أحوجنا إليها في أيامنا هذه والإسلام يواجه بشتى أساليب الحرب والمكر، ولكن هيهات لهم أن ينالوا من هذه الأمة.

 

أيها الإخوة.. محن في العراق، ومحن في فلسطين، ومحن في الشيشان، ومحن في الفلبين، وفي شتى بقاع المعمورة، هل لنا من سبيل إلا الصبر والثبات حتى يأتي الفرج وتنقشع المحن؟!

 

أيها الإخوة.. سلاحان مهمان هما الصبر والثبات، وهذان السلاحان لا يأتيان إلا بقوة العقيدة وصدق الإيمان، فما أحوجنا إلى صدق إيمان ماشطة بنت فرعون وصبرها وإلى صدق إيمان أبي بكر الصديق وصبره، ولنا في سير الصحابة العظةُ والعبرةُ، من عمار إلى سمية، فخباب وبلال، محن وصبر ثم تلاه منح وفرج.

 

الخطبة الثانية

الحمدُ للَّهِ ربّ العالمين، وصَلواتُ الله البَرّ الرَّحيم والملائكةِ المقربينَ على سَيّدنا محمدٍ صلى الله عليه وسلم وعلى سائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ وأهلِ بيتِه الطيّبينَ الطاهرينَ..
أما بعدُ، عبادَ الله.. أوصيكم ونفسي بتقوى الله العليّ العظيم، واعلموا أن الله أمرنا بالصلاة على رسولنا الكريم فقال تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (56)﴾ (الأحزاب).

 

فاللهمَّ صَلّ على سيّدِنا محمَّدٍ وآلِه كمَا صلّيتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى آلِ سيّدِنا إبراهيمَ، وبارِكْ على سيّدِنا محمَّدٍ وعلى آلِ سيّدِنا محمَّدٍ كمَا بارَكْتَ على سيّدِنا إبراهيمَ وعلى آلِ سيّدِنا إبراهيمَ إنّكَ حميدٌ مجيدٌ.

 

يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)﴾ (الحج).

 

اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وثبت أقدامنا على الحق، وهيئ لنا أمرَ رشدٍ، يعز فيه أهلُ طاعتك، ويذل فيه أهلُ معصيتك، اللهمَّ تكالبت علينا الأمم من كل حدب وصوب، فرُدَّ كيدهم في نحورهم، وكُن عليهم لا علينا، واجعل تدميرهم في تدبيرهم، اللهم اغفرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ الأحياءِ منهم والأمواتِ، اللهم اجعلنا هداةً مهتدين غير ضالين ولا مضلين، اللهمَّ استر عوراتِنا، وآمِن رَوعاتِنا، واكفِنا ما أهمَّنا، وقِنا شرَّ ما نتخوف، ربنَا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرةِ حسنةً وقنا عذاب النار.

 

عباد الله.. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾ (النحل).

---------

BAKR15@HOTMAIL.COM