من قرية برج البرلس في محافظة كفر الشيخ شمال مصر إلى قرية بشبيش بمحافظة الغربية في قلب الدلتا، ومنها إلى قرى الدلتا، ثم إلى قلب العاصمة القاهرة، انطلقت جموع الباحثين عن كوب ماء عذب نظيف لتعلن الغضبَ والعصيانَ، وتطالب بحقها في مياه الشرب التي انقطعت عنها؛ لتنفرد مصر بين الأمم فتشهد اليوم حالةً لا يعرفها العالم اسمها "ثورة العطش".
ولم لا؟ إن الماء يعد ثاني العناصر الضرورية للإنسان في حياته بعد الأكسجين الذي يستنشقه من الهواء، ويمثل نسبةً كبيرةً في تكوين البدن الإنساني، كما يدخل في طعامه الذي يتغذَّى به والهواء الذي يتنفسه، بل والدواء الذي يتطبَّب به؛ لذا فهو أكثر العناصر الطبيعية انتشارًا فوق سطح الأرض، ولهذا العنصر أثره الواضح على أنماط الحياة النباتية والحيوانية والبشرية من حيث صورها المتعددة وأنماطها المختلفة.
ومن الصعب أن نجد عنصرًا فوق سطح الأرض يفوق في أهميته البيولوجية وضرورته الحيوية جميع الكائنات مثل عنصر المياه؛ إذ بدونه تنعدم الحياة، وبوجوده تنمو وتزدهر، فهو من أعظم العناصر وأجلّها، وبدونه لا يكون للمخلوقات وجود، ولا ينبت على ظهر الأرض عود، وبرزت أهمية عنصر المياه في نفس كل مسلم؛ لما أكده الله تعالى في آياته الكريمة عن أهمية هذا العنصر الذي يمثل أصل الحياة لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنبياء: من الآية (30، كما أبرز الله تعالى أهمية الماء في عمارة الأرض بقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ (ق: من الآية 11) وقوله تعالى: ﴿أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (البقرة: من الآية 164)، والماء عصب الحياة، وعامل لنشوء الحضارات في حالة توفره، كما أنه عامل من عوامل انتهائها في حالة ندرته.
وتوفير عنصر المياه الذي يتحقق معه الأمن للبلاد يستحق وقفةً خاصةً، فلم نجد مدنِيةً تقوم بغير مورد ماء، ومن الصعب قيام تجمع عمراني بعيدًا عن مصادر المياه الصالحة للشرب بشكل دائم، سواء كانت أنهارًا أو مياهًا جوفيةً ممثَّلةً في مياه الآبار المعين.
حلول مشكلة المياه في القاهرة قديمًا
يعتبر توفير مياه الشرب النقية العذبة بكميات كافية تصل إلى كل مسكن ومنشأة مطلبًا أساسيًّا لكل مسكن صحي، وإذا نظرنا إلى مدينة القاهرة مثلاً نجد أنها استمدت مياهها من مصدرين، أولهما كانت تجلب من النيل أو الخليج بالقِرَب بواسطة السقائين لملء الصهاريج والمزملات في المنشآت التي تخلو من وجود الصهاريج، وخصصت مياهه للشرب الآدمي ولإعداد الأطعمة، وثانيهما مياه الآبار المعين (المياه الجوفية) التي ترفع عن طريق السواقي أو الدلاء، وكانت تخصص للاستعمال اليومي في الوضوء والاغتسال وقضاء الحاجات، كما استخدمت في الحمامات وأحواض الدواب، أما بالنسبة لمسألة نقل المياه المجلوب من النيل توزيعها في أغراض السقاية وغيرها من منبعها البعيد أو القريب إلى أي مكان ما، فتم حلُّ هذه المشكلة في القاهرة بعدة وسائل من أهمها:
السقاؤون

وظيفة السقَّائين قديمًا كانت تخضع للرقابة الحكومية والشرعية من المحتسب؛ حفاظًا على الصحة العامة؛ باعتبارها الوسيلةَ الأكثر شيوعًا لإمداد منشآت القاهرة بالمياه العذبة، وظلت متبَعةً مع فترات القاهرة التاريخية حتى عصر الخديو إسماعيل الذي قام بتزويد القاهرة بالمياه المرشحة عن طريق شركة مياه القاهرة، والسقَّاء هو متعهِّد نقل الماء من مصادره بالأنهار والخلجان وتوصيله إلى مستهلكيه في المنشآت بأنواعها المختلفة، كما كان عليهم إمداد الحوانيت (الدكاكين) الخاصة ببيع المياه في الشوارع بما يحتاجونه، فتذكر وثائق الوقف المملوكية عدة حوانيت منتشرة بالقاهرة لبيع المياه، فتذكر مثلاً وثيقة بدر الدين الونائي اسمًا لحانوت تم فتحُه في شارع باب البحر لبيع المياه، كما كان بسويقة الرملة المجاورة لجامع الـ"ملك الجوكندار" بمنطقة الحسين حاليًّا عدة حوانيت مملوءة بأصناف الماء، وأطلقت كتب الحسبة على العاملين بهذه الحوانيت اسم "سقايين الكيزان".
كما كان السقَّاء يروي ويسقي ظمأ المارَّة في شوارع القاهرة، ولذلك عرف بالسقَّاء شربة؛ حيث تكون قربته مزودة ببزباز نحاس طويل، ويصب من خلاله الماء في قدح نحاس أو قُلة خزفية للراغب في شربة ماء، وكان المحتسب يباشر هذه الطائفة ويأمرهم بنظافة قربهم والكيزان التي يسقون بها الناس، ونظافة أزيارهم وتغطيتها، وعدم استخدام كيزان المجذوم والأبرص وأصحاب الأمراض المُعدية، وكذلك بجلي الكيزان النحاسية وتطييب رائحتها بالمسك والبخور.
وكانت مهنة السقَّاء لها قواعد دقيقة، فكان المحتسب ومساعدوه يُولُونها اهتمامًا كبيرًا؛ نظرًا لتأثيرها على الصحة العامة، لذلك فقد أمدتنا كتب الفقه والحسبة بالشروط العديدة التي يجب أن تتوافر فيهم لضمان نظافة المياه المجلوبة، والتي كان يحددها المحتسب ويطالبهم بها ويحاسبهم عليها، ومن هذه الشروط ما هو خاصٌّ بنظافة المياه، فكان على السقائين تجنُّب المواضع التي يُتبول فيها ويُلقى فيها بالفضلات حتى لا تتنجس المياه بالراوية أو القربة، فتتنجس ثياب وأجساد وأقوات المسلمين.
كما كان عليه ألا يملأ من الماء القريب من الشاطئ؛ لأنه يغلب عليه عكر التراب، فكان يتعين على السقاء أن يحترز من ذلك كله بأن يدخل في النهر حتى إذا رأى أنه قد سلم مما تقدَّم ذكره حينئذ عليه أن يغرف الماء ويملأ قربته، وإن كان في ذلك مشقة عليه فإنها هنا واجبة، وكان عليه ألا يملأ بالليل لتعذُّر الاحتراز فيه، فإن فعل فيتعيَّن عليه أن يزيد من الاحتياط، فيدخل في النهر بحيث يأمن من وقوع شيء من النجاسات أو الفضلات.
وعن أسلوب سيره في شوارع القاهرة فقد اشترطت كتب الحسبة أن يمشي بالجمل مشيًا متوسطًا لا يسرع فيه فيضر بالجمل ولا يبطئ فيضر به، وأن يُعلق حول أعناق الحيوانات الحاملة لقرب الماء أجراس أو أطواق مصنوعة من الحديد أو صفائح نحاسية؛ بحيث تنبِّه الضرير والسرْحان والصغار عند اقترابها.
