-  د. حمدي السيد: إلغاء التكليف يهدد بكارثةٍ على الأطباء والمرضى

-  وكيل وزارة الصحة: الامتياز كافٍ للتدريب والعمل بعد ذلك بالطلب

-  د. أكرم الشاعر: حل أزمة زيادة الأعداد لا يكون على حساب المرضى

 

تحقيق- لمياء شرف

التحذير الذي أطلقته نقابة الأطباء المصرية حول قرار وزير الصحة بإلغاء تكليف الأطباء، وأن الوزارة تحتاج فقط إلى 3500 طبيب سنويًّا تقوم بتعيينهم، وأن هناك فائضًا في السنوات السبع القادمة قدره سبعون ألف طبيب لن تلتفت إليهم الوزارة؛ هذا التحذير لم يكن من باب الدفاع عن الحقوق النقابية لهؤلاء الخريجين، وإنما هو من باب التحذير من إهدار الطاقات البشرية والمادية وتدمير مهنة الطب؛ لأن التكليفَ والعملَ بعد التخرج هو استكمالٌ لتدريب الأطباء وإعدادهم للتخصص ولحسن أداء المهنة، ولا يمكن للنقابة أن تقبل بقاء الأطباء بلا عملٍ ولا تدريبٍ بعد التخرج.

 

موقف النقابة التي هددت بالتصعيد لوقف هذا التوجه لدى الوزير، فجَّر العديدَ من التساؤلات عن هدف حكومة نظيف من هذا القرار، وهل إلغاء التكليف يُعدُّ مقدمةً لخصخصة الصحة، خاصةً أن وزيرها صاحب أكبر مستشفى استثماري؟ وما موقف هؤلاء الأطباء الجدد إذا كان التكليف هو التدريب العملي لهم؟.. كل هذه التساؤلات وغيرها طرحناها في هذا التحقيق.

 

في البداية ترى الطالبة فاطمة الزهراء بالفرقة السادسة أنه لا يمكن الاستغناء عن التكليف؛ لأنه يعتبر سنوات صناعة الطبيب، خاصةً أنَّ كل ما مروا به في السنوات الدراسية يعتبر تعليمًا نظريًّا، والتعليم العملي يبدأ في سنوات التكليف، ولكنها أبدت اعتراضها على توزيع الطلاب على المستشفيات عند التكليف؛ لأنه يتم توزيعهم حسب مجموع  التقديرات التي يحصلون عليها في السنة النهائية، فمن الممكن أن يكون توزيع إحدى الفتيات في محافظةٍ غير المحافظة التي تُقيم فيها، كما أبدت اعتراضها أيضًا على الراتب الذي يحصلون عليه فقالت: "المشكلة ليست في الفتيات، ولكن كيف لشابٍ أن يبدأ حياته بـ200 جنيه.

 

وهو ما اتفقت معه زميلتها هند محمود بالفرقة السادسة بأنهم بعد سبع سنوات دراسة لا يمكنهم تشخيص المرض، ويرجع ذلك لسوء المنظومة التعليمية والتدريبية بكليات الطب، أما عن رأيها في عدد سنوات التكليف فأكدت أهميتها لكونها سنوات عملية وتمنحهم الخبرة.

 

وقالت الطالبة هبة سالم بالفرقة السادسة: إن التكليف مهم رغم كل ما فيه من مساوئ بما فيه التوزيع الجغرافي، وبررت أهميته بأن مستشفى التكليف غالبًا ما تكون مستشفى التعيين بعد التخرج، وقالت إنه إذا أُلغي نظامُ التكليف وأصبح بالإعلان لا نضمن أماكن توظيف في المستشفيات، ولن نضمن عدم وجود شروطٍ تعجيزية، ولن نضمن حدوث العدل في القبول.

 

الطالبة صفاء حسن بالفرقة السادسة لا يفرق معها إذا تمَّ إلغاء نظام التكليف أو استمرَّ، ولكنها تريد أن تضمن لها وزارة الصحة مستوى تعليمي عالٍ يتساوى بالتعليم داخل مستشفى قصر العيني خاصةً أو المستشفيات التعليمية عامة.

