تعيش لبنان في الفترة الراهنة حالةً من السخونة السياسية والأمنية كما هو الوضع الدائم في ذلك البلد، ومن أبرز الملفات المتفاعلة على الساحة السياسية اللبنانية الأزمة القائمة بين "المعارضة" و"الموالاة"، وهي الأزمة التي وصلت إلى مراحل حرجة بعد الاشتباكات التي جرت بين أنصار الجانبَين في يناير الماضي؛ مما أحيا مخاوف خروج أشباح الحرب الأهلية من مكامنها.
وبجانب المخاوف الأمنية من الأزمة السياسية فإن هناك الكثير مما يتعلق بالتداعيات السياسية للأزمة؛ حيث وصلت الأمور إلى احتقان سياسي في البلاد؛ مما أدى إلى تصاعد دعوات تشكيل المعارضة لحكومة موازية تعمل على تسيير الأمور في البلاد بعيدًا عن الحكومة القائمة.
وبالإضافة إلى ما أدَّت إليه تلك الأزمة من حالة استقطاب حادٍّ في الداخل اللبناني أصبح مشهودًا حتى على مستوى المؤسسات التعليمية، فإن البلاد تعيش حالةً من التوتر الأمني شملت اغتيالات ومحاولات اغتيال وتفجيرات محدودة؛ تهدف بالدرجة الأولى إلى مجرد إرسال رسائل للقيادة السياسية والشعب اللبناني على حدٍّ سواء.
ولم تقتصر الأوضاع فقط على ذلك، بل بدأت لبنان تعاني من نشاط الجماعات المسلَّحة التنظيمية على شاكلة تنظيم فتح الإسلام، الذي أمضى الجيش اللبناني شهرين في قتاله، ولم يستطع بعدُ حسْمَ المعركة ضده، وخسر خلالها 110 جنود قتلى؛ مما يطرح تساؤلاتٍ حول مستقبل الجيش اللبناني كقوةٍ حامية للبنان أمام التهديدات الصهيونية التي تتوالى، سواءٌ بتجديد المواجهات مع حزب الله، أو بالدخول في حرب مباشرة شاملة مع سوريا لن تقف لبنان بعيدةً عنها تحت أي ظرف من الظروف.
ومن ملف الجماعات المسلَّحة، والتهديدات الصهيونية، وضعف الجيش اللبناني.. يظهر ملف آخر، وهو سلاح الفصائل الفلسطينية في لبنان، وهل هناك بالفعل دافع حقيقي يبرِّر احتفاظ الفصائل بسلاحها؟ إلى جانب ما يتردَّد في نفس الملف الفلسطيني عن وجود فرصة لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؟! وهو الأمر الذي يثير مخاوف الطوائف الأخرى في لبنان غير السنة، بالنظر إلى أن أغلب الفلسطينيين في لبنان هم من السنة!!
وزير الخارجية الفرنسية في استقبال الوفود اللبنانية

ويبقى بجوار كل ذلك الملف الأهم، وهو ارتباط مصير لبنان بالقوى الخارجية، وهو ما وضح في المفاوضات غير الرسمية التي جرت بين أطراف الأزمة السياسية اللبنانية في ضاحية لاسيل سان كلو بالعاصمة الفرنسية باريس، إلى جانب جولة الموفد الفرنسي جان كلود كوسران حول العواصم العربية والإقليمية، من طهران حتى القاهرة، مرورًا بالرياض ودمشق، وإمكانية تأثير ذلك على حضور جامعة الدول العربية في المشهد السياسي اللبناني، كطرف أصيلٍ ومهمٍّ في حسم الخلافات التي تجري بين العرب، سواءٌ كانت بين دولتَين أو في الدولة الواحدة.
حمَلنا كل هذه القضايا والملفات إلى فضيلة الشيخ فيصل مولوي- الأمين العام للجماعة الإسلامية في لبنان- للإجابة عليها، ومعرفة موقف الجماعة مما يجري في لبنان.. هذا البلد العربي، فإلى الحوار:
* في الذكرى السنوية الأولى للعدوان الصهيوني الغاشم على لبنان منتصف العام الماضي 2006، كيف تقيِّمون أثر عملية حزب الله داخل الخط الأزرق وأسْره اثنين من الجنود الصهاينة، وما ترتب على ذلك من تطورات؟!
