إن التربية بالنسبة للداعية أمرٌ مهم وأساسي في إعداده للسير في طريق الدعوة بكل ثقةٍ وثباتٍ، ولما كانت ليلة الإسراء بالنبي- صلى الله عليه وسلم- كان ثمة درسٌ عظيمٌ في تربية الله لنبيه على عينه طريقة تربية الأنبياء ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ (طه: من الآية 39)؛ فجاءه جبريل عليه السلام وأخبره باصطفاء الله له لتلك الرحلة المباركة، وكان معه وسيلة الانتقال المناسبة لإتمام الرحلة في الوقت اليسير المحدد لها، إنه البراق، ما البراق؟ هو دابةٌ فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى بصره.
ومعجزة الإسراء لم يشاهدها أحدٌ من البشر كغيرها من المعجزات، فقد رأى الناس انشقاق القمر، وتكثير الطعام وسمعوا تسبيح الحصى وحنين الجذع... إلخ، لكن لم ير أحدٌ الرسول- صلى الله عليه وسلم- وهو راكب البراق، أو وهو طائرٌ في الهواء، ولم يقابله أحدٌ في المسجد الأقصى أو رآه هناك، وهنا السؤال لماذا لم يكن الإسراء بقدرة الله المطلقة؟ كن في المسجد فيكن في المسجد الأقصى، لماذا البراق؟ لماذا وسيلة انتقالٍ لها خصائص معينة ولأول مرةٍ يعرفها البشر، إنها منظومة تربوية من نقاط ثلاث:
1- التربية على الأخذ بالأسباب: نعم معجزةٌ لن يشاهدها أحدٌ غيرك يا محمد، ومع ذلك وسيلة انتقال لكنها مناسبة لتحقيق الهدف المطلوب في اختصار وقت الرحلة.
والدرس اعلم يا محمد- صلى الله عليه وسلم- أنه لا بد للوصول للنتائج وتحقيق الأهداف من الأخذ بالأسباب المناسبة؛ لذلك لا بد من التفكير الثاقب والتخطيط المتقن والإعداد الجيد والعمل الجاد وبذل الجهد واستنفاد الوسع، وبدون ذلك لن تصل لنتيجة ولن تحقق هدفًا.
إنه خطٌ ثابتٌ في تربية الداعية؛ فموسى عليه السلام تربَّى على هذا، لما أراد الخروج ببني إسرائيل من مصر ليقيهم ذُل واستعباد فرعون وظلمه لهم خرج بهم خِفية بالليل، وأسرع بهم في السير آخذًا بالأسباب.
ولما أراد النبي- صلى الله عليه وسلم- الهجرة خطط لها وأعدَّ الزاد والراحلة وأخذ بأقصى درجات الحَيطة وكل ما يلزم لإنجاح رحلته، إنه الأخذ بالأسباب.
وفي غزوة الأحزاب حفر الخندق، وقام بجيشه على حراسته، ولم يتوانَ في ذلك طيلة فترة الحصار، إنه الأخذ بالأسباب.
2- التربية على الثقة بالله: بعد أن علم النبي- صلى الله عليه وسلم- بطبيعة الرحلة، هل ظهرت عليه الحيرة؟ وقال تكريمٌ عظيمٌ لكن كيف سيكون؟ أم أنه كان واثقًا في قدرة الله، هل نظر للبراق نظرةَ الشك والريبة؟، وتساءل هل حقًّا في استطاعة هذا البراق أن يُنجز المهمة في ليلةٍ أو جزءٍ منها؟ وكيف سيكون ذلك؟ أم أنه كان واثقًا من أن الله عز وجل أمدَّ هذا المخلوق بالقدرات اللازمة للقيام بتلك المهمة؟ هل تردد في ركوب البراق؟ أم ركب في شوقٍ وانطلق؟.
إنه بعد الأخذ بالأسباب المطلوبة من غير تقصيرٍ ثق تمامًا في طريق دعوة الحق الذي تسير فيه، لا تردد ثق تمامًا بأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً، وإياك أن يساورك شكٌ في ذلك ولا تلتفت لدعاوى المشككين والمثبطين والمتخاذلين.
فموسى بعد أن سار بقومه كانت نهاية طريقه بحرٌ مترامي الأطراف متلاطم الأمواج لا يُرى له أولٌ من آخر، وينظر بنو إسرائيل خلفهم فيجدون ما كانوا يحذرون منه إنه فرعون بجنوده على مرمى البصر منهم فيصرخون ويلومون موسى أين النصر الذي وعدتنا به؟ أين النجاة التي خرجنا نطلبها؟ ويندمون على طاعتهم له واتباعهم إياه والخروج معه ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ (الشعراء: من الآية 61)، ولا محالةَ هالكون، البحر أمامنا والعدو خلفنا، ويقف موسى يقول لهم: أنا لا أعرف ماذا أفعل ولكن ما أؤمن به وأثق به أن طريق دعوتي الذي أسير فيه لا يعرف الهزيمة ولا يسمح بها، طريقي ليست نهايته هلاك الدعاة المؤمنين، لا يقبل ذلك، لا بد من مخرجٍ لكني لا أعرف من أين يأتي ولا كيف يكون؟، إنها الثقة في حقيقة طريق دعوة الحق، إنه طريق لا يعرف الهزيمة.