 

وتوضح الدكتورة رانيا السيد (النائبة في مستشفى قصر العيني التخصصي) الفرقَ بين سنوات التكليف وسنوات النيابة، فهي سنوات يلتحق فيها الطالب بالتدريب العملي بأحد المستشفيات، ولكن 150 طالبًا من أوائل الدفعة يحصلون على تدريبٍ في مستشفيات التعليم الجامعي مثل (قصر العيني ومعهد ناصر ومعهد الأورام)، ويُسمَّى الطبيب نائبًا، أما باقي الفرقة فتحصل على التدريبِ في أحد مستشفيات التأمين الصحي أو الوحدات الصحية ويُسمَّى طبيبًا مُكلَّفًا، وينتقل هذا الطالب إلى النيابة بعد مناقشة رسالة الماجستير، كما لم تُنكر أهمية سنوات التكليف والنيابة، ولكنها أبدت اعتراضها على الراتب الذي يحصل عليه النائب على الرغم من كونه في تميزٍ عن الطبيب المُكلَّف، فهو لا يزيد على 390 جنيهًا.

 

وعند سؤالها عن سنة الامتياز، وهي تعتبر السنة التدريبية في سنوات الدراسة، فأكدت أن الطالبَ لا يحصل على أي تدريب في هذه السنة، فدوره يقتصر على إحضار أكياس الدم والشاش والقطن.

 

كارثة على المرضى

 

 د. حمدي السيد

الدكتور حمدي السيد (نقيب الأطباء ورئيس لجنة الصحة بمجلس الشعب) يُحذِّر من خطورةِ إلغاء هذا التكليف لما يعود به سلبًا على صحة المواطنين؛ حيث يؤدي إلغاء التكليف إلى عدم تدريب الطبيب وعدم كفاءته في ممارسة المهنة؛ مما يُؤثِّر على صحة المواطنين بعد ذلك.

 

ويشير إلى أن خريجي كليات الطب في الوقت الحالي، ومستقبلاً، ليسوا مؤهلين لممارسة مهنة الطب بشكلٍ مستقل، ولا بد من وجود إشرافٍ عليهم، وأن يخضعوا لتدريبٍ يستمر أربع أو خمس سنوات بعد التخرج، مؤكدًا أن التعليم لم يعد وحده يؤهل لممارسة الطب، ولم يعد هناك طبيب كشكول كما كان في الماضي؛ لأن مهنة الطب تشهد في الوقت الحالي نحو 36 تخصصًا يتفرَّع منها أضعاف هذا العدد في تخصصاتٍ أخرى، وكل منها في حاجةٍ لتدريبٍ وإعداد.

 

ويرى أن التكليف ضرورة لا بد من استمرارها في منظومة التعليم الطبية لخريجي كلية الطب، كما نفى السيد أن يكون هناك رباط بين موضوع تكليف الأطباء والكادر الخاص الذي يسعى لتطبيقه لضمان  حدٍّ أدنى لأجر الطبيب، مؤكدًا أن الموضوعَيْن مختلفان تمامًا عن بعضهما.

 

مشيرًا إلى أن كليات الطب المصرية تخرج فيها العام الماضي 10 آلاف طبيب، وأنه تمَّ خلال هذا العام الدراسي قبول نحو 13 ألف طبيبٍ في كليات الطب؛ مما يدعو إلى أهمية وضع برامج وآلية قوية لتدريبهم وإعداد برامج للتعليم الطبي المستمر.

 

وأضاف نقيب الأطباء: أن إلغاء التكليف سيؤدي إلى مزيدٍ من البطالة بين خريجي كليات الطب في الوقت الذي تتوسع فيه الدولة في إنشاء كليات طب خاصة مع زيادة أعداد المقبولين في كليات الطب الموجودة رغم مطالباتنا مرارًا وتكرارًا بتخفيض أعداد المقبولين، فكل هؤلاء سينضمون تلقائيًّا لطابور البطالة بعد أن يتم حرمانهم من التكليف الذي يلزم الأطباء بالعمل في المستشفيات العامة والوحدات الصحية بعد سنة الامتياز، وهو يلزم الطبيب بالعمل عامين، ويمكن مدهما إلى خمسة أعوام في حال طلب الطبيب بذلك.

 

وأوضح الدكتور حمدي السيد أن نقابة الأطباء رفعت قضيةً على الحكومة حين رفضت تكليف الأطباء من خريجي كليات الطب الخاصة، وأن القضيةَ ما زالت متداولةً؛ لأن النقابةَ تقف ضد ترك خريجي الطب بدون تدريبٍ أو إشرافٍ عليهم، يؤهلهم لممارسة المهنة بشكلٍ مستقل، وقال: خريجو الطب الذين لا يتلقون أي تدريبٍ بعد تخرجهم، لا يمكن اعتبارهم أطباء، وسيتسببون في كارثة.