** في 12 يوليو من العام الماضي قام حزب الله بعمليةِ أسْرٍ لجنديَّيْن صهيونيَّيْن من داخل الخط الأزرق، بعدما بدا له أنَّها الوسيلة الوحيدة لتخليص الأسرى اللبنانيِّين من سجون الاحتلال، وعلى ما يبدو فإنَّ الحزب لم يكن يتوقع أنْ تجرَّ عملية الأسْر هذه حربًا تدميريَّة بهذا الحجم، وقد صرَّح الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله بما يفيد هذا المعنى، لكنْ وقعت الحرب، وصمدت المقاومة، وصمَد معها كل الشعب اللبناني، وسطَّروا هذا الانتصار الكبير أمام أقوى آلة عسكرية في المنطقة.
ونحن في الجماعة الإسلامية لا يمكن إلا أنْ نكون مع المقاومة، وهذا ما فعلناه طيلة الحرب؛ إذ حاصرنا قدْرَ المستطاع الأصوات النشاز التي لا عمل لها إلا التَّخذيل أمام عدوٍّ تاريخيٍّ شرسٍ، ولو ألبس هؤلاء طروحاتِهم زيَّ الشرع أو الوطنية.
لقد وقفنا في وجه هذه الأصوات، في الخارج والداخل، وجمعنا كافة القوى والحركات الإسلامية على دعم المقاومة، وصمودها البطولي، كما حاولنا قدْر المستطاع التخفيف من حدَّة الانتقادات الداخلية التي وُجِّهَت لحزب الله جرَّاء عمليته هذه.
لكنَّ هذا الموقف المبدئي لا يمنعنا- خصوصًا بعد مرور سنة على هذه الحرب- من التوقف أمام جملة ملاحظات:
- لقد كشفت الحرب الانقسام الحقيقي حول سلاح المقاومة، وهو انقسام كان يمكن تفاديه لو استكملت طاولة الحوار اللبناني نقاطَ بحثِها لتصل إلى النقطة الأبرز المسماة "الإستراتيجية الدفاعية"، لا سيما أنَّ نوايا العدو الصهيوني كانت مبيَّتةً، وقد نُقلت تحذيراتٌ واضحةٌ من أطراف لبنانية إلى قيادة حزب الله بهذا المعنى.
- بالنسبة لمكان العملية فإنَّ وقوعَها عند الخط الأزرق وليس في المنطقة المحتلة أي في مزارع شبعا زاد من فرص وقوع الحرب.
- وبوجهٍ عامٍ، لا يجرؤ أحدٌ في لبنان أن يقول إنه ضد المقاومة بالمطلق، ولا أن يقول إنه ضد احتفاظ لبنان بعوامل القوة التي ثبت بالبرهان الأسطع جدواها؛ لذا فإننا نعتقد أن اتفاق اللبنانيين على إستراتيجية دفاعية سيقوِّي المقاومة ويحميها، وقد طرحتُ في 4/10/2006م رؤيةً باسم الجماعة للإستراتيجية الدفاعية تقوم على عدة عناوين، من بينها اعتبار المقاومة الشعبية جزءًا من "الإستراتيجية الدفاعية".. اقتصار المقاومة على الجانب الدفاعي.. شمولها كل مناطق الجنوب وكل المذاهب فيه.. والتكامل مع الجيش اللبناني، وللأسف لم تأخذ هذه الإستراتيجية حظَّها من النقاش، فقد نشبت الحرب، ثم انتقلنا إلى صراع داخلي بغيض ما زلنا نعيشه إلى اليوم.
* كيف تُقيِّمون الوضع الأمني والسياسي الراهن في لبنان من وجهة نظركم؟ ومَن أبرز اللاعبين في الساحة؟
** الأمن في لبنان كما في كل العالم يهتزُّ عندما يكون أبناء البلد الواحد متخاصمين ومتدابرين، كما هو حالنا اليوم في لبنان، وقد أدَّى الانقسام السياسي الحادّ في البلد إلى نوعٍ من التطييف، وهي آفةٌ طالما طبعت الحياة السياسية في لبنان، وقد أفضت تداعيات حرب يوليو من العام الماضي إلى أزمة هي من أخطر الأزمات الكثيرة التي مرَّت على لبنان، فالوضع السياسي مأزوم بانقسام السلطة بين رئيس جمهورية ممدَّد له ولا تتعامل معه أكثر الدول، وحكومة تتمتع بثقة مجلس النواب لكنَّ رئيس الجمهورية يعتبرها غير موجودة، ومجلس نواب ممنوع من الاجتماع، ونحن ننتظر في أي لحظة مفاجأةً سياسيةً يقوم بها الرئيس إميل لحود قبل انتهاء ولايته.
