- الضابط أصرَّ على وضع الكلابشات في يدي وأنا في الرعاية المركزة

- لولا توصية أخصائي القلب في السجن لمتُّ في سيارة الترحيلات

- سيارة الإسعاف تأخرت لعدم وجود عربة التأمين المشددة

 

حوار- روضة عبد الحميد

د. محمد سعد عليوة- رئيس قسم المسالك البولية بمستشفى بولاق الدكرور- تم اعتقاله وتحويله للمحكمة العسكرية في قضية الإخوان الشهيرة عام 1995م وقضى في السجن ثلاث سنوات ظلمًا، ثم أُعيد اعتقاله وتحويله للمحكمة العسكرية في قضية النقابات المهنية الشهيرة، وحكمت المحكمة العسكرية لصالحه بالبراءة بعد أن قضى في الحبس 13 شهرًا، ثم أُعيد اعتقاله في مارس 2005م في فترة تعديلات المادة 76 من الدستور، وظل رهن الاعتقال لمدة ثلاثة أشهر.

 

وكان الاعتقال الأخير له في 13 مارس الماضي ضمن مجموعة الدكتور محمود غزلان، وتم الإفراج عنه منذ أيامٍ لخطورة حالته الصحية بعد أن أجرى عمليةً جراحيةً في القلب، وقد التقينا به بعد أن تحسَّنت حالته الصحية، وأجرينا معه هذا الحوار..

 

وكان سؤالنا الأول عن ملابسات الاعتقال الأخير

** ما حدث أنني عدتُ متأخرًا إلى البيت، ولم أكن قد علمتُ بعد باعتقال الدكتور غزلان، وفي الساعة الواحدة والنصف ليلاً بدأ الطرق المزعج على أبواب المنزل، ودخل الأمن وقام بتفتيش المنزل تفتيشًا دقيقًا وقلَّبوا في كل شيء، واستولوا على بعض الكتب وبعض الأوراق المطبوعة من النت.

 

 
وأثناء التفتيش أراد الضابط أن يستولى على جهاز الكمبيوتر كعادتهم في كل مرة، وهذه المرة كان على الجهاز الكثيرُ مما يخص دراسة ابني، وكانت الامتحانات على الأبواب، واعترضنا وبعد جدالٍ طويل وأمام رفضنا الشديد، قام الضابط بإجراء عدة اتصالات، بعدها قام بتصفح الجهاز وبحث فيه ولم يجد شيئًا مما يبحث عنه فتركه، واستمرَّ التفتيش حتى الساعة الثالثة والنصف.

 

وخلال ذلك الوقت قامت زوجتي بتحضير الشنطة بكل هدوء، فلقد أصبح في بلدنا على كل مواطن أن ينام وشنطته جاهزة تحت سريره؛ لأننا في عهد الحرية!!

 

* إلى أين أخذوك؟

** انتقلنا بواسطة عربة الترحيلات الكئيبة إلى نيابة أمن الدولة بالشيخ زايد بلا أي مستند، مجرد مذكرة تحريات كتبها ضابط مباحث أمن الدولة، ليس فيها دليل إدانة واحد، وقضينا ليلتنا بالشيخ زايد ثم نُقلنا بعدها إلى طرة بعد أن صدر قرارٌ بحبسنا 15 يومًا.

 

"تهم بايتة"

* وماذا وجهوا لكم من تهمٍّ في النيابة؟

** على مدار 12 عامًا اعتقالات، من الواضح أن رجال الأمن لم يطوروا أنفسهم، فهي نفس صيغة ونفس ديباجة التهم، فتهم عام 95 هي نفسها تهم 99 و2000م نفسها و2005م ثم 2007م، وكأنَّ الدنيا لا تتغير، فقائمة الاتهامات لا بد أن تكون "الانضمام لجماعة محظورة"، "التغلغل في قطاعات الشعب من العمال والطلاب وتحريضهم على النظام وتعطيل الدستور"، وبالطبع هذا كلامٌ غير منطقي، وقد قلتُ في التحقيق كيف أكون رئيس قسم بمستشفى حكومي، وأمين صندوق نقابة أطباء الجيزة على مدار 15 عامًا، ورئيس مجلس إدارة صندوق ادخار الأطباء، وكل هذه مؤسسات رسمية تخضع للدستور وللجهاز المركزي للمحاسبات وللهيئة المصرية للرقابة على التأمين، وأنا أمثل الصندوق الدائم لهذه الجهات، فكيف أُتَّهم بأنني أُعطل الدستور؟!