وعن صفات السقَّاء وأخلاقه اشترطت كتب الحسبة أيضًا أن يكون أمينًا عفيفًا ديِّنًا، فلا يترك الصلاة، وأن يحترم حرمة البيوت، لذلك يتعيَّن عليه إذا دخل البيت لسكب الماء أن يطرق برأسه إلى الأرض ولا ينظر في موضع من البيت إلا في موضع قدمه وفي موضع سكب الماء؛ لأنه قد أُمر بغض النظر في الطرقات، فما بالك به في البيوت وبها الناس غير مستترات خاصةً في الصيف.
ويذكر المقريزي أن عليهم أن يلبسوا السراويل القصيرة الضابطة لعوراتهم، وعليه ألا يسكب الماء في بيت فيه امرأة واحدة وإن كانت لا تظهر عليه، أو بيت فيه متبرِّجات خوفًا من الفتنة، كما يجب عليه أن يحيط المشتري بنوعية الماء.. هل هو طاهر أم نجس أم متغير بطاهر؟
وكذلك يجب أن يكون رجلاً أمينًا لا يخلط ماء النهر بغيره من المياه المالحة أو بمياه الآبار، وعليه ألا ينتقص من القربة ثم يبيعها على أنها كاملةٌ، وكان المحتسب يختار للسقائين عريفًا عليهم، وهذا العريف بدوره يلزمهم باتباع التعليمات السابق ذكرها.
والآن عادت وظيفة السقَّاء إلى الظهور مرةً ثانيةً بعد أن أصبحت من الوظائف التراثية، ولكن بشكل جديد موديل 2007م، وحصريًّا من إنتاج الحكومة المصرية الحالية متمثلةً في العربات المحملة بخزانات وجراكن المياه التي تجوب القرى والمدن المصرية والأحياء بالقاهرة لتبيع المياه للمحتاجين دون رقابة على نوعية المياه وأسعارها، لك الله يا مصر!!
بين القربة والجركن
![]() |
|
سقاء يمد أحد البيوت بالماء |
كان السقَّاؤون قديمًا ينقلون المياه فيما عُرف بالقِرَب، والقربة كانت عبارة عن وعاء مصنوع من جلد الثور يسع أربع قرب، وهي سعة جلد ماعز من الماء، واستلزم كثرة استخدامها واعتماد السقَّائين عليها في نقل المياه من النهر أن أُنشئت لها مصانع تُصنع وتُدبغ فيها وكانت هناك سويقة لتباع بها تقع بالقرب من باب زويلة؛ حيث كان يكثر وجود السقائين آنذاك، وكان هذا السوق يفتح كل أيام الأسبوع حتى الظهر لخدمة طوائف السقائين، كما كان يوجد شارع أطلق عليه شارع القريبة متفرع من شارع القصبة العظمى (شارع المعز لدين الله حاليًّا) تجاه جامع الصالح طلائع بمنطقة تحت الربع، وهذا الشارع عُرف بهذا الاسم نسبةً إلى صناعة وتجارة القرب الجلدية به، وكان خطها يعرف بخط القربيين.
أما الآن فالجراكن هي البديل عن القرب، كما أصبحت من ضروريات البيت المصري، ليس في القرى وحدها ولكن في أكبر المدن المصرية، بل في العاصمة ذاتها؛ حيث يقوم السكان بتخزين المياه فيها وقت وجودها إذا وجدت أصلاً، وهناك من يتاجر فيها ويبيعها دون رقابة حتى وصل سعر جركن الماء لثلاثة جنيهات!!
أما قديمًا فكان الوضع أيسر حالاً؛ حيث كان ثمن قربة الماء له ضوابط تخضع للمسافة التي يقطعها السقَّاء بين النيل والمكان المراد نقل الماء إليه، وهذا الثمن يتراوح ما بين ربع ونصف درهم، وأحيانًا يرتفع في بعض الفترات خاصةً التي يتعذَّر فيها الحصول على الماء من أماكن قريبة، وكان يتم نقلها وهي محملة بالمياه على ظهور الجمال أو الحمير، وأحيانًا يحملونها فوق ظهورهم، خاصةً إذا كانت المسافة قصيرةً.
