مَرّةً بعد مرة، نتعلم من أبطالنا دروس الخُلق العالي، وفقه الكبرياء والتضحية المستبسلة.. الماديون مساكين فقد ضلوا ضلالاً بعيدًا حين ظنوا أن بإمكانتهم تركيعَ الأبطال ترغيبًا وترهيبًا، هؤلاء البؤساء ينبغي أن يتعلموا من أبطالنا فقه الحكمة لأعمال الحكمة، يجب أن يوقنوا من كبرياء عزتكم فقه الروح لأعمال الروح.

 

فما تلك القصور التي يسكنونها، ولا هذه الدور التي يعمرونها، إلا ألوانًا وأصباغًا لا تستطيع تبديل الحقائق، ولا شراء الذمم، ولا إطفاء نور البطولات.

 

نقول لكل مَن زيَّنت له نفسُه الكاذبةُ أعماله، فظلم وبغى، إن الأرض لا تحمل على ظهرها أسمج وجهًا، ولا أصلب خدًّا، من جهلةِ الماديين، ووضاعة السادة المستكبرين.

 

إن التاريخ يعيد نفسه، لقد عرض مشركو العرب قديمًا على قائد المسيرة- صلى الله عليه وسلم- كل هذه العروض التافهة، فماذا قال- صلى الله عليه وسلم-؟ قال: "والله يا عمِّ.. لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يُظهره الله أو أهلك دونه".

 

فلم يساوم النبي- صلى الله عليه وسلم- في دينه ولا رسالته حتى لو كان في أحرج المواقف، إن المساومة هنا معناها الالتقاء في منتصفِ الطريق كما يفعلون في التجارة، وهناك فرقٌ بين العقيدة والتجارة، العقيدة هي الحق الثابت التي لا يتغير ولا يتلون، والتجارة مالٌ يأتي ويروح، فهيهات أن يعمموا مبدأ النفعية في حياة المؤمنين، أو أن يخدعوا بها الأبطال الصابرين.

 

أليس من المعرَّة أن يجلس الصعاليك على الأسرَّة موقّرين، ويُساق الأبطال في الحديد مكبلين؟!

 

إنها الحياة التي انتقلت على طبيعتها، لكنا لا نيأس ولا نبتئس.

 

أعلمُ أن الظلم أفحش مما يتصور البشر، فهو فوق كل تعبير ومقال، بل فوق كل تصوّر وخيال، إنه بشعٌ في حقيقته، مهُولٌ في عاقبته، لا يكاد البشر يعرفون شيئًا أجلب للشقاء، وأنفى للاطمئنان، وأبعد للسكينة، من الظلم والظالمين، هؤلاء الذين يَحْطِمون بيتًا ليربحوا حجرًا، وما هم برابحين من شيء، فلكل ظالمٍ نهاية مهما استطال وبغى، ولكلِّ غادرٍ راية وإن طال المدى:

إلى ديَّان يوم الديـن نمضي          وعند الله تجتمـعُ الخصـومُ

تعلم في الحساب إذا التقينا           غدًا عنـد الإله مـن الملـومُ

 

أيها الكرام الشرفاء.. إن الله وعدكم بالنصر ووعدتموه بالصبر، فأنجزوا وعدَكم ينجزْ لكم وعده.

 

يا مَن أرى "الخيرات" جداول بين أفنانِهم، و"البِشْر" باسمًا على ثغورِهم، و"الضياء" نورًا في أحداقهم، لا تحدثوا أنفسكم بالهجرةِ والفرار، فوالله إن فررتم لا تفرون إلا عن عِرض لا يجد له حاميًا، وشرفٍ لا يجد له مدافعًا، ودين يشكو إلى الله قومًا أضاعوه، وأنصارًا خذلوه.

 

لقد اختاركم القدر الأعلى لتكونوا الحُماةَ المنافحين عن حريتنا وكرامتنا، وأنزلكم منازلَ العظماء، فلا تطلبوا المنزلة بين المنزلتين، ولا الواسطة بين الطرفين، فافتدوا أنفسكم بجولةٍ تجولونها في سبيل الله، فوالله ما عاش ذليلٌ ولا مات كريم.

