- المستهلكون: بضائعهم جيدة وأسعارها تناسب دخلنا وتصلنا حتى البيت

- التجار: المندوب الصيني خرب بيوتنا وعلى الحكومة أن تجد حلاًّ

- الخبراء: التفوق الصيني دليلٌ على فشل النظام الاقتصادي المصري

 

تحقيق- علاء الأمير

في الوقت الذي تنادي فيه حكومة رجال الأعمال المصرية بضرورة تشجيع الصناعة المحلية والمنتج الوطني، وتملأ الدنيا ضجيجًا بتصريحاتٍ إعلاميةٍ وإعلاناتٍ تليفزيونيةٍ ووعودٍ وردية للمنتجين والتجار، تجد المنتجات الصينية قد غمرت الأسواق المصرية، وفرضت نفسها على المنتجات المحلية والوطنية.

 

ولا يختلف اثنان في مصر على أن المنتجات الصينية قد احتلت مناطقَ كثيرةً لدرجة أنه لم يعد يقتصر وجودها في الأسواق والمحلات فقط، ومع الباعة الجائلين على الأرصفة وفي الميادين، ولكنها تجاوزت ذلك الحد "البدائي"، وانتقلت إلى بيوت المصريين عن طريق مندوبين صينيين يحملون حقائب ضخمة تحتوي على بضائع صينية من الإبرة إلى الصاروخ- كما يقولون-.

 

ومع بداية الموسم الصيفي يهبُّ علينا- مع حرارة فصل الصيف- لهيب الصينيين بمنتجاتهم وخيمهم التي ينصبونها للمعارض الصينية، كما في مناطق فيصل والعمرانية وشبرا وحلوان وغيرها، بل الأكثر من ذلك افتتاح المحلات التجارية في شوارع مصر، والتي يديرها شبابٌ وشابات من الصين، أمَّا مَن يُروج لهذه البضاعة فهو المندوب الصيني نفسه، والذي يعتبر هذا ربحًا له ولمنتجه؛ ولذلك فلا تتعجب عندما يطرق باب منزلك أحدٌ وعندما تفتح الباب تجد فتاةً صينيةً تقول لك بلهجةٍ عربيةٍ ركيكيةٍ "فيه هنا عروسة"، فالصينيون في مصر لم يكتفوا بغزو منتجاتهم بل تحوَّلوا إلى دلاَّلاتٍ وتجار شنطة.

 

"إخوان أون لاين" حاول من خلال هذا التحقيق رصد هذه الظاهرة للتعرف على أسبابها وتأثيرها على الاقتصاد القومي ومدى خطورتها على المنتج الوطني؟ ومعرفة ما إذا كانت ظاهرةً ضارةً أم مفيدةً سواء بالنسبة للمنتج أو المستهلك.

 

كانت المحطة الأولى هي التعرف على رأي بعض الأُسر المصرية في هذه المنتجات ومَن يُروجها..

 الصورة غير متاحة

 الصين.. المارد الجديد في عالم الصناعة

تقول عدلية محمد صفوت (ربة منزل): كثيرًا ما يطرق علينا الباب، وعندما نفتح نجد المندوبة الصينية، وهي تحمل شنطةً كبيرةً فيها كل شيء من الإبرة للصاروخ، وهي  منتجاتٌ جيدةٌ ورخيصة تناسب دخلنا، وأنا اشتريت معظم محتويات البيت من هؤلاء المندوبات لدرجة أن البيت أصبح صينيًّا.

 

وتشاركها الرأي فاطمة السيد علي- مدرسة- والتي تُعرب عن أهمية المنتجات الصينية لأنها رخيصة وجيدة، وتناسب محدودي الدخل؛ مما يجعلها تحرص على شرائها، وتضيف قائلةً: "المندوبات الصينيات يأتون إليَّ باستمرار في البيت لدرجة أننا أصبحنا أصحابًا، وأطلب منهن أشياء في زياراتهم القادمة".