وهناك من الشروط التي حدَّدتها كتب الحسبة ما هو خاصٌّ بالمياه داخل القرب، فكان على السقَّاء أن يُطهِّرَها وألا يترك القربة ناقصةً؛ ففي ذلك غش، كما يتعيَّن عليه أن تكون القربة سالمة من الخرق لأن الماء ينقص بسبب ذلك، ولا سيما إن كان الطريق من الموضع الذي يسكب فيه الماء بعيدًا والخرقُ متسِعًا؛ فإن في ذلك أذيةً للمسلمين في طرقاتهم لنداوتها، كما كان يشترط عليه المحتسب أن تكون القربة من الجلود المدبوغة بالقرط اليماني ومصبوغة بالعصف، فقد ثبت أن ذلك يزيد من متانة الجلد، ونهاه المحتسب عن استخدام جلد البغل أو أيّ جلد قذر متآكل، وعليه ألا يستخدم قربةً جديدةً حتى لا يتغيَّر طعم ولون ورائحة الماء من أثر الدباغة، وإنْ استخدمها فلا ينقل فيها الماء إلى البيوت، بل عليه بيع الماء منها للطواحين وعصارات النبيذ ومضارب الآجر.
وينبغي أن يكون للقربة غطاء ظاهر كثيف ساتر لجميعها؛ ليسلم الناس من تلوث ثيابهم، ويذكر المقريزي أن السقائين كانوا يؤمرون بتغطيتها بالأكسية، ولهم عيار، وهو أربعة وعشرون دلوًا، كل دلو أربعون رطلاً، وعليه أن يربط فَمُ القربة ربطًا جيدًا فلا يربطها ربطًا خفيفًا فيقطر منها ماء كثير من الجانبين.وبلغ عدد الجِمَال المستخدمة لنقل قرب المياه بالقاهرة في العصر الفاطمي، حسبما ذكر ناصر خسرو، اثنين وخمسين ألف جمل، وهؤلاء عدا من يحمل الماء على ظهره في الجرار النحاسية أو القرب، وقدَّر ابن بطوطة عدد السقائين المستخدمين للجمال في حَمل قربهم بـ12 ألف سقَّاء، أما مَن يستخدم الحمير منهم فبلغ بها 30 ألفًا، أما البلوي- المؤرخ المغربي- فقدَّرهم في القاهرة في القرن 8هـ- 14م بمائتي ألف جمل، وعَدَّ السقائين الذين سجَّلوا أسماءهم عند المحتسب وقاموا بدفع ضريبة معينة للحكومة مقابل السماح لهم بالمتاجرة في ماء النيل فقد بلغ عددهم خمسة آلاف.
وقدر فريسكو عدد الجمال وغيرها من الحيوانات التي استُخدمت لتوزيع الماء في أرجاء القاهرة بـ130 ألف دابة، وفي بداية القرن 16م لاحظ تريفيزانو أن 15 ألف جمل كانت تمضي إلى النيل مرتين يوميًّا لتحمل الماء اللازم لحاجات المدينة، وتوضح هذه الأعداد والأرقام مدى كمية المياه التي كانت تُستهلك في القاهرة.
