- د. الكتاتني: لدينا حكومة احتلال والوزراء لا يفهمون في السياسة
- د. الأشعل: أصبحنا "حيطة واطية" في الداخل والخارج
- د. الشوبكي: التصريحات تعكس مدى عُزلتهم عن الشعب الذي قد يلجأ للعنف
- د. عبد المتعال: كرامة المصري في أسوأ حالاتها لأن المسئولين "شبعانين".
تحقيق- أحمد رمضان
(صيفٌ ساخنٌ جدًّا) كلمة نسمعها في وسائل الإعلام المختلفة بحلول شهر الصيف، إلاَّ أن سخونةَ الصيف الحالي لا تنبع من حرارة الطقس بقدر ما تنبع من حرارة تصريحات المسئولين المصريين إزاء المواطنين، فمن التصريح القديم الجديد لرئيس الوزراء أحمد نظيف بأن الشعب المصري لم ينضج سياسيًّا بعد، مرورًا باستهانة وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط بمقتل 3 جنودٍ على الحدود مع فلسطين المحتلة على يد "الصهاينة"؛ حيث قال لأحد الصحفيين ردًا على سؤالٍ وُجِّه له حول التحرك المصري "مش معقول هانحارب إسرائيل علشان جنديين أو تلاتة ماتوا على الحدود"!!، وأخيرًا وصف المطالب بالدفاع عن المصري المتهم باغتصاب أطفالٍ في الكويت بأن السفارةَ المصريةَ ليست هيئةً للشئون الاجتماعية.
والأمر لم يقتصر على الوزراء بل امتدَّ للمحافظين؛ حيث وصف اللواء صلاح سلامة- محافظ كفر الشيخ- أهالي محافظته بأنهم "متخلفون ولا يفهمون"، وهو التصريح الذي جاء على الهواء مباشرةً أثناء ردِّه على أزمةِ المياه بالمحافظة.
من جانبنا نطرح هذا الموضوع لمعرفة أبعاده السياسية والاجتماعية وبيان أثره على نُفوس المصريين الذين تحولوا بالفعل إلى قنابل موقوته يزيد من اقتراب انفجارها حرارة تصريحات وزراء حكومتنا الرشيدة.
![]() |
|
عمرو الشوبكي |
يشير د. عمرو الشوبكي- الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية- إلى أن هذه التصرفات تعكس في كل الأحوال حالةَ عزلةٍ كاملةٍ بين الحكومة والمواطنين، بالإضافة إلى إحساسٍ لديها بأن ولاءها لمَن قام بتعيينها فقط وليس للشعب؛ لأنها لم يتم انتخابها من الشعب ديمقراطيًّا؛ وبالتالي فلديها استهتارٌ كاملٌ بالشعب المصري- ليس فقط- في التصريحات، ولكن في حياتهم العامة من أزمة المياه والخبز وغيرهما؛ مما يعكس ثقافةً عامةً، وهي أن الحكومة تضم مجموعة من الموظفين المُعينين، فالشعب لا يعني بالنسبة لهم أي شيء، وليس له تواصلٌ أو ارتباطٌ بهم، والحكومة لا تتردد في أي فرصةٍ تسنح لها في إهانة المصريين، واصفًا ذلك بالأزمة الحقيقية التي ستستمر ببقاء الوضع القائم، كما أنها نتيجة طبيعية لحكومةٍ معينةٍ ليس لها علاقة بالمواطنين.
ويُحَذِّرُ الشوبكي من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تعميق حالات الإحباط الاجتماعي والاحتجاجات الاجتماعية التي ستتزايد، وستكون عشوائيةً، كما يتوقع أنها ستكون أكثر خطورةً وتكريسًا لإحساس الشارع المصري بالانفصال عن حكومته وأدائها؛ بما يعني أن شكوى الجماهير لن تُقدَّم للحكومة ولكن ستُترجم للعنف خاصةً في ظل تردي الأوضاع السياسية والاقتصادية في مصر قائلاً: "رأينا بوادر ذلك في ثورات العطشانين وإضرابات العمال؛ لأن الناس مقتنعةٌ أن الحكومة لا تستمع لها ولا تسعى لحل مشاكلها".
وزراء مستوردون
د. محمد سعد الكتاتني

ويتفق معه في الرأي إلى حدٍّ بعيد د. محمد سعد الكتاتني- رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين في مجلس الشعب- والذي أشار إلى أن هذه التصريحات التي يطلقها الوزراء والمسئولون في حقِّ الشعب المصري تُمثل إهانةً بالغةً خاصةً أن الحكومةَ فاقدةٌ للشرعية، موضحًا أنه لو كانت الحكومة تأتي من الشعب لكانت تحترم المواطنين؛ لأن الشعب حينها هو الذي يمتلك سلطة إقالتها، ولكنها بوضعها الحالي تشبه حكومةَ الاحتلال، فهي تحتل الشعب وتهينه وترى أنها مستمدة من جهاتٍ غير شعبية، فبالتالي تُهين المواطنين لأنها لا تحتاج لدعمهم، مؤكدًا أن أي حكومةٍ تأتي عن طريق حزبٍ محترمٍ منتخب انتخاب ديمقراطي من الشعب لا يمكن أن تفعل مثل هذا في حقِّ المواطنين؛ لكن الحزب الوطني الحاكم الذي يأتي بالتزوير متوقع منه أن يفعل ذلك".
ويصف الكتاتني تصريحات رئيس الوزراء بأن الشعب المصري لم ينضج سياسيًّا بعد وباقي تصريحات الوزراء بأنها تنم عن وزراء لا يفهمون شيئًا في السياسة،فالوزير السياسي المحنك يعرف كيف يخاطب الشعب لكنهم تكنوقراط ورجال أعمال، وبالتالي يتعاملون مع المواطنين، وكأنهم في عزبةٍ والشعب يعمل عندهم، وهم في الحقيقة نهبوا ثرواته في كل شيء، وفشلوا في تحقيق الحد الأدني للحياةِ الكريمةِ له.