 

وتوضح صفية خالد (طبيبة) أن المنتج الصيني فرض نفسه على كل الأسواق، ومنها مصر؛ حيث إنه منافسٌ قوي للمنتج المصري، لرخصه ولجودته، وتؤكد أنها تشتري معظم احتياجاتها من هذه المنتجات، خاصةً المنتجات الطبية التي تحتاجها في عيادتها، مشيرةً إلى أن المندوبات الصينيات يُحضرن هذه الأشياء إما إلى البيت أو إلى العيادة بأسعارٍ مناسبة دون الحاجة إلى نزول السوق، وتكبد مشقة الشراء ومتاعبه.

 

وكانت المحطة الثانية مع التجار فوجدنا رأيهم مختلفًا عن رأي المستهلكين.. ومع بداية الحديث في ذلك الموضوع مع محمد محمد عطية صاحب محل ملابس اشتاط غضبًا وقال: "المنتجات الصينية خربت بيوتنا وأثَّرت على مبيعات المحل التي كانت تصل في اليوم إلى 10 آلاف جنيهٍ، والآن لا أبيع بأكثر من 5 آلاف جنيه؛ وذلك لوجود المنتج الصيني بشكلٍ كبيرٍ في الأسواق المصرية، وكذلك المندوب الصيني الذي يُروج لهذا المنتج، ويصل به إلى بيوت الزبائن؛ الأمر الذي أدَّى إلى عزوف العديد من زبائن المحل عن الحضور لشراء لوازمهم التي تعودوا عليها في كل موسم؛ وذلك لاكتفائهم بالمنتج الصيني الذي يصلهم إلى بيوتهم بأرخص الأسعار".

 

وطالب عطية الحكومةَ بأن تحد من هذه المنتجات التي أثرت على أرزاق التجار، وأن يحسنوا المنتج المحلي لكي يتفوق على المنتج الصيني وينافسه ويختلف معه.

 

ويضيف دسوقي محمد طه- تاجر ملابس داخلية- قائلاً: "نحن السبب؛ لأننا لا نهتم بالمنتجات المحلية ولا نعرف كيف نُسوِّق بضاعتنا، وكيف نتعامل مع زبائننا، أما الصيني فهو يُرخِّص في أسعاره ويُحسن معاملة الزبائن، وأضاف أنه لا يعترض على انتشار المنتجات الصينية، ولكن يعترض على انتشار المندوبين الصينيين الذين يبالغون في رخص أسعار المنتجات؛ مما يُؤثِّر على منتجاتنا؛ حيث ارتفاع أسعارنا، والذي يرجع إلى ارتفاع تكاليف المنتج المحلي".

 

وكان لتجار الأدوات المنزلية رأي آخر؛ حيث إنهم عبَّروا عن عدم تأثرهم بهذه المنتجات؛ وذلك للتقاربِ بينها وبين المنتجات المحلية من حيث الجودة والسعر، بل توجد منتجات محلية كثيرة أفضل من المنتجات الصينية، وأكدوا أن الزبائن التي تتردد على هذه المحلات في ازديادٍ، ولا يوجد تأثيرٌ من قِبل المنتجات الصينية.

 

بضائع مهربة

 

 د. حمدي عبد العظيم

انتقلنا إلى المحطة الأخيرة، وهم خبراء الاقتصاد، وحملنا إليهم آراء التجار والمستهلكين.. حيث قال د. حمدي عبد العظيم- الخبير الاقتصادي ورئيس أكاديمية السادات سابقًا-: إن المنتجات الصينية تغزو كل الأسواق العالمية والمحلية، وهي عبارة عن نوعين من السلع، سلع تدخل بطرقٍ شرعيةٍ عن طريق الجمارك، وهي سلعٌ منخفضةُ التكاليف بشكلٍ غير عادي، وهي منافس قوي للمنتجات المحلية، خاصةً أن المصانع المحلية حجم إنتاجها محدود وتكلفتها عالية، والمنتجات الصينية تجد لها رواجًا كبيرًا؛ لأنها تناسب طبقة كبيرة من الشعب المصري، وهم محدودو الدخل ونسبتهم 80%، وهي منتجات ليست متخلِّفة ولها مواصفات قياسية تُناسب كل ما تحتاجه الأسواق المحلية.

