- د. أسامة عبد الخالق: خفض ثمن المكالمة ربح للشركة وليس للمستهلك
- د. صلاح الدسوقي: المحمول احتكار القلة والاقتصاد القومي متضرر
- د. جهاد صبحي: الحكومة سمحت للشركات الثلاثة بسرقة الشعب
تحقيق- حسونة حماد
في الوقت الذي أكد فيه عدد من خبراء الاقتصاد والاتصالات أن الإسراف والعادات السيئة في استخدام الهواتف النقَّالة.. من رسائل نصية ونغمات وكليبات.. تهدر الأموال، وتستهلك الإيرادات؛ مما يؤثر على النموِّ والدخل القومي بالسلب، يؤكد البعض أن الوضع بات أكثر تفاؤلاً؛ إذ تشهد معدلات نموّ المحمول زيادةً في الإنفاق على الاتصالات والهاتف المحمول؛ على اعتبار أن ذلك يمثِّل علامةً على زيادة النموّ والدخل، في حين ذكرت دراسة حديثة أعدها مركز البحوث التجارية والاقتصادية بجامعة القاهرة أن مصر من أكثر دول العالم ارتفاعًا في معدلات نموّ المحمول بها؛ حيث تزيد معدلات النمو بنسبة 35% سنويًّا مقابل 30% في الإمارات و23% في الصين.
ورغم حداثة عهد مصر بالمحمول- والتي لم تزد على 9 سنوات- إلا أنها تنمو بشكل سريع؛ حيث ارتفع عدد المشتركين من 654 ألف مشترك عام 1999 إلى 5.7 ملايين مشترك حتى يناير الماضي، وينفق المصريون 6 مليارات جنيه سنويًّا على الاتصالات عبر المحمول، وتوقعت الدراسة أيضًا أن يصل عدد مشتركي المحمول إلى 7 ملايين مشترك قبل نهاية العام الحالي؛ لترتفع جملة ما ينفقه إلى 9 مليارات جنيه.
![]() |
|
المحمول أصبح عبئًا على الأسرة المصرية |
وأوضحت الدراسة أن المحمول فرض وجوده على الأسر المصرية، وأصبح معظم أفرادها يحملون المحمول، ونشأت عن التليفون المحمول مفاهيم وعادات جديدة، وتأثرت عملية الادخار التي تراجعت بنسبة 15% بسبب الإنفاق على المحمول، كما أن المحمول والدروس الخصوصية تلتهم 40% من دخل الأسر المصرية.
ويشهد حاليًّا سوق المحمول في مصر طوفانًا من النغمات والرنَّات والفيديو بعد أن تحوَّل الكثير من المواطنين إلى استخدام المحمول في الرنَّات فقط، حيث تحوَّلت خدمات المحمول إلى حرب ضروس بين شركات تقديم خدمات المحمول.
وفي الوقت الذي بات هناك ما يقرب من 10 ملايين مستخدم للمحمول فإن ما يقرب من نصفهم يلجأ إلى تحميل وشراء نغمات جديدة أو نقلها من خلال تقنيات البلوتوث التي لم تقتصر على النغمات العادية والمجسَّمة، بل امتدت لتشمل نغمات الفيديو كليب، والتي يتم تحميلها من خلال الاتصال بأحد الأرقام التي تعلنها شركات خدمات المحمول التي ظهرت منذ ما يزيد على العامَين كصورة للاستحواذ على نصيب من سوق المحمول المصري، وتبارت "كليبات" الفنانين والفنانات ليحتلَّ كلٌّ منها الصدارة، أما سوق الخلفيات فتنوعت بين الخلفيات الإسلامية وصور لأشهر الفنانين والفنانات.
(إخوان أون لاين) حمل هذه القضية ونقلها كما هي إلى خبراء الاقتصاد والاتصالات لمعرفة سبب هذه الحرب وأبعادها الاقتصادية؟! وتأثير ذلك على الدخل القومي بصفة عامة والدخل الأسري بصفة خاصة؟! وغير ذلك.
كارثة
يؤكد د. أسامة عبد الخالق- أستاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس- أن هذه الحرب بين شركات المحمول الثلاثة لها آثار مدمرة على الاقتصاد المصري، موضِّحًا أن الحكومة المصرية تركت المساحةَ للشركات للتلاعب بعقلية المواطن المصري.
ويضيف قائلاً: إن هناك قاعدةً تُعرف باسم وفورات الإنتاج الكبير، التي تعني في هذه الحالة أن متوسط تكلفة المكالمة أو الدقيقة بالنسبة لسعرها يتناقص تدريجيًّا كلما زاد حجم المكالمات أو الدقائق المستهلكة، وبالتالي فإن من الطبيعي أن كل شركات المحمول تسعى لزيادة عدد المكالمات والدقائق المستهلكة لتوزيع التكاليف غير المباشرة على عدد الدقائق والمكالمات؛ بما يؤدي إلى خفض تكلفة المكالمات ومن ثم زيادة الربحية.