 

لكننا جميعًا نعلم أن الأمر كله يتم بواسطة ضابط أمن الدولة الذي يسرح بخياله ويعد مذكرةً لا أساسَ لها من الصحة ولا يقوم عليها دليلٌ واحد، ومن المفترض أن من يُعرض على النيابة لا بد أن يكون عليه دليلٌ مادي، بينما لم يكن علينا دليل يذكر سوى مذكرة ضابط أمن الدولة، كما استمرَّ الحبس مدة أربعة شهورٍ دون أن يكون هناك أي تحقيقٍ سوى الذي انتهى في أول جلسة، وتحديدًا في أول نصف ساعة.

 

* ألم يدر بخلدك أنه من الممكن أن تُضم إلى القضية العسكرية؟

** حتى هذه اللحظة لم أكن أعرف مَن تمَّ القبض عليه معي، ففي الشيخ زايد وضعتُ في زنزانةٍ وحدي وقضى معظمنا ليلة واحدة في الشيخ زايد، وفي ظهر اليوم التالي تم نقلنا إلى نيابة أمن الدولة في التجمع الخامس حيث تم عرضنا على النيابة، ولم يستغرق العرض أمام النيابة سوى ساعة أو أقل، ثم صدر قرار الحبس 15 يومًا على ذمة التحقيقات، ونقلنا إلى مزرعة طرة، وكل 15 يومًا تتكرر نفس القصة، عرض على النيابة، واستمرار حبس، بلا أي تحقيقٍ ولا انتظار نتائج طب شرعي أو أي شيء، ولم نكن في انتظار أي أمر قانوني، فوكيل النيابة مفترض أنه يعطي استمرارًا لأنه ينتظر نتيجة البحث الجنائي أو الطب الشرعي فيما يخص الأحراز، لكن بالنسبة لنا لم يكن أي شيء من هذا إطلاقًا، بالتالي الحبس الاحتياطي تحوَّل على أيدي نيابة أمن الدولة إلى عقوبة، ولا شك دار بخلدي هذا الاحتمال، وبالطبع نحن لا نعترف بالقضاء العسكري، ولا يصح أن يُحاكم أي مدني أمام قضاء عسكري.

 

* أشرت إلى أن الحبس الاحتياطي تحوَّل إلى عقوبة.. فماذا تقصد بذلك؟

** النظام يريد أن يتخلص من بعض معارضيه بعض الوقت وبدلاً من أن يعتقلهم، يحولهم إلى نيابة أمن الدولة وهي تقوم بتفعيل الحبس الاحتياطي كعقوبةٍ لهؤلاء المعارضين، والحبس الاحتياطي لو استمرَّ يومًا بعد انتهاء التحقيق فهو يمثل عقوبةً وخروجًا على القانون، فما حدث معي من حبس طيلة أربعة شهور هو نوعٌ من العقوبة بأيدي نيابة أمن الدولة.

 

 

* هل التقيت بقيادات الإخوان بطرة؟

** ذهبنا إلى طرة بعنبر يُسمَّى (عنبر 1)، ومنذ أن دخلنا إلى أن خرجت مرورًا بدخولي قصر العيني والعناية المركزة حِيل بيننا وبين أن نلتقي بمجموعة "العسكرية" وقيل لنا إن هذه تعليمات، فكان ممنوعًا علينا أن نُصلي بالمسجد حتى لا نلتقي بهم، مُنعنا من الخروج من العنبر "فسحة" لمدة شهر، حتى لا نلتقي بهم، وحين سُمح لنا بعد الشهر أن نتريض في ممر خلف العنبر كان المحظور الأول والأخير أن نتكلَّم مع أحد، كنا نقابلهم قدرًا في الإدارة أو أثناء الزيارة، وقد حيل بيننا وبين أن نلتقي بهم أو نتعامل معهم طوال الأربعة أشهر، وأظن أنه حتى الآن غير مسموح بأن يلتقوا بأحد.