أما الوضع الأمني فهو متدهور في الشمال، ونحن ننتظر أيضًا مفاجأةً أو أكثر في عمليات للوزراء أو النواب من فريق "14 آذار".. هذه الأزمة المتفاقمة لا يمكن أن تهدأ إلا إذا أمكن التوافق على رئيس جديد للجمهورية، وهو توافُق يجب أن يبدأ إقليميًّا (سوريا- السعودية- إيران- مصر) ثم دوليًّا، ليتم إخراجه بعد ذلك كتوافق بين القوى اللبنانية المتصارعة.
* ما رأيكم في أسباب الاضطرابات الأمنية الأخيرة في لبنان؟
** فريق "14 آذار" يَعتبر أن التفجيرات والاغتيالات التي أعقبت محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة- بما فيها اغتيال الرئيس رفيق الحريري- من صنع النظام السوري، فإن لم يكن هو مباشرة فأدواته أو القاعدة التي يصدِّرها إلى لبنان، كما أن هناك اتهامًا لأمريكا والقاعدة في كل هذه الأحداث، ويبالغ بعضهم ليصل إلى حدِّ اتهام السلطة في لبنان باحتواء جماعات معينة لتقوم بهذه الأعمال.
إننا في الجماعة الإسلامية ضد اتهام أي طرف بلا دليل أو بيِّنة، ونحن ندعو الجميع إلى عدم المسارعة في الاتهام.. نحن لدينا قراءتنا السياسية كما لغيرنا، لكننا نتحفَّظ عن اتهام أحدٍ، لا سيما في هذه الظروف الحساسة التي يمر بها لبنان.
* قضية تشكيل المحكمة الدولية في قضية اغتيال رفيق الحريري بين المعارضة والموالاة، كيف تنظرون إليها؟!
** المحكمة الدولية مطلب محقّ، كنا نتمنَّى أن يتوافق اللبنانيون عليه، فيُخرجونه من بازار الصراعات السياسية، لكنَّ إقفال أبواب المجلس النيابي وخروج وزراء 8 آذار من الحكومة حالَ دون إقرار المحكمة في لبنان، فانتقلت إلى مجلس الأمن.
عمومًا فإن هذه المسألة أصبحت وراءنا، وموقفنا أن المجرم المتورِّط في جريمة اغتيال الرئيس الحريري- والجرائم التي تلته- لا بد أن يأخذ جزاءه، ليس من باب الانتصار للمظلوم فقط، ولكن حتى يتوقف هذا المسلسل، وينتهي الاغتيال السياسي في لبنان.
* نود أن نعرف من فضيلتكم طبيعة موقف الجماعة الإسلامية في لبنان مما يجري من أحداث في مخيم نهر البارد؟ ما هو موقفكم؟ وهل شاركتم في جهود الهيئات السياسية والإسلامية اللبنانية التي سعت لاحتواء الأزمة؟
أحداث نهر البارد
** بالنسبة لأحداث نهر البارد مع الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي والمدنيين اللبنانيين والفلسطينيين الذين أصابهم السوء جرَّاء ما قام به تنظيم فتح الإسلام، وبعيدًا عن الاتهامات التي تُلقى من هذا الطرف أو ذاك، فإننا نرى أنه يريد مقاتلة الصهاينة، فيما واقعه يقول إنه يذبح العسكريين اللبنانيين ويخرِّب الواقع الأمني والاجتماعي في لبنان، ولا سيما في عاصمة شماله طرابلس، ونحن لا نقبل الادِّعاء بأنه استُدرِج لمقاتلة الجيش اللبناني، بل هو مهيَّأٌ سلفًا لكل أنواع القتال الداخلي انطلاقًا من تكفير كلِّ من يخالفه الرأي، أما مساعي احتواء الأزمة فقد قامت بها جهةٌ وحيدةٌ هي رابطة علماء فلسطين، وكنا على تشاوُر دائم، لكنَّ جهودها باءت بالفشل بسبب إصرار (فتح الإسلام) على عدم الاستسلام للجيش.

