في ضفة عباس انهمرت المراسيم الرئاسية كما ينهمر المطر، وظن الرجل أنه يعيش في دولة حرة مستقلة، وأنه رئيس حقيقي لدولة فلسطين، هي في الحقيقة محتلَّة وممزَّقة ومحاصَرة.

 

فبعد أن سيطرت حماس على قطاع غزة، واستتبَّ الأمن والأمان فيه، وانتهت ظاهرة الفلتان الأمني.. انفعل عباس بشدَّة لما حدث، فالرجل لا يستطيع أن يعيش بدون فلتان أمني ولا اضطرابات ولا إضرابات.

 

فأصدر إسهالاً من المراسيم الرئاسية العباسية، فكلما نام وقام أصدر مرسومًا، وكلما رمش أصدر مرسومًا، وكلما أكل وشرب أصدر مرسومًا، وكلما ضحك وغضب أصدر مرسومًا، وإذا مزح مع مستشاريه وسدنة نظامه أصدر مرسومًا!!

 

الغريب والمدهش في الموضوع أن عباس الضفة لم يُصدِر مرسومًا واحدًا صحيحًا من الناحية الدستورية، والذين يقولون لا.. إنه مرسوم واحد من حقه، وهو إعلان حالة الطوارئ التي خوَّلها الدستور الفلسطيني له، أقول لهم إن القانون الأساسي الفلسطيني بإعلان حالة الطوارئ ينص على: "عند وجود تهديد للأمن القومي بسبب حربٍ أو غزو أو عصيان مسلَّح أو حدوث كارثة طبيعية".

 

وإن قالوا إن ما حدث في غزة عصيانٌ مسلَّحٌ، أقول لهم هذا خطأٌ من حيث المبدأ والمضمون، فالعصيان المسلَّح يعني الانقلاب على الحكومة، أو تغيير النظام القائم، أو سحب الاعتراف بالشرعيات الموجودة، وهذا لم يحدث أبدًا، بل قامت السيطرة المسلَّحة على المقارِّ الأمنية لحفظ النظام والأمن ومساعدة الحكومة الشرعية على القيام بمهامها.

 

وإن أقال عباس الحكومة بنص المادة 45 من القانون الأساسي فهذا إجراءٌ باطلٌ؛ لأنه لا يوجد سببٌ واحدٌ فيه مصلحة للشعب الفلسطيني من إقالة الحكومة.

 

وحتى لو كانت الإقالة مقبولةً فلا يوجد في القانون الأساسي ما يسمَّى بحكومة إنفاذ طوارئ، حتى حالة الطوارئ لا يجوز مدُّها أكثر من شهر دون موافقة ثلثي المجلس التشريعي، وتبقَى حكومة السيد إسماعيل هنية حكومةَ إنفاذ أعمال حتى تشكَّل حكومةٌ جديدةٌ، يوافق عليها ثلثا التشريعي.

 

والحقيقة أن السيد عباس القابع في الضفة خالَفَ بمراسيمه الدستور والقانون الفلسطينيَّين كثيرًا.

 

وقبل الأحداث في غزة أصدر مرسومًا رئاسيًّا من النوع إياه عيَّن بموجبه محمد دحلان أمينًا عامًّا لمجلس الأمن القومي، مخالفًا القانون الذي يمنع تولِّي أعضاء التشريعي أيَّ منصب أمني، ثم أصدر مرسومًا آخر بحلِّ مجلس الأمن القومي بعد أحداث غزة..

 

لا أستطيع تذكُّر كل المراسيم العبثية الهزلية العباسية، ولكن سأحاول معكم تذكُّر بعضها، فبعد المراسيم المذكورة آنفًا أصدر عباس مرسومًا يعطِّل بموجبه بعض نصوص القانون الأساسي، وتعطيل سلطة التشريعي، ومد حالة الطوارئ وحكومة الطوارئ، وكلها مخالفات جسيمة، ومنها:

 

- مرسوم لحلِّ الميليشيات المسلَّحة في الضفة وغزة (يعني المقاومة المسلَّحة ضد العدو الصهيوني).

- مرسوم حل القوة التنفيذية.

- مرسوم حلّ كتائب عز الدين القسام.

- مرسوم إلغاء الجوازات الصادرة من غزة.

- مرسوم للشرطة الفلسطينية لرفض إطاعة الانقلابيين في غزة.

- مرسوم إقالة قادة الأجهزة الأمنية في غزة الموالين لعباس، والذين فشلوا في التصدي لكتائب القسام.

 

- مرسوم يحلُّ الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني، ويشترط موافقة السلطة على إنشائها.. "مراسيم مراسيم مراسيم" على وقْع لحن أغنية لمحمد رشدي "مراسيل مراسيل مراسيل"، ولست أدري كيف يتم إنفاذ هذه المراسيم لرجل لا يملك شيئًا من سلطة، فبعد الاكتفاء بالضفة دون غزة التي لم يعُد يسيطر عليها، فهي أيضًا محتلة، ولا توجد سلطة سوى سلطة الاحتلال فقط؟!

 

وعليه فعلى السيد عباس أن يكفَّ عن هذا العبث؛ لأن مراسيمه ستذهب أدراج الرياح ولا تساوي الحبْر الذي كُتبت به وستزيده ضعفًا على ضعفه.. فبعد أن كان عباس طوارئ وعباس مشاكل أصبح عباس مراسيم.

-----

* منية النصر- دقهلية.