 

الأزمة الصحية

* هل فاجأتك الأزمة الصحية بالمعتقل أم أن لها تاريخًا معك؟

** لها تاريخٌ، حيث تعرضتُ لأزمةٍ قلبيةٍ في 27/6/2006م، وكانت أول أزمة قلبية، على إثرها دخلت العناية المركزة لإجراء بعض الفحوصات التي أسفرت عن قصورٍ في بعض الشرايين التاجية، وكنت أتعاطى علاجًا مستمرًّا، وقبل تلك الأزمة الصحية كنتُ أجريتُ منظارًا للمعدة في 6/6/2006م فاكتشفنا وجود قرحتين بالمعدة، وارتجاع بالمريء، واكتفينا بالعلاج عن القسطرة، أما بعد الاعتقال فقد حدثت الوعكات الصحية التي بدأت بنزيفٍ من قرحة المعدة استمرَّ أسبوعين مع الأدوية والعلاج ثم توقَّف بعدها، وفي تلك الفترة حدث هبوطٌ في نسبة الهيموجلوبين، لكن في 3/6/2007م بدأت أول أزمة قلبية، استمرت مدة نصف ساعة وكانت في الساعة 2 ليلاً، ولم أشأ أن أزعج مَن معي بالعنبر؛ لأنهم كانوا نائمين، فأخدتُ مسكناتٍ وأدوية، لكن أبلغتُ الإدارة في الصباح، وأطلعتهم على الملف.

 

وعود بالية

* وماذا كان دور إدارة السجن؟
 
 الصورة غير متاحة

**

بعد إصابتي بيومين أحضروا لي استشاري باطني، استمع للشكوى وكتب في السجل الطبي لمستشفى السجن أنني أحتاج لبعض الفحوصات، وفي يوم 18/6 أي بعد أسبوعين من أول أزمة بينتُ للمأمور وضابط المباحث بالسجن، أنه قد مضى أسبوعان ولم يتم التعامل مع الحالة، والطبيب قد نصح بإجراء فحوصات ولم يتم شيء، وأخشى أن أُفاجأ بالأزمة ولا يتم تداركها، فوعدوا بجلب طبيب قلب يتابع الحالة، ولكن الحالة كانت أسرع، حيث أصبتُ يوم الخميس 21/6 أثناء زيارة المحامي، وفاجأتني الأزمة بشدة.

 

وكان بعضُ الزملاءِ الموجودين بالزيارة أطباء ولاحظوا ما حدث من ألمٍ شديد، صاحبه عرقٌ وشبه إغماء، فنقلتُ مباشرةً إلى أقرب مكانٍ، وكان حجرة الضابط "النوبتجي" وبها سرير استلقيتُ عليه، واكتشفنا أن السجن ظروفه متواضعة جدًّا ولا يوجد أي إمكانيات داخل مستشفى سجن مزرعة طرة، الذي يُقال إنه جُدد وصَاحَبه ضجة إعلامية وصُرف عليه الكثير ربما في السيراميك والجرانيت، فالمبنى شكلاً قيِّم، لكن حين حدثت تلك الأزمة اكتشفنا أنه لا يوجد أي إمكانيات للتعامل مع مثل هذه الحالة، وحالات القلب ممكن أن يُفارق المريض فيها الحياة خلال نصف ساعة، فهي من الحالات التي يلزم التعامل معها بسرعة وإلا قد يفارق صاحبها أيًّا كان الحياة، وأثناء الأزمة بحثوا عن الطبيب وهو ممارس عام أي إمكانيته لا تسمح له بالتعامل مع الحالة، ورغم ذلك لم يظهر إلا بعد تلك الأزمة بقرابة الساعة.

 

* وكيف تصرفتم؟

** من رحمة الله أننا كمجموعة إخوان داخل السجن معنا أطباء كثُر، لم يكن من بينهم طبيب قلب، لكن أسرعوا بإحضار أدوية موسعة للشرايين التاجية وغيرها من مرضى قلب!! وأحضروا حقنةً مسكنةً لتخفيف الآلام.

