مما لا شك فيه أن للحركة الإسلامية مبادئ ومفاهيم وأفكارًا لا يمكن لأحد أن يزايد على أصالتها ورُقيِّها وعلوِّ مكانتها، بيد أنها تستمد هذه الأفكار وتلكم المبادئ من دستورها الخالد المتمثل في كتاب ربها وسنة نبيها صلى الله عليه وسلم، ورغم هذا فإنه من الممكن أن تصاب هذه الأفكار بشيء من الضعف لدى بعض أبناء الحركة الإسلامية، لا سيما أن الأحداث من حولهم تتداعى، ومعالم الطريق تتداخل وتتشابك.

 

ولا غرابة في ذلك فالدعوة إلى الله تعالى تمرُّ بمنعطفات خطيرة ومراحل صعبة للغاية، ومن الطبيعي أن تتغير اللغة التي يتكلم بها أبناء الحركة الإسلامية حسبما تقتضي طبيعة المرحلة الجديدة بما لا يتنافَى مع المبادئ والأصول الثابتة لديهم.

 

من هنا كان لزامًا على قادة الفكر وحُماته أن يراجعوا المفاهيم ويُصحِّحوا الأفكار بين الفينة والأخرى؛ حتى لا يحدث نوعٌ من تراكم الأغاليط والدخائل الفكرية، فتصعب حينها مهمة المربِّين في كيفية معالجة العقول من الأسقام الفكرية التي أصابتها، ولنا في رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام الأسوةُ الحسنةُ والمثلُ الأعلى في كيفية التعامل مع ما قد يحدث في هذا الصَّدد.

 

 الصورة غير متاحة
 

ومن أبرز ما ورد إلينا من أنبائهم قصة فتح عمر بن الخطاب لبيت المقدس وأبو عبيدة رضي الله عنه يراه على هيئة لا تصلح- دبلوماسيًّا- للمهمة التي خرج لأجلها، فهو أمير أكبر إمبراطورية على وجه الأرض، ومهمته سوف تكون حديث الأجيال القادمة، وستصبح منعطفًا تاريخيًا وحدثًا عظيمًا، يتيه في وصفه الأدباء، ويحار في نظمه الشعراء، فيستوقف أبو عبيدة أمير المؤمنين عمر ليُبديَ له ما لاحظه عليه، وهنا يقف عمر رضي الله عنه موقفًا حاسمًا حازمًا، ويصحِّح المفهوم الذي رآه قد غاب- ولو للحظة- عند أبي عبيدة رضي الله عنه، فينتهره بشدة وقسوة لم نعهدهما من عمر لأبي عبيدة قائلاً له: "لو قالها غيرك يا أبا عبيدة.. نحن قومٌ أعزنا الله بالإسلام، فإن ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".

 

إن الحركة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون لأن تسلك هذا المسلك العمريَّ في معالجة القضايا ومراجعة المفاهيم، وأبو عبيدة رضي الله عنه لم يرتكب محظورًا شرعيًّا، ولم يصدر منه ما يمكن أن يتناوله الفقهاء بما يجوز وما لا يجوز، ورغم ذلك نجد الفاروق رضي الله عنه ينتهز هذه الفرصة ليُقوِّم مفهومًا خشي أن يصيبه شيء من الخلل عند الأمين رضوان الله عليه.

 

ولا يحسبن أحد أن مهمة المربِّين وصانعي الأجيال سهلة، أو أن دورهم قد ينتهي بمجرد وضع الأصول الفكرية وطرحها عبر الوسائل المقروءة والمسموعة أو حتى عبر الوسائل العملية، ثمَّ بعد ذلك يتركون هذا النبت الذي زرعوه دونما رعاية متواصلة ومراقبة دائمة.

 

بل يظلُّ المربون هم العين الحارسة لعقول الدعاة مما قد يصيبها من الجراثيم الفكرية الملوثة.

 

ويظلُّ المربون هم صمام الأمان الأول ضد أيِّ عبث في بنية هذه الأفكار.

 

ويظلُّ المربون هكذا إلى أن تصير هذه الشجرة التي رعوها حقَّ رعايتها ولم تعْدُ أعينهم يومًا عنها ذات أصل ثابت غائر متجذِّر وفرعٍ يطاول عنان السماء.

 

ولنبتعد قليلاً عن دور المربين ومهمتهم، ولنحاول أن نقتفي آثارهم، ونسير في دروبهم، مشيرين إلى ما قامت باصطياده الخواطر من سماء الأحداث ولُججها؛ خشية أن تُحدثَ شيئًا من الإرباك في اصطفاف الأفكار لدى الدعاة إلى الله، وذلك عبر مفاهيم ثلاثة:

 

أولاً: طبيعة مهمة الدعاة إلى الله

لا شك أن لغة الخطاب لدى الحركة الإسلامية في السنوات الأخيرة بدأت تأخذ شكلاً يبدو- في ظاهره- مختلفًا مع بعض الم