الصورة غير متاحة

 د. سعد البازعي

 

إن في الإبداع العربي الحديث خطابًا مقاومًا للاستعمار على نحو معقَّد ورفيع، بهذه العبارة التي صاغها سعد البازعي من خلال قراءته لكتاب الأمريكية تيري دي يونغ عن بدر شاكر السياب وعراق ما بعد الاستعمار- يمكننا أن نقدِّر هذا الكتاب الذي نناقشه، وهو كتاب (شرفات للرؤية: العولمة والهوية والتفاعل الثقافي) للدكتور سعد البازعي الأكاديمي السعودي والناقد المعروف.

 

والكتاب يغتال كثيرًا من الأفكار المتوطنة في الوعي الثقافي العربي المعاصر، فيما يُشبه فعل "إسرائيل" مع الأرض المقدسة في فلسطين.

 

والمؤلف يدخل في تصوره لمحور الكتاب الأول وهو العولمة حاملاً اشتراطات ثقافية وحضارية لا يملك القارئ إلا تقديرها واحترامها، يقول إن من أبرز شروط التفاعل الجاد مع وضع العولمة هو التخلص من الآمال المثالية في الاحتفاظ بهويات نقية، أو أوضاع ثقافية واجتماعية شديدة الخصوصية، وخالية من توترات الآخر (ص11) وهو في هذا ليس داعية تميع أو ذوبان، بل لعل في ذكره لهذا الشرط يذكِّرنا إجمالاً بأن الوضع المثالي المتطلع إليه لم يكن معروفًا في ثقافتنا العربية والإسلامية في أوجِ مجدها، وهذا صحيح.

 

بل يمكننا أن نضيف أن ثمة نصوصًا يمكن أن يفهم منها في مستويات قرائية غير ظاهرة التفاعل مع ذلك الآخر في مثل حديث "الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها"، وهذا هو ما فهمه ابن رشد الفيلسوف في رسالته المهمة (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال)، عندما قرر أننا إذا ألغينا للآخر إسهامًا موافقًا لروح ثقافتنا أخذناه وشكرناه عليه وإن ألغينا له غير ذلك صوبناه.

 

ويصرِّح البازعي في شرط آخر إلى أن التعامل الجاد مع ظاهرة العولمة يقتضي التخلص من الاعتقاد القاضي بأن تبنِّي مناهج أو طرائق معينة في التفكير من الغرب سيؤدي إلى إحداث نقلة نوعية إلى الأفضل في تركيبتنا الثقافية، وبهذا الشرط تتضح فيه مساهمة البازعي، ويجنّب كتابه سوء الفهم الذي يحلو للكثيرين قراءة أمثال هذه الكتب من خلال نظارة التربص!!

 

البازعي يقر مبدأ الخصوصية الثقافية المرنة من جانب والحاكمة في اختيار ما يمكن تنبيه مما هو قادر على التأثير في مجتمعاتنا الإسلامية.

 

وبعيدًا عن رصد البازعي تناقضات خطاب النخب الثقافية في تعاملها مع الحضور المهيمن للثقافة الغربية فإنه قد أدرك بأن ثمة خيطًا مهمًّا يصل الثقافة المعاصرة في تجلياتها الإبداعية بتراث الأمة مما ينبغي أن يُقرأ من زاوية المقاومة التي سبق لتيري دي يونغ التقاطها وإظهارها فيما كتبه عن بدر شاكر السياب وأدبه في مواجهة الاستعمار.

 

إن الطريق نحو شخصية واعية مستقلة يكمن في فعل شيئين، هما:

1- أن التطور معرفتنا بأنفسنا وواقعنا.

2- وألا تتردد في محاورة غير منبهرة بما لدى الغرب، بمعنى الأخذ منه في حدود ما يسمح به واقعنا، ينبغي أن تبقى ملامحنا، وينبغي أن تبقى الهوية الإسلامية على ملامحها ثقةً بأنها تحمل ملامح فاتنة!!

 

وبالإمكان الربط بين محور العولمة ومحور الهوية، من خلال الافتراض القائل بأن الهوية في الواقع العربي الإسلامي لعبت دورًا تحريريًّا من ناحية، ودورًا توحيديًّا من ناحية أخرى (ص 37)، وبعد استعراض النماذج البحثية لمفكرين عرب متنوعي التوجيهات استطاع أن يلمس البازعي برؤية ثاقبة ناقدة أن الهوية العربية تقوم على مرتكزات أساسية، عمادها الدين (وهو الإسلام غالبًا) واللغة والتراث؛ لما في ذلك من عمق تاريخي.

 

ويشير في السياق نفسه إلى أن ما بدا على السطح ما يشبه أن يكون ضعفًا أو انهيارًا أو تضعضعًا للمرتكزات هذه، على حدِّ تعبيره، لم يكن ذلك دائمًا لها، الأمر تغيَّر في المرتكزات بأقدار ونسب متفاوتة، وتقلبات كثيرة.

 

ولعل من المسكوت عنه في تحليل البازعي لدرجات التفاوت والتقلبات في المرتكزات الثلاثة للهوية العربية أن ثمة إعلانًا صاخبًا للانقلاب على بعض هذه المرتكزات، ويمكن التمثيل على ذلك بما يدور من نقاشات في الحالة المصرية حول ترسيخ مفاهيم العلمانية، (فيما تم تمريره من حظر استعمال الشعارات الدينية في الممارسة السياسية وسط معارضة صارمة من الإخوان المسلمين)، ومن جدل لم يُحسَم حول تطبيقات بعض نواتج الاحتكام المغلوط لمفهوم المواطنة، من الدعوة إلى حذف بند الديانة من أوراق الهويات أو البطاقات الشخصية والعائلية، وفيما يدور من نقاش حول إتاحة الفرصة لمدارس بعض المناطق في المملكة السعودية حول حرية اختيار لغة الدراسة، إلى غير ذلك من تداخلات الحديث عن هذه المرتكزات الثلاثة.

