عندما يحل علينا شهر يوليو من كل عام يسعد موظفو الدولة بالعلاوة السنوية، ولكن سرعان ما تنتهي هذه السعادة بموجة الغلاء التي تلتهم العلاوة السنوية، فالمواطنون يضعون أيديهم على قلوبهم خوفًا من موجة غلاءٍ جديدة‏ نتيجة لجشع التجار وغيبة جميع أشكال الرقابة، ولا تستطيع الأجهزة الرقابية بجهاز الدولة التصدي لذلك، ويرجع ذلك لضعف هذه الأجهزة وفساد الجهاز الإداري للدولة، وقد وضع النظام الإسلامي قديمًا نظامًا رقابيًّا صارمًا لمحاربة هذه المشكلة والقضاء عليها في إطار حماية النظام الاقتصادي والإداري للدولة من الانهيار، ويتمثل هذا في نظام الحسبة والتي تعني في اللغة العربية حسن التدبير والنظر في الأمور في إطار القاعدة الشرعية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"؛ وذلك تنفيذًا لقوله تعالى﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران).

 

نظام إداري ورقابي

نظام الحسبة من أهم النظم الإدارية التي استحدثها المسلمون؛ وذلك لحفظ الأمن واستقرار النظام بين الناس في المهن المختلفة حتى لا يحدث غش في البيوع أو الصناعات، وكان رسول الله- صلى الله عليه وسلم- يقوم بدور المحتسب في صدر الإسلام وفي أثناء مروره على الأسواق ذات يوم وجد رجلاً يبيع طعامًا قد أصاب البللُ جزءًا منه فقال له: "أفلا جعلته فوق الطعام حتى يراه الناس، من غشنا فليس منا"، وبعد فتح مكة استعمل الرسول- صلى الله عليه وسلم- سعد بن العاص على سوق مكة وسيدنا عمر بن الخطاب على سوق المدينة، واستمرَّ هذا الأمر معمولاً به في عهد الخلفاء الراشدين حتى إن سيدنا عمر كان يتجول في الأسواق ويضرب على أيدي المارقين على النظام والمغتصبين لحقوق الأبرياء.

 

واستمرَّ نظام الحسبة معمولاً به في العصر الأموي، ولكن هذه الوظيفة تبلورت معالمها في العصر العباسي؛ وذلك لظهور المذاهب الفقهية واتساع رقعة الدولة وازدهار التجارة والصناعة، وظهور الحاجة إلى مراقبة الأسواق بما فيها من صناع وتجار ومختلف المتعاملين فيها، ومع ذلك فقد اختلف المؤرخون بشأن الخليفة الذي استقرت الحسبة في عهده فجعلها البعض أيام المهدي أو الهادي أو الرشيد أو المأمون.

 

وقد عرفت مصر الحسبة منذ القرن 3ﻫ/ 9م، وكانت أعمالها موزعة بين القاضي وصاحب الخراج وصاحب الشرطة وصاحب المظالم والوالي أحيانًا أخرى، واستمرَّت الحسبة في العصر الإخشيدي، والفاطمي أيضًا جرت العادة أن يصدر ديوان الإنشاء سجلاً بتعيين المحتسب ويقرأ على منبر جامع عمرو ويُطاف به في موكب بالطبول والبنود، وكان المحتسب يجلس بجامع القاهرة والفسطاط يومًا بعد يومٍ ويطوف نوابه على أرباب المعايش.

 

وأصبحت الحسبة منصبًا مستقلاً منذ نهاية العصر الطولوني وفي الفترة السابقة على استقلال الإخشيديين بها، فقد وردت إشارات في المصادر تنم عن ذلك، وانتقلت الحسبة إلى العصر الأيوبي ومنه إلى العصر المملوكي حتى إن القلقشندي قد صنَّفها ضمن الوظائف الدينية ذات المنزلة العالية في الدولة؛ حيث جعل ترتيبها الخامس ضمن الوظائف الدينية، ولكن الحسبة فسدت في ذلك العصر لانتشار الرشاوى، وأيضًا لم تعد قاصرةً على رجال الدين من العلماء والفقهاء، بل شاركهم فيها الطبقة العسكرية منذ أن عهد بها السلطان المؤيد شيخ ولأول مرة إلى الأمير علاء الدين منكلي بغا عام 816ﻫ / 1413م.