 

هكذا ظهر جيل صلاح الدين وهكذا تحرر القدس، وأنتم الأمل المتجدد، وهذا يومكم الذي له ما بعده، فلا تُسلموا أعناقكم إلى التافهين البائسين، فإنكم إن فعلتم وكَلَكم الله لأنفسكم، وتركتم مَن وراءكم حيارى فوق كل أرض وتحت كل سماء، لا يرون في صفحة السماء نَجمًا لامعًا، ولا كوكبًا طالعًا.

 

انظروا إلى آثار رحمة الله، لقد أرادوكم خلف القضبان لتكونوا خلف أنظار الناس ودبر قلوبهم، فأمسيتم في معترك أسماع الناس وأفهامهم، حتى ملكتم عليهم قلوبهم، لقد أخزاهم الله وضربهم بالخذلان ضربةً، لو نالت من السماوات والأرضَ لأشفقن منها.

 

ثقوا في يوم قريب، تتبختر الحقيقة فيه اتضاحًا، ويتوارى الكذب فيه افتضاحًا، ثم في يومٍ آخر أهول مما يظنون، يومٌ تجفّ فيه حلوق الذئاب، وتذهب فيه أصباغ الثياب، فلا يبقى إلا صنفان، صنف فرحٌ طروب يصيح: ﴿هَاؤُمْ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)﴾ (الحاقة)، وآخر يستفيق من غَشيته ليقول: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)﴾ (الحاقة).

 

يا أبطال مصر- يا مَن ركلتم الدنيا ولم تعبئوا بإقبالٍ ولا إدبار، وبددتم ظلمات الليل وفضحتم رابَعةَ النهار- لا تضنُّوا على المخادعين بمَذْقـةٍ من ظلكم الظليل، ولا تحرموا التعساء نفحةً من نفحاتكم العطرة، فشرفكم كالمصباح تستمد منه القناديل، وعزكم نور يهتك ظلمات السادة المتألهين.

 

قولوا للمتكبرين: إن استطعتم أن تغلبونا على أموالنا فلن تغلبونا على نفوسنا، وإن استطعتم أن تقهرونا في أبداننا فلن تقهرونا على أرواحنا، أيها السجن كُن ما شئت، لن نساوم ولن نبدل ولن نستسلم.

 

فما الحبسُ مهانة لذوي العُـلا          لكنـه كالغيــلِ للآســادِ

قولوا للعالمين: نحن لا ندع مجالاً لليأس، لأنكم تفهمون بعمق قول الله تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (44)﴾ (النور).

 

فإن النجومَ والكواكبَ تجري في أفلاكها، وتطلع في مواقيتها، ونعلم من حركتها الماضية، كيف تكون حركتها التالية، ومتى تشرق ومتى تغيب، ولن تجرى حركة التاريخ الإنساني على غير هذا النسق، فمهما اشتدَّ ظلام الليل فلا بد من طلوع فجر جديد، ومهما ترادفت الفتن فلا بد أن يعقبها صبح عريض، إنها الصَيرورة التاريخية، ظلم واعتساف، ثم بطولة واستبسال، ثم تمكين وإعزاز.

 

إن الموجود في الحياة غير الموجود في الكتب، وقصص الفضائل ونوادر المروءات، إنما هي روايات لا تُكتب لها الحياة إلا بنماذج وتضحيات، وأنتم النموذج وأنتم التضحية، فما أجملَ الفضيلة، وما أعذبَ مذاقَها، إذا تجسَّدت في شُخوصٍ يمشون على الأرض، وأنتم والله أهلها المنافحون عنها، المضحّون في سبيلها، القابضون على جَمرها.

 

حماكم الله، آواكم الله، أيَّدكم الله، أنتم أملُنا، وأنتم فخرُنا، كذاكَ الفخرُ يا هِمَـمَ الرجالِ، تعالي فانظري أين التعالي.