 

ويطرح البازعي سؤالاً محوريًّا في حقيقته أشبه شيء بالجرح النازف عندما يقول (ص 48) إلى أي حدٍّ؟! ومتى ستتطبَّع هذه الشخصية الحضارية بالصمود في وجه العقود المتتالية من التفرق؟! والسؤال التالي الذي يفرض نفسه من خلال هذه القراءة متى ستتم استعادة الهوية العربية؟!

 

ومن زاوية أخرى يمكن التعلق بالتصورات التالية في سبيل البحث عن طريقٍ لهذه الاستعادة للهوية، من خلال إدراك أن الاستعمار كان عاملاً فاصلاً في استثارة مفهوم الهوية في القديم القريب، والذي يحتاج إلى التعليق هنا هو هل انتهى الاستعمار؟! إن من الواجب استثمار الاستعمار القائم الآن في استثارة مشروع استعادة الهوية العربية.

 

ومرةً أخرى هل علينا أن نتعلم من اليهود أن تبقى مسألة الهوية مسألةً مركزيةً في الخطاب العربي؛ باعتبارها شكلاً من أشكال تنمية المقاومة وإزاحة الاستعمار؟! ربما..
ومن العجيب أن يتلمَّس دارسو الآداب اليهودية المعاصرة أن المكان في الآداب الصهيونية عبر عنه تعبيرًا داعيًا مستجدًا في مجمله من الكتاب المقدس (ص 59).

 

لقد كانت إعادة تسمية المكان طريقًا لاستعادة الهوية، فماذا فعل الشاعر العربي بأماكنه؟! صحيح أن عددًا من أدباء فلسطين عاشوا من خلال كتاباتهم حالة العودة الجمالية في بعض الأعمال الأدبية والشعرية، لكن هل كانت حالة العودة الجمالية هذه قادرة على تمكين الوعي العربي بضرورة استعادة الهوية والمكان؟ وهل وفَّى هؤلاء الأدباء المرتكزات الهوية الثانية على الدين (الإسلامي) واللغة حقها؟

 

إن جزءًا من الأزمة هو أن بعضًا من حملة الاسم الفلسطيني ينظرون إلى الهوية عبر نظارة متشككة، وهو ما لن يرضى أحدًا من الطرفين لا الفلسطيني ولا حتى عدوه!

 

إن روحًا متسربة تطل كالخلفية التي تقف عليها ملامح الصورة الكلية لكتاب البازعي يمكن أن نسميها إدارة الحرية وأحلام الانعتاق، ولعل ما يعزز ذلك تلك القراءة المقارنة لتوفيق الحكيم صاحب "يوميات في الأرياف" و"عودة الروح" في مواجهة وليم بتلريتس وتأمل التقاط الطائر أو العصفور في أعمال كلا الكاتبين يوحي بما يعانيه العرب المعاصر (استنباطًا) من دلالات الاغتراب التي يكمن وراءها لحظة من لحظات الصراع الحضاري المدعوم سياسيًّا.

 

ويستمر الخيط الذي يثير سؤالاً خطيرًا ملخصه هل الجبن أو مواجهة المقاومة والخروج والسكون طريق لضياع الوطن؟ هذا ما تفجره مثلاً "عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني بعد أن تهَّود ولده خلدون وتسمَّى بدوف.

 

إن الخروج فيما بدا من لوم هذا للفلسطينيين يمكن أن يقرأ متعانقًا مع إشكاليات ومرتكزاتها الأساسية مما يعيد إلى الأذهان مرةً أخرى ذلك الجدل الفقهي الذي وقع إبان الطرد الجماعي في الأندلس؟ وما قيمة النفس الحية وقد ضاعت هويتها وضاع وطئها؟!

 

صحيح أن كتاب البازعي مزيج بمعنى أنه يجمع شتاتًا لكنه في مجمله قضايا متشابهة قادرة على عكس التفاعل.

 

وفي الكتاب روح سيرية (بايوجرافية) منسربة لعل من ذكاء البازعي أنه أظهرها ليضمن لقارئه المتربص ألا يعاديه أو يستثير قلقه، فيفوت عليه التفاعل الإيجابي مع مادة كتابه، في معلومات التأثر بالمرحوم الدكتور حسن ظاظا بما عرف عنه من تحليله للثقافة اليهودية، وموقفه الصارم والعدائي لها ما يضمن للبازعي شيئًا من الحماية من سوء الظن.

 

وفي معلومات التأثر بالدكتور المسيري ما يضمن للبازعي أن يقرأ من زاوية غير المنتمي للغرب وأن كان متخصصًا في آدابه، باحثًا في نظرياته النقدية.

 

البازعي في هذا الكتاب رحالة من نوع جديد، لا رحالة جغرافيا يجوب الحدود ويصف التخوم وإنما رحالة حضاري عينه على الهوية ومخاطر العولمة وجماليات المكان وفعل المقاومة.

 

خالص التحية لمَن هيَّأ لنا بعضًا من القول في قضايا هي من أكثر وأعلى الأدب المعاصر أن يعني بها نفسه بحثًا عن سبيل الاستعادة الهوية ولتحديد مخاطر الاستعمار الذي لم يزل جاثمًا على الصدور.

------------

* قرأه وناقشه د. خالد فهمي إبراهيم