وبناءً على ذلك يؤكد أن ما تفعله شركات المحمول لا يعَدُّ تنازلاً أو تخفيضًا بالنسبة لها، وإنما هو تخفيض ينشأ تلقائيًّا نتيجةَ تلك القاعدة الاقتصادية؛ حيث إنَّ خفض تكلفة المكالمة يتيح زيادة مبيعات هذه الشركات دون أن تتحمّل أي أعباء بل تزداد أرباحها، ولهذا فإن ما تتجه إليه شركات المحمول الثلاثة لا يعبر عن تنازل من إحداها للمستهلك، بل إنه مجرد إجراء إداري لا يؤثر على ربحيتها، فضلاً عن زيادة قاعدة مستخدميها من ناحية، وزيادة أجهزة المحمول وقطع غيارها وصيانتها من ناحية أخرى، وهو ما يعوِّض في النهاية حجم الدعاية الرهيبة التي تملأ به هذه الشركات صفحات الجرائد والمجلات والإذاعة والتليفزيون والبرامج الرياضية.
وحول استفادة المستهلك من خفض تكلفة المكالمة الواحدة ومن ثم إمكانية استفادته بعدد أكبر من الدقائق بنفس التكلفة يوضح عبد الخالق أن الشعب المصري من الناحية السلوكية معروف بإقباله على الإنفاق البذخي والترفي وهو ما يتوقع معه؛ لأن هذا الخفض في تكلفة الدقيقة سيصاحبه زيادة في عدد المكالمات بصورة تجعل إجمالي التكلفة الشهرية على ميزانية الأسرة تتجه إلى التزايد وليس إلى الثبات أو الانخفاض؛ مما يترتب عليه انقطاع جزء أكبر من ميزانية الإنفاق الأسري لصالح شركات المحمول، وهو ما وصفه عبد الخالق أنه اتجاه غير مرضٍ، خاصةً أننا في حاجة إلى الإنفاق الإنتاجي وليس الاستهلاكي.
ويرى د. أسامة عبد الخالق أن هناك سلبيةً من الحكومة في ترْك مساحة لشركات المحمول الثلاثة في اقتطاع الجانب الأكبر من الإنفاق الأسري في هذا المجال بدلاً من اتجاهه للادخار أو الاستثمار.
احتكار

وفيما يتعلق بما يراه البعض من أن هذه الحرب تدخل تحت إطار المنافسة التي هي أفضل من الاحتكار يوضح الدكتور صلاح الدسوقي- أستاذ علم الإدارة بكلية التجارة جامعة القاهرة- أن الموجود حاليًّا في السوق المصرية لا يمكن بأي حال أن يطلق عليه منافسة، مؤكدًا أنه احتكار القلة، بمعنى أن عددًا محدودًا من المنتجين يحتكرون هذا المنتج، مشيرًا إلى أن الاحتكار لا يعني فقط أن يقوم به شخص واحد، بمعنى- والكلام للدسوقي- أنه يمكن إجراء اتفاق بين هؤلاء القلة على حساب المستهلك، خاصةً إذا ظل انحياز الدولة لرجال الأعمال وليس للمواطن، وإذا كانت وزارة الاتصالات تهيمن على السعر فإن هذه الهيمنة لا تتأثر بها هذه الشركات بل يتأثر بها المستهلك مباشرة.
ويضيف الدسوقي أن مصر من أكبر الدول العربية في زيادة استهلاك خدمات المحمول، وتقدّر نسبة هذه الزيادة بحوالي 20% كمعدل نمو سنوي، وهو من أكبر معدلات النمو في الوطن العربي.
ويتابع قائلاً: إن الدراسات الحديثة تؤكد أن المصريين ينفقون 20 مليون جنيه يوميًّا على اتصالات المحمول، وهو مبلغ كبير جدًّا على حد قوله بالنسبة لدخل الأسرة المصرية في الوقت الذي تجاوزت فيه نسبة الفقر في مصر 50%، مؤكدًا أن هذا الترف الاستهلاكي له مردود سلبي على الاقتصاد القومي، فهو لا يسهم في مزيد من الإنتاجية ولا سداد عجز الموازنة، ولا يسهم في حلِّ أزمة الكساد التي تضرب الأسواق، وعدم إنشاء مشروعات اقتصادية، وغير ذلك من دائرة الخلل الاقتصادي الذي تعيشه مصر.
ويصف الدسوقي هذه الحرب قائلاً: إنها حالة احتكار كبيرة تستنزف دخل الوطن، وحريصة أشدّ الحرص على أخْذ آخر قرش من جيب المواطن المصري.
السرقة علنًا
![]() |
ويقول: نحن نبَّهنا كثيرًا على ذلك منذ نزول خدمة المحمول مصر، متفقًا على أن هذا له أثر سلبي على الاقتصاد القومي وميزانية الأسرة ويشجع على الاستهلاك الترفي.
ويوضح صبحي أن خدمة المحمول لا زالت محتكرةً في مصر، مؤكدًا أن هناك اتفاقياتٍ احتكاريةً بين هذه الشركات الثلاث، وأن تأخر تشغيل الشبكة الثالثة للمحمول كان نتيجةً لوجود اختلاف بين الشركتين الأقدم وعندما توصلوا إلى اتفاق تم تشغيلها، ويطالب صبحي بضرورة تفعيل جهاز حماية المستهلك لحماية المستهلكين من هذه الشركات.