 

شروط الوظيفة

اشترط الفقهاء فيمَن يتولى الحسبة أن يكون فطنًا، يقظًا عارفًا بأصناف المعايش والمهن المختلفة وله خبرة في الموازين والمكاييل، حتى يتوصل إلى حيل الباعة في الغش والتدليس، ويميز بين الصحيح وغير الصحيح، وأن يكون عفيفًا عن أموال الناس، متورعًا عن قبول الهدية من أرباب الصناعات فذلك رشوة، وقال الرسول - صلى الله عليه وسلم-: "لعن الله الراشي والمرتشي"، وأن يكون لين القول طلق الوجه، سهل الأخلاق، حتى يكون أبلغ في استمالة القلوب وحصول المقصود، وأن يكون خالص النية، بعيدًا عن الرياء، حتى يكون له في القلوب مهابة وجلالة، ومبادرة إلى السمع والطاعة، وأن يكون عدلاً ذا رأي وصرامة وخشونة في الدين، عارفًا بأحكام الشريعة، عالمًا بالمنكرات الظاهرة، لا يخالف قوله فعله.

 

الجهاز المعاون

كان للمحتسب معاونون من أهل الحرف والصناعات، وكان يتخذ رسلاً وغلمانًا وأعوانًا بين يديه بقدر الحاجة، ويشترط فيهم الفقه والصيانة والنهضة والشهامة، وكان يؤدبهم ويهذبهم ويعرفهم كيف يتصرفون بين يديه وكيف يخرجون في طلب الغرماء، وكان يعين لكل طائفةٍ من الصناع عريفًا، وفي ذلك يذكر المقريزي "كان في كل سوق من أسواق مصر على أرباب كل صنعة من الصنائع عريف يتولى أمورهم"، وكان هذا العريف مشهود له بالثقة والأمانة، ويشترط فيه أن يكون على درايةٍ تامة بأمور الحرفة التي يشرف عليها، وكانت وظيفته تتمثل في إطلاع المحتسب على أخبار أهل صنعته ويدله على مواضع الغش والتدليس الذي يلجأ إليه أحيانًا أصحاب الحرفة، كما كان للمحتسب نوابًا في بالقاهرة وسائر المدن والأقاليم التابعة له يتولون أعمال الحسبة فيها، وكان له سلطة تنفيذية مفوضة وهو ما عرف بالتعذير، كالردع بالقضاء والتوبيخ بالقول أو الضرب بالسوط أو الدرة والتشهير أو التجريس بأن يلبس المشهر به طرطورًا منقوشًا بالخرق الملونة، ومكبلاً بالودع والأجراس، وكان يُطاف به في الشوارع وهو راكبًا جملاً ويدق الجرس وهو يقول: "قد كذبت وها أنا أُعاقب، وكل من يقول الكذب فجزاؤه العقاب".

 

الدور الرقابي

وظيفة المحتسب من الوظائف التي كان لها شأنٌ كبيرٌ في المجتمع، وكان عمل المحتسب الأساسي هو الإشراف على السلع المعروضة في الأسواق والنظر في الموازين والمكاييل وصحتها ونسبها ومراقبة الأسعار، ومراقبة طوائف أصحاب الحرف على اختلافهم، كما تضمَّنت الحسبة كل ما يتعلق بالمعنى الديني والأخلاقي، كصلاة الجمعة والمحافظة على صلاة الجماعة، وأداء الزكاة وردع أهل البدع، والمحافظة على الأخلاق العامة، والمنع من المضايقة في الطرقات كمنع تعرض الرجال للنساء، ومراقبة الخانات وشاربي الخمر وتبرج النساء والدعارة، ومن اختصاصه أيضًا ما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وفي المكاييل والموازين، ويحمل الناس على المصالح العامة في المدينة.

 

وارتبطت وظيفة المحتسب بالسلطة القضائية لدرجة أنه كان يتولى أمرهما أحيانًا شخص واحد، وكان عمل المحتسب يلزمه السرعة في الإنجاز والبت في المخالفات التي تتعلق بالآداب العامة والأسواق والمعاملات التجارية وآداب الطريق، حتى لا تتوقف مصالح الناس وتضيع أمورهم ويتعطل سير الأعمال العامة، وكان ينبغي عليه أن يكون ملازمًا للأسواق يركب إليها في كل وقتٍ ويدور على السوقة والباعة ويكشف الدكاكين والطرقات ويتفقد الموازين والأرطال ويتفقد معايشهم وأطعمتهم وما يغشونه ويفعل ذلك في النهار والليل وفي أوقات مختلفة؛ وذلك على غفلةٍ منهم ويختم في الليل حوانيت من لا يتمكن من الكشف عليها بالنهار، ويكون معه أمين عارف يعتمد على قوله، ومع ذلك فكان لا يعتمد إلا على ما يظهر له ويباشره بنفسه ولا يهمل كشف الأسواق.