 

والشيء الذي يستحق الذكر أن مأمور السجن كان موجودًا وكذلك ضابط المباحث واتخذوا إجراءات سريعة، فبعد الأزمة بحوالي ساعة وجدنا مدير الإدارة الطبية لمصلحة السجون ومعه استشاري قلب، وأجرى رسم قلب في الحال، واكتشف الطبيب في رسم القلب قصورًا واضحًا في اثنين من شرايين القلب، فأوصى بنقلي فورًا في "عربة إسعاف مجهزة" إلى مستشفى المنيل الجامعي.

 

لا إسعاف بدون حراسة

* لماذا طالبوا بسيارة إسعاف مجهزة؟

** لولا ذلك لنقلوني في عربة الترحيلات التي تُشبه سيارة المواشي، وفي هذه العربة "ممكن الواحد يفارق الحياة فعلاً، ولا أحد يدري"، ورغم أن الطبيب قال كلمته والمأمور أجرى اتصاله، وكان هذا الكلام في حدود الساعة الثانية والنصف ظهرًا، وجاءت سيارة الإسعاف في الساعة الخامسة والنصف، أُركز على تحديد الوقت لأهميته للحالة، أزمة حدثت الساعة الواحدة والنصف وعلمت بها إدارة السجن وتفاعلوا معها، وأقر طبيب القلب ومدير الإدارة الطبية أنه لا بد أن أُنقل فورًا لخطورة الحالة، رغم ذلك حضرت سيارة الإسعاف بعد ثلاث ساعات!!

 

مسجل خطر

* ولماذا هذا التأخير من وجهة نظرك؟

** وكان المبرر أن السيارة لم تأتِ سريعًا؛ لأن عربة الحراسة المشددة لا بد أن ترافقني؛ حيث إن تصنيفي- إخواني أي مسجون سياسي شديد الخطورة-، فمن الممكن للإسعاف أن تتأخر حتى يموت المريض؛ لأن عربة التأمين لم تحضر!!

 

* إلى أين أخذوك؟

** تحركنا من السجن في حدود الخامسة والنصف والأزمة كانت في الساعة الواحدة والنصف، ووصلنا لمستشفى قصر العيني في الساعة السادسة والربع تقريبًا، ومن فضل الله الكبير أنه كان يوجد بالمستشفى دكتور مدرس قلب فأجرى لي رسم قلب في الحال، وأمر بإدخالي العناية المركزة، وأبلغ بذلك الحراسة المرافقة، وبعدها قام الطبيب بالاتصال بعدة جهات بعدها اعتذر بسبب عدم وجود سرير خالٍ في أي من العناية المركزة بقصر العيني، فالضابط المسئول عن الحراسة طلب منه أن يكتب هذا الكلام على خطاب التحويل حتى نعود إلى طرة، وبحسن نية بادر الطبيب بكتابة أن "الحالة حرجة جدًّا وتحتاج إلى الحجز بالعناية المركزة فورًا، ولكن لا يوجد لدينا بمستشفانا سرير خالٍ"، وكتب هذا التقرير واستعد الضابط لأن ينقلني عائدًا بي إلى طرة، مما اضطرني رغم الآلام الشديدة التي كنتُ فيها أن أُفهم الطبيب أن هذا الكلام الذي كتبه في منتهي الخطورة فكيف يقول إن الحالة خطرة وتحتاج إلى عناية مركزة ويسمح لأن أعود إلى زنزانة بلا أي تجهيزات؟!!

