أعني بالدعاة.. كل من اشتغل بالدعوة إلى الله تعالى، سواءٌ كانوا علماء متخصصين أم لم يكونوا كذلك، فجميعهم معنيٌّ بإيصال وتبليغ كلمة الله في خلقه، وجميعهم كذلك صار ذا خصوصية في تحمُّل المسئولية إزاء ما يقول ويفعل، لا سيما إذا كان صاحب صوت مسموع أو قلم معروف أو حركة فعَّالة.

 

وعندما تبرز على الساحة الإسلامية قضيةٌ من القضايا وتختلف حولها الآراء، أو ينشأ خلاف بين فريقين أو أكثر ويحتدم الصراع بينهم، نجد أن الدعاة- أو معظمهم- يحبون أن يظهروا في موقف الحياد بين أطراف الصراع، لا إلى هؤلاء ولا إلى أولئك.

 

ولا يختلف اثنان على أن الحياد أمر محمود ومطلوب من الأمة كلها على وجه العموم، ومن الدعاة العاملين على وجه الخصوص، وقد وردت في القرآن الكريم نصوص تأمر بذلك وتحضّ عليه.. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (البقرة: من الآية 143)، ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: من الآية 8)، فكل مسلم إذن مطالَب بأن يتحرَّى الحياد والعدل إذا نِيط به النظر في قضية اختلف حولها الفرقاء.

 

ومما سبق يتضح أن المقصود بالحياد في الأمور هو العدل والإنصاف وإظهار الحق، وإعادة الأمر إلى نصابه، حتى وإن استلزم ذلك إغضاب طرف وإرضاء آخر، ما دام الحق مع الثاني دون الأول.

 

وإذا كان الأمر كذلك فليس من الحياد أن أقف موقفًا سلبيًّا بين معتدٍ ومعتدى عليه، بين ظالم ومظلوم، بين لصٍّ وصاحب حقٍّ، فأنَّى لصاحب هذا الموقف أن يكون حياديًّا؟ ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾ (آل عمران: من الآية 28).

 

والعالم اليوم قد تأججت فيه الصراعات، واحتدمت فيه الخلافات، حتى بين أبناء الشعب الواحد، والدم الواحد، وصار الناس في حيرة من أمرهم، لا يكادون يدركون من حقيقة الأمر شيئًا، فالمعركة دائرة على أشدِّها، وصليل السيوف أصَمَّ آذانَهم فلا يسمعون، وغبار المعركة أعمى أبصارهم فلا يبصرون، والأفكار يصيبها الشلل من شدة زخم الأحداث وتداخلاتها، فلسان الحال يتساءل: مع من نقف ضد الآخر؟! وأي الفريقين أحقّ أن يُنصَر؟! وكيف ننظر إلى كليهما؟!

 

وهنا نجد أن الدعاة هم طليعة المجيبين عن التساؤل، والمرشدين إلى الحق، والهادين إلى الطريق، وطبيعي أن نرى تباينًا في مواقف الدعاة إزاء تفسير ما يجري، بين صامت قد نأَى بنفسه عن الخوض في هذا المعترك، إما لضعف معرفته بطبيعة الصراع، أو خشية أن يزلَّ في حكمه عليه، وبين خارج عن هذا الصمت قد وجد لنفسه رأيًا لا بد أن يُظهره.

 

وكل صاحب موقف من هؤلاء يدَّعي لنفسه أنه التزم الحياد والعدل، ولم يجنح لطرف دون آخر، ومن المبدأ النبوي "لكل حقِّ حقيقة" نودّ أن نتعرف على حقيقة هذا الزعم من خلال ما يدور ويستجد من أحداث ملأت السمع والبصر.

 

فلسطين

 الصورة غير متاحة

فلسطيني قُتِل بغزة نتيجة فوضى انقلابيي فتح  

واضح أن القضية الفلسطينية قد احتلت الصدارة في الفترة الأخيرة، وأحداثها صارت مثار النقاش والجدل بين كل الفئات ومختلف الأجناس، فما مِن يوم يمرُّ إلا ويسمع الناس عن الشقاق والخلاف القائمين بين حركتي حماس وفتح، وتخرج علينا نشرات الأخبار كل ساعة بأنباء قتلى وجرحى من الفريقين، وتمتلئ وسائل الإعلام بمبادلة الاتهامات بين كليهما والناس لا تزداد إلا حيرة وتساؤلاً.

 

وعلى الرغم من خطورة دور الدعاة في هذه المرحلة وحساسية مواقفهم، إلا أننا وجدنا أن كثيرًا منهم- بدعوى الحياد- يصوِّر الأحداث على أنها صراع بين الطرفين على السلطة، أو أن كلاًّ منهما مصيب ومخطئ، أو أنهما طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، متناسين بذلك ما يحدث من تيار انقلابي في حركة فتح، من خطف وقتل على اللحية والهوية، وانتهاك لحرمة المساجد ووطء للمصاحف بالأقدام وسبّ للذات الإلهية... إلخ!! ومتناسين أن هذا التيار المتصهين قد ربط مصيره بوجود الاحتلال وبقائه، وأنه يسير وفق أجندة أمريكية مبرمجة لضياع القضية برمَّتها.