 

رقابة على الأسواق 

كان للإشراف الدائم للمحتسب على الأسواق بمراقبة الأفران وباعة الحليب وشوائي السمك والجزارين وغيرهم من المنتجات الغذائية دور كبير في ضبط حركة السوق، كما كان يقوم إبعاد الأسواق التي يُباع فيها العطارة مثلاً عن الأسواق التي يستخدم فيها نار بكثرة حتى لا تفسد العطارة وفي ذلك يذكر الشيرزي: "ومَن كانت صناعته تحتاج إلى وقود نار كالخباز والطباخ والحداد فعلى المحتسب أن يبعد حوانيتهم عن العطارين والبزازين، لعدم المجانسة بينهم وحصول الضرر، كما كان المحتسب يمنع دخول الأسواق كل ذي رائحةٍ كريهةٍ حتى لا يضر بصحة الناس، ولتجنب التسمم وانتشار الأوبئة، كما كان يقوم بمراقبة عملية البيع والشراء داخلها لضبط الحياة التجارية ومنع التجار من التلاعب بالأسعار ضمانًا لحفظ الأمن وحماية السوق من كل أشكال العبث والفوضى والتكتل الذي يُراد به إرغام المشتري على الشراء بالسعر المفروض.

 

كما كان يراقب أصحاب المهن مهما كان نوع المهنة، واستخدامه أساليب بارعة في كشف ومعرفة طرق الغش التي يلجأ بعض أصحاب المتاجر والصناعات إليها، وكان المحتسب يقر المعلم والطبيب والمهندس، كل منهم في عمله، إذا حسنت طريقته، ويمنع إذا قصَّر أو أساء، ويعاقب التجار المخالفين، ومَن أهم أدواره في ضبط حركة الأسواق.

 

مراقبة الموازين والمكاييل

كان المحتسب يراقب الموازين والمكاييل والأذرع حتى لا تضر بالمشتري، كما كان يأمر أصحاب الموازين بمسحها وتنظيفها من الأدهان والأوساخ في كل ساعةٍ فإنها ربما تحمل شيئًا في ثقبها فيضر بها، وربما يجمد فيها قطرًا من الدهن فيظهر في الوزن؛ لذلك وجب على الباعة مسحها وتنظيفها، كما كان يجدد النظر في المكاييل ويراعي ما يطففون به المكاييل، فللتجار حيل يحصل بها التطفيف، فكان المحتسب يدس صبي أو جارية ليشتري من التاجر الذي يشك في ميزانه أو مكياله ثم يختبر الوزن، فإن وجد نقصًا قاس على ذلك حاله مع الناس وإن لم يتب بعد الضرب والتجريس نُفي من البلد.

 

وكان المحتسب ومعاونوه يقومون على تنظيم أسواق الحبوب والسيطرة على الأسعار في أوقات الأزمات، فكان يحرم على العلافين والطحانين احتكار الغلة، أو خلط رديء الغلة بجيدها ولا قديمها بجديدها، فإنه تدليس على الناس، وإذا دعت الحاجة إلى غسل الغلة جففت بعد غسلها تجفيفًا بليغًا ثم بيعت منفردة، وكان يلزم الطحانين بغربلة الغلة من التراب وتنقيتها من الطين وتنظيفها من الغبار قبل طحنها، وكان يراقب مناخل الدقيق في كل ثلاثة أشهر أو أقل ويختبر الدقيق فإنهم ربما خلطوا فيه دقيق الحمص أو الفول حتى يزيده زهره وهذا غش.

 

كما كان المحتسب يراقب أيضًا أصحاب السفن والمراكب ويمنع أربابها من تحميلها فوق العادة؛ خوفًا من غرقها، وكذلك يمنعهم من السير في هبوب الرياح واشتدادها وإذا حملوا معهم الرجال والنساء حجزوا بينهم بحائل، وإذا اتسعت السفن نُصب للنساء مخارج للبراز لئلا يتبرجن عند الحاجة.