 

أما النوع الثاني من هذه المنتجات فهو يأتي إلينا بطريقٍ غير شرعي عن طريق تهريبها في حقائب مع المندوبين، وهذه تُؤثر على الدخل القومي؛ لأنها لا تخضع للضرائب والجمارك؛ ولذلك فهي خسارة لمصر وتؤدي إلى تعسُّر المصانع المصرية؛ مما يعمل على تسريح العمالة المصرية ويؤدي إلى البطالة، وتُزيد العجزَ في ميزان المدفوعات، وتُؤثر على احتياطي البنك المركزي، وهذه البضائع المهربة قد تكون ضارةً بالبيئة وبها أضرار صحية؛ لأنها لا تخضع للرقابة، وفي النهاية هي بضائع تناسب الفقراء وسكان الأحياء الشعبية مع الاحتفاظ برخص سعرها وجودتها.

 

التصدي للظاهرة

ويرى سامي نصر- مدير إدارة الغرف التجارية بالقاهرة- أنها ظاهرة انتشرت في الآونة الأخيرة شعر بها كل فئات المجتمع، ويجب أن نستفيد منها، ولكن بشروطٍ أهمها: أن تعلم الدولة مصدر هذه البضائع ومدى سلامتها، وأن تخضع هذه البضائع لمصلحة الجمارك والضرائب لتعم الفائدة، وأن تخضع للمراجعة من إدارةٍ واعيةٍ لتحديد مدى الاستفادة منها، وهل هي صالحة للتسويق أم لا؟

 الصورة غير متاحة

 انتشار معارض المنتجات الصينية في مصر

 

وفيما يتعلق بالمحلات الصينية يقول نصر إنها تطورٌ طبيعيٌّ للمندوب الصيني والمعارض الصينية، مستنكرًا انتشار ظاهرة المندوب الصيني ووجوده بشكلٍ كبيرٍ وملحوظٍ في مصر، وتساءل: كيف يدخلون بلادنا؟ وهل هم يأتون للسياحة أم للعمالة؟

 

وأشار إلى أن هذه البضائع بالرغم من فائدتها إلا أن لها بعضَ السلبيات مثل التأثير على المنتج المحلي والذي يتراجع أمام المنتج الصيني الرخيص؛ مما يُؤثِّر على بعض المصانع التي قد تُغلق أبوابها؛ مما يعمل على تسريح العمالة المصرية، كما أنها قد تُؤثِّر على الأمن العام؛ نظرًا لفساد التصنيع كما في الأسلاك الكهربائية مثلاً.

 

بضائع لها وجهان

ويضيف الدكتور أحمد غنيم- مدير مركز البحوث الاقتصادية- أنَّ هذه البضائع لها وجهان، وجهٌ حسن يُوفِّر السلع بأسعار رخيصة وجودة مقبولة، ووجه سيئ يُؤثِّر على المنتج المحلي ويعمل على تأخُّر بعض الصناعات المصرية.

 

ويؤكد أن المندوب الصيني فرض نفسه على كل مواطن سواء كان في الشارع أو في البيت، رغم أنهم في الأصل تجار شنطة جاءوا للسياحة ثم تحوَّلوا إلى عمالةٍ ويصعب السيطرة عليهم، مطالبًا بضرورة تشديد العقوبة عليهم وحتمية خضوعهم لإدارة الجمارك والضرائب.

 

ويرى الدكتور عبد الرحمن عليان- أستاذ التكاليف بتجارة عين شمس- أن المنتج الصيني يفيد المستهلك المصري محدود الدخل؛ لأنه يسد حاجته بأرخص الأسعار وبجودة أفضل من المنتج المصري، مشيرًا إلى أن المنتج الصيني لا يعتمد على الإعلان، وإنما يعتمد على وجود السلعة تحت بصر المستهلك، وهذا ما يهمُّ المستهلك الذي يستطيع تجربة السلعة ومعرفة مدى جودتها وأخذ القرار بشرائها أو رفضها.

 

حكاية المندوب!!