* ما موقفكم من قضية تشكيل حكومة وحدة وطنية على صيغة (11+ 19) أو أي صيغة أخرى مطروحة؟
** قضية تشكيل حكومة لبنان وفق صيغة (11+ 19) أصبحت غير ممكنة عمليًّا، فالوقت لم يعُد يتسع لمناقشة تشكيل هذه الحكومة فيما نعتقد، ومداولات السيد عمرو موسى كشفت أن القضية الأساس الآن هي الاستحقاق الرئاسي؛ لذا ندعو إلى أن تنصبَّ كلُّ الجهود للتوافق حول رئيس جديد للبلاد، وعندها سوف تُعتبر هذه الحكومة مستقلةً حكمًا؛ لأن الدستور ينص على ذلك، وستكون فرصة التوافق على رئيس جديد مدخلاً للتوافق على حكومة وحدة وطنية، تُخرج البلاد من أزمتها، أما إذا لم يحدث التوافق- لا سمح الله- فإن الموقف في لبنان سيكون خطيرًا للغاية.
* نود أنْ نعرف ما هي طبيعة العلاقات التي تربطكم بباقي الأطراف الفاعلة في لبنان؛ سواءٌ تيار المستقبل والموالاة عمومًا بكل أطيافه، أو تيار المعارضة، بما فيه من قيادات حزب الله والتيار الوطني الحر وسائر القيادات.
** لسنا جزءًا من فريق 8 آذار أو 14 آذار، ونحن نحافظ على علاقات حسنة مع الجميع، لكنَّ لنا مواقفَنا المستقلة التي تتفق أو تختلف مع هذا الطرف أو ذاك.. إننا في الجماعة الإسلامية ننطلق من مشروعنا الإسلامي ومن رؤيتنا الوطنية للواقع في لبنان، فأحيانًا يتفق موقفنا مع فريق، وأحيانًا يتفق مع الفريق الآخر، وعمومًا فإن الأسماء التي ذكرتها تمثِّل حيثياتٍ شعبيةً في لبنان، ونحن نتعاطى معها جميعها على هذا الأساس، بغض النظر عن مواقفها السياسية.
بالنسبة لتيار المستقبل على وجه الخصوص ورئيسه الشيخ سعد الحريري، فإننا على تواصُل مستمرٍّ معه، بحكم اشتراكنا في ساحة شعبية واحدة، وعلى تواصُل أيضًا مع الرئيس فؤاد السنيورة؛ باعتباره يمثل المرجعية الإسلامية الرسمية.
كما أن علاقتنا بالسيد حسن نصر الله وقيادة حزب الله تستمدُّ قوتها من اشتراكنا في خلفيةٍ إسلاميةٍ للصراع مع العدو الصهيوني، وهي علاقة قديمة بدأت منذ نشأة حزب الله ولم تنقطع، وهذه العلاقة ليست مرتبطةً بمواقف حزب الله المتعلقة بالشأن الداخلي الذي نختلف معه في الكثير منها، ونحرص أيضًا على وجود علاقات طيبة مع جميع أطياف ورموز المولاة والمعارضة بدون استثناء.
![]() |
|
أميل لحود |
* تتنازع العلاقات السورية اللبنانية آراء متباينة.. ما علاقتكم بالنظام السوري؟!
** بالنسبة للنظام السوري نحن ندعو هذا النظام إلى تجنُّب الكثير من الانتقادات والخصومات مع شريحة واسعة من اللبنانيين، ونعتقد أن هذا الأمر ممكن إذا ما أجرَى النظام السوري تقييمًا موضوعيًّا للعلاقة مع لبنان، بعيدًا عن الفعل وردة الفعل، وإذا تجاوز مسألة خروج الجيش السوري من لبنان باتجاه تكريس التواصل العميق بين الشعبَين لمواجهة العدوان الصهيوني المستمر.
* والمملكة العربية السعودية؟!
** المملكة العربية السعودية جهودُها في الإعمار بعد الحرب المدمرة في العام الماضي، ووقوفها إلى جانب الدولة اللبنانية، وإلى جانب الاقتصاد اللبناني، ثم ممارسة دور الوسيط النزيه للجمع بين اللبنانيين.. كل ذلك يجعلنا ننظر باحترام إلى الدور الذي تقوم به.
* وفرنسا والولايات المتحدة؟
** الموقف من فرنسا كالموقف من العديد من الدول الأوروبية، التي تنظر إلى الصراع ضد العدو الصهيوني بعين واحدة.
أما موقفنا من الولايات المتحدة الأمريكية فهو أشد حدَّةً، ونحن لا ننسى أنها كانت شريكًا كاملاً في عدوان تموز، كما أن دورَها التخريبي في المنطقة غير خافٍ على أحد، ويكفي أنها تساند دولة الاحتلال على أرض فلسطين، وتحتل أرض العراق وتنكِّل بشعبه.