 

رقابة على الخبز

وكان المحتسب يلزم القائمين على صناعة الخبز بمراعاة النظافة العامة، وإذا ما عثُر المحتسب على خبزٍ ناقص الوزن أو لطيف الصنعة قليل الطبخ أو به اعوجاج أو أثر حرق أو غير ذلك من أوجه الفساد، فكان يأمر بالخبز أن يُكسَر ويقوم برمي الشيء الفاسد، وكان المحتسب يمنع الخبازين أن يغشوا الخبز بالكركم والزعفران وما يجري مجراهما فإنهما يوردان وجه الخبز ومنهم مَن يغشه بالحمص والفول، ويلزمهم ألا يخبزوه حتى يخمر فإن الفطير يثقل في الميزان والمَعِدة، وألا يخرجوا من بيت النار حتى ينضج نضجًا جيدًا، وأن ينشر على وجهه الكمون الأبيض والكمون الأسود والسمسم والينسون، وكان يأمر كل صاحب مخبز أن يصنع لنفسه ختم ينقش فيه اسمه ويطبع على خبزه ليتميز خبز كل واحد بطابعه حتى يستطيع المحتسب أن يُقيم الحجةَ على الفاسد منهم.

 

وكان يلزم القائمين على صناعة الخبز بغسل معاجنهم كل يومٍ وألا يعملوا قبل الفجر لما في هذا الوقت من قلةِ التحفظ لحدثان القيام من النوم وعليهم الاغتسال في أكثر الأوقات وغسل رؤوسهم ولاسيما في فصل الصيف، وكذلك أواني مائهم، كما يأمرهم المحتسب أن لا يعجن العجان بقدميه ولا بركبته ولا بمرفقيه لأنه ربما قطر في العجين شيء من عرق إبطيه وبدنه، ولا يعجن إلا وعليه عباءة ضيقة الأكمام، ويكون مُلثمًا أيضًا لأنه ربما عطس، أو تكلمَّ فقطَّر شيئًا من بُصاقه أو مخاطه في العجين، ويشد لئلا يسقط منه شيء في العجين، وإذا عجن في النهار فليكن عنده إنسان معه مذبة يطرد عنه الذباب، كذلك فقد حذَّر المحتسب من استخدام المياه المالحة أثناء عجن الدقيق لأن هذه المياه تجعل الخبز ذا مرارة، أما الماء الصالح  للعجين فهو الماء العذب.

 

كما كان المحتسب يتفقد الأفران آخر النهار ولا يُمكِّن أحدًا من صُناع الخبز من المبيت في ملابس العجين، ولا مكان فرش العجين، ويأمرهم بنشرها على الحبال بعد نفضها وغسلها في كل وقت، كما يأمرهم بكنس بيت النار ومسحه من الداخل بخرقةٍ نظيفةٍ، وخاصة في الأفران التي كان أصحابها يستخدمونها لشواء أنواع الأسماك المختلفة إلى جانب استخدامها في الخبز، كما كان يأمر القائمين على صناعة الخبز بتفريغ الماء المتبقي في الأواني بعد العجن؛ لأنه لو بقي تغيرت رائحته ثم يغسلها من الغد، كما يأمرهم المحتسب برفع سقائف أفرانهم ويجعل في سقوفها منافس واسعة للدخان وإصلاح المداخن ولم يقتصر دوره الرقابي على الأفران العامة بل كان يراقب الأفران بالمنازل.

 

مراقبة الجزارين والطباخين واللبانين

ومن أدوار المحتسب الرقابية مراقبة الجزارين وعدم تمكينهم من الذبح أمام دكاكينهم حتى لا يؤذوا المارة، ولكن إذا كانت دكاكينهم متسعة فيمكنهم من الذبح بداخلها، وإن لم يتوفر ذلك فعليهم الذبح في المجازر خارج البلد ثم تنقل إلى دكاكينهم بعد عرضها عليه، ليفحصها ويُسلَّم بطاقة مكتوبًا عليها السعر الذي يجب أن يُباع به اللحم ويلزم الجزار أن يلصق هذه البطاقة على اللحم بحيث يتمكَّن الجميع من رؤيتها وقراءتها، وكان يحذر عليهم ذبح البهائم المريضة، وإذا تغيَّر لون اللحم ألا يبيعونه مع اللحم الجديد، كما يلزمهم المحتسب بعدم ذبح البهائم الجربة حتى تُعالج مما أصابها والحوامل، وعليهم ألا ينفخوا ذبيحتهم عند سلخها لئلا ينفخ فيها من به بخر فيتغير طيب اللحم، وعلى الجزارين إذا فرغوا من البيع أن يأخذوا ملحًا مسحوقًا وينثر على القرمة التي يُقطَّع اللحم عليها لئلا يدود في زمن الحر ويأمره بأن يغطيها ببرش وفوقه أبلوحة فارغة مثقلة بالحجارة لئلا يلحسها الكلاب أو يدب عليها شيء من هوام الأرض (مثل الحيات وكل ذي سم يقتل) أو الحشرات، وكان المحتسب إذا شكَّ في الحيوان هل هو ميتة أو مذبوح كان يختبره بالماء فإن طفح فهو ميتة وإن رسب فهو حلال، وكذلك يختبر البيض والعصافير.