ويُحذِّر الكتاتني من أن الشعب المصري إذا صمت كثيرًا فإن صمته لن يستمرَّ، خاصةً مع هذه المعاناة التي وصلت إلى حدِّ عدم وجود كوب ماء نظيف أو حتى غير نظيف، ويجد حكومته تقوم بتصرفاتٍ مستفزة؛ منها على سبيل المثال إقامة الوزراء في الساحل الشمالي مثلاً، وهو ما يزيد سخط الشعب على هذه الحكومة يومًا بعد يوم.
"حيطة واطية"
د. عبد الله الأشعل

ويرى السفير الدكتور عبد الله الأشعل- مساعد وزير الخارجية المصري السابق- أن هناك مشكلةً حقيقيةً لدى الوزراء والمسئولين الحاليين في التعامل مع الشعب ومتطلباته، وهناك حالة من الاحتقار ولدتها الأوضاع الداخلية المغلوطة، والتي تقوم على المحسوبية حتى في اختيار الوزراء، وبالتالي فإن الشعبَ لا يعنيهم في شيء، موضحًا أن المشكلة الأكبر ليست في تصريحاتِ المسئولين في الداخل، ولكن في التعامل مع المصريين في الخارج؛ حيث هناك فشل واضح في أداء سفاراتنا وقنصلياتنا مع المواطنين المصريين، وهو ناتج عن أداء وزارة الخارجية وضعفها، وهو ما نتج عنه هذه التصريحات لوزير الخارجية كل يومٍ وعدم دفاعه عن المصريين في الخارج وما يتعرضون له، ويقدم أمام ذلك تبريراتٍ واهية، وأكد الأشعل أن هذه المشكلة نتيجة طبيعية للضعف العام للسياسة المصرية ولدورها في القضايا المختلفة حتى أصبحنا "حيطة واطية" في الداخل والخارج.
الانفجار
وحول تأثير هذه التصرفات اجتماعيًّا على الشعب المصري يؤكد د. صلاح عبد المتعال- أستاذ علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية- أن ما يحدث يُعبِّر عن نوعٍ من تحقير الذات لدينا في مصر، بالإضافةِ إلى الشعور بالنقص، واصفًا ذلك بأنه هبوط في كل شيء حتى أصبحنا نردد أن أمريكا أم الدنيا، والصهاينة متفوقون، والكويت بلد النفط والبترول، ودبي عاصمة التجارة الجديدة، والصين بلد الطفرات، ولكن أين مصر من كل هذا؟!! محذرًا من أن هذا الإحساس يؤدي إلى أن كل مصري يطلب شيئًا يطلبه بمذلة.
![]() |
|
د. صلاح عبد المتعال |
وضرب عبد المتعال عدة أمثلة لمسلسل إهانة المصريين وإذلالهم فأوضح أن المواطنين دائمًا في ذيل قائمة اهتمام المسئولين مثل مطار القاهرة القديم الذي تمَّ تخصيصه للمصريين في الوقت الذي خصص فيه المطار الجديد لباقي البلاد الأجنبية، وهو ما يُعتبر عكس ما يحدث في البلاد الأخرى التي يكون المواطن فيها رقم 1 أيضًا في الجوازات يكون للأجانب أولوية إنهاء إجراءاتها قبل المصريين، وحتى عندما نبرم أي اتفاقياتٍ مع أي جهةٍ دائمًا ما نكون الطرف الذي يُقدِّم تنازلات.
وأشار د. عبد المتعال الى ان كل هذه التصرفات تؤدي الي ان يعامل المصري في الخارج معاملة أدني، لأنه ليس له كرامة في وطنه.
وانتقد عبد المتعال تصريحات وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط التي قال فيها: "مش معقول نحارب إسرائيل علشان جندي أو اتنين ماتوا على الحدود"، مطالبًا إياه بعمل أي تحركٍ دون عملية الحرب من قطع علاقاتٍ دبلوماسية أو حتى استدعاء السفير، المهم أن يكون لنا موقف، كما انتقد بشدةٍ تخاذل مصر في فعل أي شيءٍ للفلسطينيين العالقين على معبر رفح، مشيرًا إلى أنهم بالرغم من أنهم ليسوا مصريين، إلا أنهم على أرض مصر وكرامتهم من كرامة مصر.
وحول أسباب إهانة المسئولين للمواطنين المصريين استشهد بموقف سيدنا يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عندما خرج من السجن وقيل له كل شيء أمامك فخذ ما شئت.. فقال: "أخاف أن أشبع فأنسى الناس"، وعقَّب عبد المتعال بأن هؤلاء المسئولين "شبعانين" من نهب الأراضي وأموال البنوك، وبالتالي فلماذا يهتمون بالمواطنين إذا؟!!.
وعن حلٍّ لهذه الظاهرة شدد على ضرورة أن يكون هناك إحساسٌ بالكرامة أولاً عند المسئول، إلا أنه ليس لديه وقت؛ لذلك فهو مشغولٌ ببعض الرتوش التي تُحسِّن من صورته رغم أنه مهانٌ في الواقع، وطالب عبد المتعال في النهاية بالاهتمام بالمواطنين المصريين حتى لو كانوا إرهابيين؛ لأنهم في النهاية مصريون، ضاربًا المثل ببلغاريا التي اهتمَّت بممرضاتها المتهمات بحقن أطفالٍ ليبيين بفيرس الإيدز ومع ذلك لم تتركهم وظلَّت خلفهم حتى الإفراج عنهن.