ويوضح عليان أن المندوب الصيني غالبًا ما يتميز بالأمانة والالتزام؛ حيث إنه يعلم أنه في مهمة بيع فقط "وأغلبهم من البنات"، كما أنه مُدرَّبٌ على طريقة العرض، وتستطيع أن تتفاهم معه بسهولةٍ برغم أنه لا يتحدث العربية، ولكن برغم كل هذه المميزات- والكلام ما زال لعليان- نجد أن هناك بعضَ السلبيات، ومنها أن رخص هذه المنتجات قد يؤدي إلى قلةِ الطلب على المنتج المصري الذي لا بد أن يستفيد من المنافسة ويُحسِّن من تطويره وإنتاجه، ولكننا نجده ضعيفًا أمام هذه المنتجات؛ لأنه لا جودةَ ولا سعرَ مناسبًا، وهذا يؤكد فشل سياسة مصر في الاستثمار.

 

وعن إمكانية عمل إحصائية لهذه المنتجات، قال عليان: من الصعب عمل إحصائية؛ وذلك لأن معظم المستهلكين من الأحياء الشعبية التي يصعب حصرها، بالإضافة لبعض المنتجات التي تدخل بصورةٍ غير شرعية، مشيرًا إلى أن هذه المنتجات قد تُشكِّل أكثر من 15%- وإن كانت هذه إحصائية غير دقيقة-؛ لأنه لا يمكن تحديد حجم الإنفاق العام أو حجم الاستيراد.

 

وطالب عليان بضرورة وجود دراسة لهذه الظاهرة ومعرفة نسبتها وحجم الإنفاق القومي منها، مقارنةً بالمنتج المحلي، وهذا يفيد السوق المصري والتخطيط الاقتصادي، مؤكدًا أن السوق المصري لا بد أن يُغيِّر من سياسته التي يُسيطر عليها حكومة رجال الأعمال الذي يتشدقون بتشجيع المنتج المحلي، وهم أول مَن يستخدمون منتجاتٍ غير محلية، في حين أنهم لا بد أن يعملوا على حماية المنتج المحلي.

 

ويضيف حمدي متولي- رئيس التمثيل التجاري بالصين سابقًا- أن المنتجات الصينية لها بعض الجوانب الإيجابية، منها أن أسعارها متميزة وذات جودة، مقارنةً بالمنتج المحلي، ونحن نُرحِّب بالمنتج الصيني أو غيره من المنتجات إذا لم يكن هناك سياسة إغراق للأسواق المصرية من هذه المنتجات، والتي يجب أن تخضع لجهاز مكافحة الدعم والإغراق أو اتحاد الصناعات، ولكن على جمعية حماية المستهلك أن تتابع ظروف المستهلك وتُعرِّفه حقوقه، وتعمل على نشر الوعي الاقتصادي عند المستهلك؛ لأنه قد يوجد بعض المنتجات الصينية والتي دخلت بطريقةٍ غير شرعية رديئةً أو ضارةً التي من المهم أن يعرفها المستهلك ويقوم بالإبلاغ عنها أينما وُجدت.

 

المنافسة هي الحل

وحول فكرة المنافسة بين المنتج المصري والصيني رحَّب د. صديق عفيفي- أستاذ التسويق- بمبدأ المنافسة؛ لأنها تعمل على شيئين إما تطوير المنتج المحلي أو خروجه من المنافسة، وقال ما دام أننا قبلنا بآلياتِ السوق وفتحنا باب المنافسة فليس من حقنا أن نشكو أو نتضرر أن هناك بائعًا يبيع سلعةً أرخص، والذي يجب أن نُركِّز عليه هو كيف نرفع كفاءة المنتج المصري وبنفس الجودة والإمكانيات.

 

ويؤكد عفيفي أن احتكار القطاع العام للسوق وسيطرة حكومة رجال الأعمال عليه أهم أسباب عدم كفاءة المنتج المصري، موضحًا أنه لا يوجد نية في رفع كفاءة المنتج المصري الذي نُنادي به منذ عشراتِ السنين دون جدوى أو فائدة.