![]() |
|
فهمي هويدي |
ما رأي جهابذة آخر الزمان وخبراء العصر والأوان في التصريحات الأخيرة للرئيس مبارك بشأن ما جرى في غزة, التي مسحت ما قالوه, فكذبت ادِّعاءاتهم، وصوَّبت أغاليطهم، وفضحت افتئاتهم وجهلهم بطبيعة الحدث ومراميه؟!
(1)
لعلي لا أبالغ إذا قلت إن الأسبوع المنصرم الذي بدأ يوم الإثنين قبل الماضي 25/6 كان أسبوع الحقيقة بامتياز، ذلك أننا شهدنا في الأسبوع الذي سبقه "مندبة" عالية الصوت, لطم فيها أولئك الجهابذة والخبراء خدودَهم، وشقُّوا جيوبهم, وتعالت صيحاتُهم مندِّدةً بـ"الانقلاب" الذي شهدته غزة, ومحذِّرةً من الزحف الإيراني على أرض فلسطين, ومستنفرةً الجميع ضد خطر "الإمارة الإسلامية" التي توقعوا إعلانها في غزة, وملوِّحةً بما يمثِّله ذلك من انقلاب موازين المنطقة وتهديد لأمن مصر القومي.
وبعد هذه الإثارة التي هيَّجت المشاعر تبيَّن أن الأمر كله ليس على النحو الذي توَّهموه وسوَّقوه؛ إذ كشفت تصريحات الرئيس مبارك عن أن أولئك الجهابذة تحدثوا عن أشياء توَّهموها أو تمنَّوها, ولا شأن لها بالحقيقة.
من باب ستر العورة لن أستعيد ما قاله إخواننا المذكورون وهم يحللون الأحداث ويعلِّقون عليها, فضلاً عن أن كلامهم تحوَّل الآن إلى ثرثرة ولغو لا قيمة له، لكني أحسب أن الكلام الجادّ والمفيد حقًّا في الموضوع هو ما عبَّر عنه الرئيس مبارك في خطابه أمام مؤتمر شرم الشيخ يوم الإثنين 25/ 6 وفي الحديثَين اللذَين أدلى بهما للتليفزيون المصري وصحيفة (يديعوت أحرونوت) يوم الثلاثاء 26/ 6 في هذه المناسبات الثلاث وضع الرئيس المصري أحداث غزة في إطارها الصحيح, بتركيزه على النقاط التالية:
* أن ما جرى في القطاع لم يكن انقلابًا, ولكنه أزمة داخلية بين القوى السياسية الفلسطينية.
* أنه لا سبيل إلى مواجهة تلك الأزمة إلا بالحوار بين الأطراف الفلسطينية المعنية.
* أن الأحداث في غزة تدحرجت أثناء الاشتباكات حتى أوصلت الأمر إلى ما وصل إليه.
* أنه لا دليل على تدخل إيراني مباشر في تلك الأحداث.
* أن سيطرة حماس على غزة لا تهدد أمن مصر القومي.
(2)
هذه الآراء التي عبَّر عنها الرئيس مبارك- في لحظة صدق وصفاء تُحسَب له- بدَّدت أهم الأساطير التي روَّج لها جهابذة آخر الزمان، لا أستطيع أن أعمِّم؛ إذ لم يخلُ الأمر من كتابات وتعليقات حول الموضوع اتَّسمت بالجدِّيَّة والنزاهة، ومقالة الدكتور عزمي بشارة التي نشرتها صحيفة (الحياة) اللندنية في 28/ 6 تعد نموذجًا لتلك التعليقات النزيهة.
ومن الملاحظات المهمة في تحليله إدانته لحملة التعليقات التي تناولت الأحداث من منطلق كون حماس حركة إسلامية، وتجاهلت كونها حركة مقاومة شعبية واسعة وعريضة، ربحت الانتخابات وحوصرت وتمَّ التآمر عليها، وقوله إن تلك التعليقات حوَّلت رابح الانتخابات إلى انقلابي، كما حوَّلت قادة الأجهزة الأمنية- الذين رفضوا الاعتراف بنتائج الانتخابات وأصبحوا أداةً في محاربة الحكومة- إلى ضحية للانقلاب.
ووصف بشارة هذه التعليقات بأنها: "نصوص غير مسبوقة في تلفيقها وقلة استقامتها ورهانها على عداء القارئ للحركات الإسلامية أو الخلط بينها, بشكل يَخجل منه حتى المستشرقون".