تخزين المياه قديمًا وحديثًا
جاءت فكرة تخزين المياه العذبة في خزانات صناعية تُبنَى في بطون الأرض ضمانًا لاستمرار صلاحية المياه للشرب، وعدم تعرُّضها للعفونة إذا ما خزِّنت لفترات طويلة فوق مستوى سطح الأرض، فالصهاريج إذن تُعتبر من أهم المعالجات التي لجأ إليها ساكنو القاهرة لتوفير مياه الشرب الصالحة بصورة مستمرة، وأثبتت الصهاريج فعاليتها في حفظ المياه والمحافظة على سلامتها الصحية، كما أنها استطاعت- بما تحويه من مياه- مواجهة فترات اضطراب توزيع المياه العذبة، لذلك كان يُلجأ إليها لسَدِّ العجز عند حدوث الأزمات، وعبَّرت وثائق الوقف المملوكية عن الغرض الذي أُنشئت من أجله الصهاريج، فتذكر وثيقة المؤيد شيخ الغرضَ من بناء صهريج سبيل مدرسته فتذكره مُعد: ".. لخزن الماء الذي يجلب إليه من بحر النيل..."، وكذلك وثيقة الغوري، فذكرت صهريج المدرسة مُعد: "... لحفظ المياه الحلوة....".
كما ساهمت الصهاريج في تنقية المياه، بإزالة أكبر كمية من المواد الصلبة العالقة في الماء؛ حيث يساعد هذا التخزين على سكون الماء، وبالتالي هبوط المواد العالقة وترسُّبها بنسبة عالية في قاع هذه الصهاريج دون الاستعانة بأي مساعدات كيميائية، ولذلك اتُبع في بناء الصهاريج أسلوب تخطيطي ساعد على ترسيب هذه المواد؛ حيث رُوعي عند حفرها وبنائها أن تكون عميقةً، وألا تكون على مستوى واحد، بل جعلت من مستويين من الحفر؛ بحيث يترسَّب الطمي والشوائب في المستوى السفلي وتظل مستقرة فيه؛ بحيث يسمح لباقي المياه أن تظل رائقةً لا يعكِّرها تحريك المياه عند إنزال الدلو للاستعمالات اليومية أو حين ملئه، كما روعي تطهيره وتنظيفه مما علق به من الفطريات ثم تبخيره وتجفيفه بالإسفنج ومرمته إذا احتاج الأمر لذلك قبل ملئه بالماء في موسم الفيضان.
الماء المَعِيْن هو الحل
مياه الصنابير تؤدي إلى كثير من الأمراض

خزان الماء الجوفي يمثِّل مستودعًا قد يكون حلاًّ لمشكلة المياه الحالية، فقد كان الماء المَعِين قديمًا أحد المصادر المهمة للمياه النقية، وما زال في كثير من الأماكن بمصر، فقد أسهم بدور مهم بجانب المياه السطحية العذبة في حياة القاهرة، وتزداد أهميته بالمناطق التي تعاني من قلة المياه والبعيدة عن مصدره من النيل، واستخدم الماء المَعِين في حالات كثيرة لسد احتياجات القاهرة من المياه؛ حيث استخدم لتعزيز إمدادات المدينة من المياه العذبة من نهر النيل وروافده، خاصةً في فصل التحاريق، فكان سكان القاهرة يلجأون إلى استخدام الماء المَعِيْن المخزون في الآبار في الشهور الثلاثة التي تسبق الفيضان.
كما استخدم الماء المعين أثناء انتشار الأوبئة وخاصةً وباء الكوليرا؛ حيث كان النهر في ذلك الوقت مصدر خطر، لذلك كان الماء المعين يُعتبر أكثر صلاحيةً من مياه نهر النيل من الناحية الصحية؛ لهذا كان سكان القاهرة يفضلون الاعتماد عليه كمصدر للمياه الصالحة طالما توافر بالكميات الكافية ولا تحتوي على شوائب تحد من استعماله.