 

ثم إنهم قد نسوا أيضًا أن الشريعة الإسلامية لم تتعامل مع مثل هؤلاء الدحلانيين على أنهم طائفة من المؤمنين بغَت على أخرى، ولكن تعاملت معهم على أنهم مفسدون في الأرض، لهم أحكام فصَّلها الفقهاء في كتبهم.

 

ففي تعريف البغاة يقول الدكتور عبد الكريم زيدان: "البغي هو خروج جماعة ذات قوة وشوكة على الإمام بتأويل سائغ، يريدون خلعه بالقوة والعنف"، فهل ما يفعله هؤلاء يتم بتأويل سائغ شرعًا؟ وهل هم يبحثون أصلاً عن تأويل لما يفعلونه، وهم المتطاولون على الذات الإلهية جهارًا نهارًا وعبر الفضائيات؟!

 

وتعقيبًا على تعريف البغاة وحكم الشرع فيهم يقول الشيخ السيد سابق: "هذا شأن البغاة وحكم الله فيهم، أما إذا كان القتال لأجل الدنيا وللحصول على الرئاسة ومنازعة أولى الأمر" فهذا الخروج يُعتبر محاربةً، ويكون للمحاربين حكم آخر مخالف حكم الباغين، وهذا الحكم هو الذي ذكره الله في قوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنْ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (33)﴾ (المائدة) أ. هـ.

 

ولسنا هنا بصدد إصدار فتوى من هذا النوع، أو الدعوة إلى إقامة هذا الحكم فيهم، ولا نطلب من الدعاة أن يفعلوا ذلك؛ لما يمكن أن يترتب عليه من ردود أفعال لا يُعلم مداه ولا منتهاه.
إلا أننا في الوقت نفسه ندعوهم لأن يُحقُّوا الحق ويُظهروه للناس، وأن يَمِيزوا الخبيث من الطيب، وأن يُبرزوا دور هؤلاء وتآمرهم على البلاد والعباد، وأن يعملوا على كشف جرائمهم وعِمالتهم التي فاحت رائحتها، لا أن يساووا بين الجاني والضحية، وصاحب الشرعية وفاقدها.

 

عجيب أمر مصر

 الصورة غير متاحة
 

ولئن وجد الدعاة بعض المبررات غير المقنعة لصمتهم المقيت، أو لموقفهم غير السديد، فإنني لا أظن أن لهم عذرًا فيما يحدث على أرض الكنانة مثلاً، وأيّ مبرر لصمتهم عن مخالفات النظام الحاكم وحزبه؟ أيّ مبرر لصمتهم وموقفهم الحيادي عما يجري من اعتقال الآلاف من الشباب بغير ذنب اقترفوه، ومن تزوير للانتخابات ومنع للناخبين؟! أيّ مبرر لصمتهم إزاء محاكمة المدنيين عسكريًّا ومصادرة أموالهم؟ أيّ مبرر لصمتهم عن الحرب المعلنة على الله في تعديلات دستورية تحظر التديُّن وتجعل منه تهمةً يحاكَم بها المواطن في بلد الأزهر؟!

 

ويا ليت الحيادية المغلوطة تقف إلى هذا الحد، بل يصل الأمر إلى أن يقوم بعض الدعاة والعلماء بحَثِّ الناس على المشاركة في خدمة الوطن من خلال التصويت على الدستور الجديد، ويزيد الطين بلةً أن تتحوَّل هذه المشاركة من الإباحة إلى الوجوب الشرعي الذي يأثم صاحبه بتركه، وتتراكم الجرائم، ويزداد الفساد، وتفوح رائحة الظلم، والدعاة لا يبرحون حياديتهم بين الفريق الحاكم من جهة وفريق المحكومين من جهة أخرى.

 

ألا ساءت حيادية تجعل من صاحبها شيطانًا أخرس، بكتمانه الحق وسكوته عنه!! ساءت حيادية تجعل من الهداة مضلِّين وفتَّانين!! ساءت حيادية تعمي صاحبها عن رؤية الشمس في رابعة النهار، وتصم أذنيه عن أن يسمع رعد السماء إذا تراكمت فيها الغيوم!! ولست في هذا النقد معمِّمًا كلَّ الدعاة ومسوِّيًا بينهم، فالتعميم جهل في الدين كبير، وضلال في الحق مبين.

 

غايةُ ما هنالك أنني أخشى أن يختلط الحق بالباطل على لسان مَن حمَلوا أمانةً أبَت السماء والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وزلَّة الداعية من شأنها أن تُحدث شرخًا في دين الأمة وثقافتها.

 

وليعلم الدعاة أن الله تعالى قد جعلهم نورًا يُهتدى به في دياجير الظلمات، وركنًا شديدًا يُؤوَى إليه حين تشتد الأزمات ويصير الحليم حيران، فإذا خفت هذا النور، وانهار ذلك الركن، فإنني أشفق عليهم من وعيد قال الله فيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلْعَنُهُمْ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمْ اللاَّعِنُونَ (159)﴾ (البقرة).

 

يا دعاة الإسلام.. إن الحمل ثقيل، والحساب شديد، والعقبة كَؤود، ولكتمان الحق مغبَّة لا تُحمَد: ﴿فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (النور: من الآية 63).