 

كان المحتسب يأمر الطباخين بتغطية أوانيهم وحفظها من الذباب وهوام الأرض بعد غسلها بالماء الحار، كما يلزم اللبانين بتغطية أوانيهم أيضًا، وأن يكون المكان مبيضًا مبلطًا، وأن يجعل ليفة في فم المحلب حتى يمنع الوسخ ويلزمهم في كل يوم بغسل المواعين بالليف الجديد والماء النظيف لئلا يسارع إليه الفساد في زمن الحر، ولا يستعمل إلا اللبن الحليب الدسم بخيره، ولا يكون مكشوطًا، فإنه لا طعم له.

 

مطاعم الأسماك

كان يأمر المحتسب قلائي السمك بغسل قفافيهم وأطباقهم التي يحملون فيها السمك كل يوم، وينثرون فيها الملح المسحوق في كل ليلة بعد الغسل، وكذلك يفعلون بموازينهم الخوص؛ لأنهم إذا غفلوا عن غسلها فاح نتنها وكثُر وسخها وإذا وضع فيها السمك الطري تغيَّر ريحه وفسد طعمه، ويبالغون في غسل السمك بعد شقه وتنظيفه وتنقيته من جلده وقشوره، ثم ينثرون عليه الملح المصحون في زمن الحر ولا يخلطون السمك البايت بالسمك الطازج، وكان المحتسب يتفقد السمك المقلي كل ساعة لئلا يقلوه بدهن الشحم المستخرج من بطون السمك، ويخلطون هذا الدهن بالزيت عند قليه، ولا يمكنهم أن يقلوه إلا بزيتٍ طيب، ولا يخرجوا السمك المقلي حتى ينتهي نضجه من غير سلق ولا إحراق، أما السمك المشوي فيلزمهم أن يعملوا حوائجه بحضرة مَن يثق إليه على ما جرت به العادة بعد غسله وتنظيفه وأن لا يخرجوه من الفرن إلا بعد تمام نضجه، وأما السمك الذي يحمل من البلاد البعيدة أو يكسر في المخازن فلا يقشر حتى يؤلف بالملح ولا سيما رؤوسه وخياشيمه، فإن الدود أول ما يتولد فيها، ومتى فسد السمك المجلوب أو المخزن رمي به على المزابل خارج البلد.

 

رقابة على الشوائين

كما يأمر المحتسب الشوائين بألا يطينوا تنانيرهم إلا بطينٍ طاهر قد عجن بماء طاهر، فإنهم يأخذون الطين من أراضي حوانيتهم، وهو مختلط بالدم والروث وذلك نجس، وربما انتشر على الشواء منه عند فتح التنور فينجس، كما يأمر بائعي الشواء أن ينثروا الملح على قرمهم بعد الانتهاء من البيع وأرادوا الانصراف ويغطوها بأبلوجة فارغة خشيةً من هوام الأرض، كما كان يراقب صلاحية الماء المملح الناتج من شواء اللحوم على التنور، فيفرق بعضه على المشترين ومنه ما يفسد إذا بات في ليالي الصيف، فيمزجه البائع بالليمون لينقي رائحته وطعمه وبهذا يغش المشتري، كما كان المحتسب يراقب الشوائين ويحذرهم أن يشوا اللحم إلا بعد تطهير جميع أجزاؤه من الروث والدم ولا يمكنهم أن يلونوه إلا بالزعفران ولا يمكنهم تلوينه بالألوان والأصباغ فيظن الرأي أنه نضجت وهي غير ذلك.