 

عام 2014م

أما الدكتور نصر السيد (وكيل أول وزارة الصحة) فقال: إن إلغاء التكليف هو أحد الأفكار المطروحة فعليًّا وتتم مناقشته ودراسته، ولكن في حال تنفيذه سيكون قبل الثانوية العامة في العام المقبل ليتم العمل به بدايةً من خريجي عام 2014م.

 

ويرى د. نصر السيد أن إلغاء التكليف لا يحرم الطالب من فرصة التدريب أو العمل؛ لأن التدريب يتلقاه الطالب في سنة الامتياز ثم بعد ذلك أثناء عمله في أي مستشفى يطلب أطباءً، كما أن العمل سيكون متاحًا من خلال طلب الجهات التي تحتاج لأطباء وستأخذ مستشفيات ومراكز الوزارة بالطبع الكثير من الخريجين، لكن حسب حاجة السوق، وليس كل الخريجين، كما يحدث حاليًا.

 

الطب وأندونيسيا

 الصورة غير متاحة

د. أكرم الشاعر

ويرى الدكتور أكرم الشاعر- عضو الكتلة البرلمانية للإخوان- أن التكليف ضرورة، وأن أهميته تعود لصالح الطبيب والمريض في آنٍ واحد، فالتكليف مرحلة من مراحل التعليم الطبي، ومعه نأمن من حدوث أخطاء  طبية، ومن أي خطورةٍ تهدد المريض.

 

كما قدَّم لنا مقارنةً بين الطب في أندونيسيا والطب في مصر، مشيرًا إلى أن عدد الأطباء في أندونسيا 70 ألف طبيب وعدد سكانها 220 مليون نسمة، أما الحال في مصر فهناك 180 ألف طبيب وعدد سكان مصر 75 مليون نسمة، ورغم هذا الفرق لم نجد في أندونيسيا الأمراض المنتشرة في مصر من سكر وارتفاع ضغط الدم والكبد الوبائي وغيرها من الأمراض، وبناءً على هذه المقارنة أكد على احتياجنا لتسويق هذه الكوادر، فهذه الكوادر أُنفق عليها أموالٌ من قِبل وزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة من أجل أن يكونوا أطباءً، وتساءل لماذا لم تقم الحكومة المصرية ببروتوكول يعمل على تسويقهم في البلاد المحتاجة للأطباء؟

 

بدل ندرة

وأكد الشاعر أنه يجب طرح فكرة تقليل عدد الأطباء جانبًا، مشيرًا إلى أنه لا يهم الكم بقدر ما يهمنا الكيف، إلا أنه عاد وطالب بتقليل عدد طلاب الطب بالجامعات الخاصة لسوء التعليم الطبي داخلها.

 

كما أكد مناقشتهم لهذا القرار داخل لجنة الصحة؛ حيث اقترحوا عملَ مشروع بدل ندرة بتخصيص منحة للأطباء في الأقسام التي يندر بها الأطباء ليزيد عدد القابلين على هذه الأقسام ورفع نسبة الكفاءة التدريبية فى الجامعات والبحث عن مصادر لاستغلال هذه الزيادة العددية، كما أكد على أن إلغاء سنوات التكليف هي مساهمة في زيادة عدد البطالة وتضخم وتعقد مشكلة البطالة في مصر.

 

بيع الدولة

في الجانب الاقتصادي أوضح الدكتور عادل المهدي- رئيس قسم الاقتصاد بكلية التجارة جامعة حلوان- أنَّ تنفيذَ هذا القانون يسير في الإطار العام للدولة من بيعِ أملاكها والسير في طريق الخصخصة، مؤكدًا أن ضرر تنفيذ هذا القانون عائد على المواطن محدود الدخل لما يحدث من غلاءٍ في أسعار الكشف عند الأطباء، وما يترتب عليه من تدهور أحوال المرضى، وتوقَّع أن تنفيذ هذا القانون يحل مشكلة الحكومة ولكنه يُفجِّر مجموعة مشاكل، ومنها قلة المستوى المهني لدى الطبيب وانخفاض مستوى الخدمة في المناطق النائية والأرياف، ونسبتها في مصر 70%، وهذا يؤكد زيادة نسبة المرض، وبذلك يتم تكدس الأطباء في القاهرة والمناطق الحية.