 

فقال لي ماذا أصنع؟، فأكدتُ أني من الممكن أن أتحمل تكلفة العلاج في أي وحدة من وحدات قصر العيني للعلاج بأجر، فرفض الأمن مبررًا بأن ذلك يحتاج لإجراءات، وتصاعد الموقف وتأزمت المسألة في ظل آلام شديدة في الصدر، وطبيب عاجز لا يجد سريرًا، والأمن يريد إعادتي إلى طرة حتى جاء الأطباء، وقالوا الحل أن يُحوَّل إلى عنبر المعتقلين، وهو يقع في أعلى مبنى الباطني خلف القصر الفرنساوي، ويضم المسجونين أصحاب الأعذار المرضية، وانتقلنا بسيارة الإسعاف إلى عنبر المعتقلين الذي لم يعترف طبيبه بالرسومات السابقة وأجرى رسم قلب جديدًا وأبلغ الأمن أن الحالة خطرة وتحتاج إلى عناية فورًا لكن ليس لديه مكان بالعنبر أيضًا، لكنه عرض أن يقوم بحجزي في عنبر عادي، وأجرى الفحوصات اللازمة ليتأكد من الحالة، ومر أكثر من ساعتين ونصف الساعة، ولم يتم التعامل مع الحالة حتى تلك اللحظة التي كانت في حدود الساعة التاسعة والنصف.

 

خطورة الوقت

* كيف كنت تعرف الوقت بهذه الدقة؟

** كانت الساعةُ بيدي، وكنتُ أراقب الوقت لأنني كطبيبٍ أعلم قيمة الوقت وخطورته بالنسبة لحالتي كمريض قلب، وكلما تأخَّر الوقت في التعامل مع الحالة، كان ذلك على حساب عضلة القلب، وكلما تأخر التعامل مع حالات الذبحة الصدرية، كان من المتوقع أن تنقلب إلى جلطة.

 

* كم ساعة مرَّت حتى تلك اللحظة؟

** حوالي 9 ساعات كاملة، منذ الواحدة والنصف صباحًا، وكل ما كنت حصلت عليه كعلاجٍ هو الأقراص الموسعة لشرايين القلب التي حصلت عليها عن طريق أحد الزملاء مرضى القلب بالسجن، وأعطاني شريطًا من دوائه، وأخذت منه 4 أقراص وهو الحد الأقصى المسموح بأخذه في اليوم، وهذه الأقراص تُوسع شرايين القلب لكنها تُحدث صداعًا شديدًا، فكان يتزايد الألم، وقتها أرسلتُ للطبيب وأبلغته أنني لا أستطيع تحمل الألم المتزايد وطلبت منه التدخل فورًا، فأمر المرافقين لي بإنزالي إلى العناية المركزة بالدور الأرضي، بنفس المبنى الذي يقع فيه عنبر المعتقلين بالطابق الثامن.

 

وبعد إجراءات استمرَّت حوالي ساعة دخلتُ العناية في حدود الساعة العاشرة والنصف مساءً، ولكن لأنها تقدم خدمتها مجانًا، فتدفق الحالات عليها سريع جدًّا وإمكانياتها متواضعة، فسيارة الإسعاف كانت تأتي كل ساعة بحالة تحتضر فكان المكان يُصاب بالتوتر على مدار الأربعة والعشرين ساعةً، فالأضواء مضاءة باستمرار والحالات تتوالى على مدار الأربعة والعشرين ساعةً، وكثير من الحالات تُفارق الحياة كل دقائق، مما جعله جوًّا صعبًا، ولم أستطع النوم مدة ثلاثة أيام، وطلبتُ من الأطباء منومًا ورفضوا لأنه ممنوع إعطائي أي مهدئات؛ ولكن على الأقل الأطباء بدءوا من أول لحظة في التعامل مع الحالة كما يجب بالعلاج الطبي المناسب، وشُددت الحراسة عليَّ "لأني مسجون شديد الخطورة" على حدِّ قولهم، رغم أنني كنتُ أذهب إلى الحمام شبه محمول، فضلاً عن القيود المركبة في السرير منذ أول لحظة، فكان يوضع قليلاً ويفك قليلاً.