يعتبر الماء المَعِين عادةً أكثر صفاءً من المياه السطحية، فهو لا يحتوي على مواد عالقة، كما هي في مياه النيل العذبة، كما أن الماء المعين لا يحتوى على بكتيريا؛ نظرًا لترشيح هذه البكتيريا خلال طبقات الأرض أثناء ترسُّب المياه خلالها، ويمتاز ببرودته نظرًا لعدم تأثُّره كثيرًا بالعوامل الجوية من حرارة وبرودة؛ لذلك يذكر المقريزي- نقلاً عن ابن رضوان- أن أكثر شرب أهل القاهرة من مياه الآبار، ولذلك فأعتقد أن الحل هو العودة للمياه الجوفية، وعلى كل بيت أن يقوم بدقِّ ماسورة مياه جوفية ويوصلها بموتور لرفع المياه ويوصلها بشبكة المياه بالمسكن أو العمارة، ولا عزاء للحكومة.
التعلم من التاريخ
نهر النيل

رغم ما تميَّزت به مياه نهر النيل من عذوبة، ورغم وسائل التنقية الحديثة، إلا أن المياه المستخدمة حاليًّا غير نقية في كثير من الأحيان وتعلق بها شوائب كثيرة، ويمكن أن تتأكد من ذلك بتخزين كمية من الماء ستجد ترسبات من الطين، ولذلك نضع بين يدي القارئ بعض الوسائل المستخدمة قديمًا والبسيطة في تنفيذها؛ لعلها تحلّ لنا مشكلةَ تلوث مياه الشرب، وقد استعرض لنا المقريزي كثيرًا من هذه الطرق التي برع فيها المصريون عبر تاريخهم لتنقية مياه النيل وجعلها صالحةً للشرب، وكذلك أساليب تبريدها في الصيف وتدفئتها في الشتاء.
ومن هذه الطرق التي استخدموها غلي الماء ثم تصفيته بالمصافي، فيذكر: ".... وإن شئت أن تصفِّيَه بأن تجعله في آنيةِ الخزف والفخار والجلود وما يحصل من ذلك بالرشح وإن شئت طبخته بالنار وجعلتَه في هواء الليل حتى يروق ثم نظفت منه ما يروق واستعملته وتأخذ الرشح فتشربه....".
ويذكر المقريزي استخدام المصريين لعدد لا بأس به من المواد التي تجعل المياه صالحةً وتُحسن من مذاقها عند خلطها بها بقوله: ".... ينبغي أن يطبخ الماء ويبالغ في تصفيته بقلوب نوى المشمش وسائر ما يقطع لزوجته...." وفي أيام الصيف يضاف إلى الماء الطباشير، والتي توضع في خِرَق نظيفة وتُشَدّ، وكذلك بذر الرجلة أو خشخاش أبيض أو الطين الأرمني والنبق المردود والزعرور والخل، ويخلط بماء الورد، وفي الشتاء يضاف إليه اللوز المرّ وداخل نوى المشمش والزعتر والشب، فالنوى من خاصيته أن ينقي المياه العكرة.
أخيرًا.. لا فرق بين الأمس واليوم.
المراجع
- آمال العمري، موارد المياه وتوزيعها في بعض المنشآت الدينية السلطانية بمدينة القاهرة، مجلة كلية الآداب بسوهاج، جامعة أسيوط، العدد السابع 1988م.
- سهام مصطفى أبو زيد، الحسبة في مصر الإسلامية من الفتح العربي إلى نهاية العصر المملوكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1986م.
- عادل شريف، وثائق تعاقد لملء صهاريج منشآت السلطان برسباي الدينية في العصر العثماني، مجلة التاريخ والمستقبل، المجلد الثاني، العدد الأول 1992م، كلية الآداب جامعة المنيا.
- محفوظ رزق، مصر هبة النيل، مجلة رسالة العلم، العدد الثاني، السنة العشرون، يوليو 1953م.
- محمد عبد الهادي راضي، مدخل إستراتيجية تنمية الموارد المائية في مصر، مجلة المهندسين السنة 42، العدد 370، يناير 1986م.
- محمد علي فرج، الهندسة الصحية "إمداد المدن بالمياه والصرف الصحي للمخلفات السائلة"، دار المعارف، القاهرة 1971م.
----------
ماجستير آثار إسلامية