والنبي- صلى الله عليه وسلم- بعد أن أحكم التخطيط للهجرة واحتاط أشد الحيطة حتى لا يصل المشركون له، حدث ما كان يحتاط له، وصل المشركون لغار ثور ليس بينهم وبين النبي وصاحبه سوى أقل من بضعة أقدام، ويرى أبو بكر أقدام المشركين عند باب الغار، ويقول: يا رسول الله، لو نظر أحدهم موضع قدميه لرآنا، فيربيه النبي- صلى الله عليه وسلم- على ما ربَّاه ربه عليه: "يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما، لا تحزن إن الله معنا"، لا ترتاب في طريق دعوتك، ولا تشك في عاقبته وفي تأييد الله لك، إنها ثقة الداعية في سلامة طريق دعوته وحتمية النصر في نهايته وليس غير ذلك.
وفي الخندق وبعد حفر الخندق وأثناء الحصار لم يستمع النبي- صلى الله عليه وسلم- لادعاءات المنافقين الداعية إلى الخذلان والهزيمة والوشاية بتخلف وعد الله بالنصر بعد ما أصاب المسلمين من الابتلاء والزلزلة والحصار الشديد واجتماع كل الأعداء ضدهم، وظلَّ النبي ومَن معه من المؤمنين الصادقين مواصلين الدفاع والجهاد، يترقبون نصر الله الذي لا يعرفون من أين يأتي، ولا كيف يكون، لكنهم واثقون منه، إنها تربيتهم وفلسفتهم، إنه درس الثقة الكاملة بالله عز وجل.
3- التربية على حتمية نصر الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (المدثر: من الآية 31): المسافة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى شاسعةٌ، يقطعها الركبان في شهور ذهابًا وإيابًا، والنبي- صلى الله عليه وسلم- ليس في زمن السفن الفضائية، وما وجدت في عصره آلة تفوق في سرعتها سرعة الصوت، فأين الوسيلة التي تقطع تلك المسافة في هذا الوقت اليسير؟! فكان البراق "يضع حافره عند منتهى بصره"، هل عرف أحدٌ البراق، أو سمع عنه قبل هذه الرحلة؟ لا لكنه ظهر عندما اُحتيج له.
حينما يقدم الإنسان الأسباب التي يملكها كاملةً، ويثق في تأييد الله ثقةً راسخةً، ويوقن ويترقب نصر الله له، ويثبت على هذا اليقين فلا بد أن يأتيه النصر القريب، وإن كانت الشواهد تقول بأنه بعيدٌ أو صعب التحقيق.
ثبتَ موسى على يقينه في نصر الله له، ولم يتأثر أو يتشكك بما قاله قومه فيأتي جندي النصر الأول، إنها عصًا صغيرةٌ تضرب البحر بأمر الله، فيستجيب ماء البحر ويجند نفسه لإرادة الله وينحسر عن طريقٍ يبسٍ يمر عليه موسى وقومه فتكون النجاة لهم والهلاك لمَن اتبع طريق الطاغوت والشيطان فرعون وجنوده، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ (المدثر: من الآية 31).
وعند غار ثور والمشركون على بعد لحظاتٍ من الظفر بالنبي- صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، يأتي هذا الجندي الصغير الذي يستهين الناس جميعًا به، العنكبوت الضعيف ينسج خيطه الضعيف على باب الغار فيستبعد المشركون وجود أحد فيه فينصرفون وهم يجرون أذيال الخيبة والهزيمة، إنها جنود الله التي لا يعلمها إلا هو.
ويوم الأحزاب زُلزل المؤمنون زلزالاً شديدًا، وظاهر الأمر استحالة النصر لكنهم واثقون منه ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ (الأحزاب: من الآية 22).
جاءت جنود الله، جاء رجلٌ حديث الإيمان لم يمضِ على إسلامه سوى ساعاتٍ أو أيام قلائل (نعيم بن مسعود) وعرض على النبي- صلى الله عليه وسلم- استعداده لفعل شيءٍ يرفع الحصار عن المسلمين، وبحكمته- صلى الله عليه وسلم- لم يصده أو يقل له اجلس مكانك فنحن ثلاثة آلاف لا نستطيع فعل شيء، فما عساك أن تفعل، ولكن قال: نعم أنت رجل واحد ولكن خذِّل عنا ما استطعت، وانطلق هذا الجندي الصغير ليكون ستارًا لقدرة الله، وسببًا في مجيء النصر، فاحتال على الأعداء حتى فرَّق جمعهم وشقَّ صفهم، ثم دخل جنديٌ آخر ليحسم المعركة ويسوق النصر المبين، جاءت الريح لِتُكمل الدور فنكَّست راياتهم وقلعت خيامهم وكفأت قدورهم وآنيتهم، وولوا هاربين ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (25)﴾ (الأحزاب)، إنها جنود الله التي لا يعلمها إلا هو.
والبراق لم يسمع به أحد من قبل لكنه ظهر عند الحاجة إليه، فيا سالكي طريق دعوة الله ثقوا في صحته وسلامته وفي عاقبته ولا تترددوا ولا تتململوا، نعم الطريق تعتريه المحن والابتلاءات والمصاعب والعقبات، لكنه مستعصٍ على الهزيمة﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 147).
----------
*إمام وخطيب بالأوقاف