 

مرضى نفسيون

* هل سببت لك هذه القيود مشاكل؟

** جاءني ضابط برتبة نقيب مجردٌ من الإنسانية، وأصرَّ أن يتم تقييد ذراعي، وكان الذراع المتاح هو الذراع الذي فيه المحاليل، وأمر الشاويش بتقييد ذراعي بالسرير، والحقيقة أن مثل هذه الأمور لا تؤثر فينا وإنما تُسيء إلى الداخلية والنظام بأكمله، فالنظام الذي يتشدق بحقوق الإنسان ويصر ضابط صغير الرتبة أن يقيد يدي بالسرير حتى تورَّمت، فطلبتُ من الشاويش أن يأتيني بالضابط وأريته التورم، وبالفعل أمر الضابط بأن يفك الشاويش الكلابشات عشر دقائق لا غير حتى تهدأ يدي، ولكني رفضت وأصررت ألا يفكه وطلبت من الشاويش أن يتركه إذا كان هذا سيريح هذا الإنسان "المريض نفسيًّا"، خصوصًا أن العشر دقائق لن تُغني ولا تُسمن من جوع، واستمرت الكلابشات بيدي حتى الصباح حتى جاء ضابط آخر يستلم منه.

 

* ألا ترى في قرار نقلك للمنيل الجامعي وليس مستشفى الليمان تعاملاً إنسانيًّا؟

** القصة كلها في التوصية التي كتبها طبيب مزرعة طرة بأن الحالة حرجة ويُنقل فورًا إلى العناية المركزة بالمنيل الجامعي؛ لأنه يعلم أن إمكانيات الليمان متواضعة لا تتماشى مع الحالة المتدهورة، وحتى عندما دخلتُ قسم أمراض الباطنة دخلتُ قسم الرعاية المركزة؛ لأن الحالة لم تكن تسمح بأن أكون في قسمٍ عادي.

 

تسليم المسجون!!

* هل كانت هناك ضغوط لإعادتك لعنبر المعتقلين قبل إنهاء علاجك؟

 

 د. حمدي السيد

** طبعًا، فكان الضابط المسئول عن قسم المعتقلين، ينزل للرعاية عدة مرات، ويطلب استلامي، وكان الأطباء يرفضون بسبب تدهور الحالة، رغم أنه الأصل أن المسجون له الحق في العلاج، فما الاستعجال في أخذ مريضٍ بحالة غير مستقرة لوضعها بعنبر المعتقلين، والمفروض أن يتعاملوا مع الإنسان كإنسانٍ أيًّا كانت تهمته بغض النظر سياسيًّا أم جنائيًّا، ما دام مريضًا فليأخذ حقه في العلاج كاملاً فيعالج بالطريقة السليمة والصحيحة ودون ضغوطٍ من الأمن على الأطباء، فما فائدة الدورات التي يحصل عليها الضباط في حقوق الإنسان إذن؟!!

 

ولكني هنا أريد أن أشيد بالأطباء الذين أصروا على نقلي لوحدة شريف مختار لعمل قسطرة، وهنا تدخل الدكتور حمدي السيد نقيب الأطباء وأجرى اتصالاته وأبلغ زوجتي أنه حصل على موافقة الأمن لنقلي إلى وحدة شريف مختار، وتم نقلي بعد أربعة أيام، وفي هذه الوحدة الوضع مختلف حتى من قِبل الأمن، فلم نرَ تقييدًا بالأَسِرَةِ، رغم وجوده في أيدي الحرس، لأنه كان على رأس القوة ضابط يفهم دوره جيدًا، وكنت أنا والدكتور عصام حشيش بحجرة واحدة تفصلنا ستارة من القماش، وكان فرد واحد من الحرس علينا نحن الاثنين بالغرفة، وما زلتُ أذكرهم بإنسانيتهم وتعاونهم، وهو ما يجب أن يكون.

 

وبعد يومين اتخذ الأطباء قرارًا بإجراء القسطرة بصفةٍ عاجلة وأجريتها يوم الأحد 1/7 ووجد الأطباء انسدادًا في الشريان الأمامي، وهو السبب الأساسي في المشكلة وانسدادًا آخر في الشريان الخلفي، وفي يوم الأربعاء 4/7 وبعد أن أجريتُ منظارًا للمعدة لمعرفة سبب النزيف السابق، استيقظتُ من "البنج" وجدتني على "ترول" وعلمتُ فيما بعد أن الأمن كان يسأل كل دقيقة هل استيقظ من "البنج" أم لا، ونقلتنا سيارة الإسعاف إلى عنبر المعتقلين مرةً أخرى.