 

رقابة على الصيادلة والأطباء

كان المحتسب يخوف الصيادلة وينذرهم بالعقوبة والتعذير، ويشرف عقاقيرهم، وكان يشترط عليهم ألا يطبخوا الأشربة إلا من السكر الطيب النقي المصري، وأن يقرر عليهم ما هو دستور الطب، كما يحذر الصيادلة وخاصة الذين يفترشون في الرحاب وأفواه الطرق ومجتمعات العوام والأسواق من أن يخلطوا عقارًا بعقار إلا بوجود الأمين عليهم فيذهبون إليه وكل دواء على انفراد فيخلطونه أمامه، ويحلفهم ألا يزيدونه بغيره وألا يعجنوه إلا بالعسل الطيب، كما يتفقد الأشربة عليهم، كما كان المحتسب لا يُمكِّن أحدًا من بيع العقاقير وأصناف العطر إلا من له خبرة ومعرفة وتجربة، ومع ذلك يكون ثقةً أمينًا في دينه وعنده خوف من ربه، فإن العقاقير إنما تشترى من العطارين مفردة ثم تركب غالبًا لأنه قد يشتري الجاهل عقارًا معتمدًا على أنه الدواء الذي يريده، ثم يشتريه منه جاهل آخر فيستعمله في الدواء متيقنًا منفعته، فيحدث له عكس مطلوبه ويتضرر به، وهي أضر على الناس من غيرها؛ لأن العقاقير مختلفة الطبائع والأدوية على قدر أمزجتها فإذا أضيفت إليها غيرها أحرقها فحينئذ يعتبر المحتسب على العطارين ما يغشونه من العقاقير، وأدى غش الصيادلة إلى إخضاعهم في كثير من الأحيان إلى إشراف الدولة التي كانت تقوم بامتحانهم ومنح الصالح منهم تصريحًا بمزاولة المهنة ونفي الآخرين.

 

كما كان الأطباء في العالم الإسلامي يخضعون لرقابة الدولة، وفقًا للائحة خاصة تنظم أسلوب تعاملهم مع الناس، وكان على المحتسب مراقبة الأطباء والمعلمين لأن للطبيب إقدامًا على النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم، كما أن للمعلمين من الطرائق التي ينشأ عليها الصغار ويصعب نقلهم عنها بعد الكبر، فيقر المحتسب منهم من توفَّر علمه وحسنت طريقته، ويمنع من قصر وأساء من التصدي لما يفسد به النفوس.

 

وبالنسبة لأطباء العيون كان المحتسب يمتحنهم بكتاب حنين بن إسحاق، فقد ألف عشرة مقالات في العين، فمَن وجده قيمًا فيما امتحنه به عارفًا بتشريح طبقات العين، وما يُصيبها من أمراض، وكان خبيرًا بتركيب الأكحال وأمزجة العقاقير أذن له المحتسب بالتصدي لمداواة أعين الناس، أما كحالوا الطرقات فلا يُوثق بأكثرهم إذ لا دينَ لهم، ويصدهم عن التهجم على أعين الناس ولا ينبغي لأحد أن يركن إليهم في معالجة عينيه، ولا يثق بأكحالهم، فيحلفهم المحتسب ألا يغشوا في أدويتهم إذ لا يمكنه منعهم من الجلوس لمعالجة أعين الناس.

 

أما الجراحين فكان المحتسب يمتحنهم بكتاب جالينوس في الجراحات والمراهم، ويشترط معرفتهم بالتشريح وأعضاء الإنسان، وما فيه من العضل والعروق والشرايين والأعصاب، كما كان يمتحن الفصادين والحجامين، وهل هم يعرفون العروق المفصودة وما جاورها من العضل والشرايين أم لا.

 

والمجبرون (أطباء العظام) فكان المحتسب لا يجيز لأحد منهم أن يتصدى للجبر إلا بعد أن يعرف المقالة الساسة في كتاب قوانين الجبر وأن يعلم عدد عظام الآدمي، وهي مائتا عظمة وثمانية وأربعون، وصورة كل عظم منها وشكلها وقدره حتى إذا انكسر منها شيء أو انخلع رده إلى موضعه على هيئته التي كان عليها فيمتحنهم المحتسب على ذلك.

 

هذه بعض الأدوار الهامة التي كان يقوم بها جهاز الحسبة في الدولة الإسلامية، وما أحوجنا لتطبيق هذا النظام الإسلامي في حياتنا اليوم بعد ما انتشر الفساد في البر والبحر، تحت بصر واعين الجهاز الإداري والتنفيذي في الدولة.. لكِ الله يا مصر، ويا مَن تنتظرون علاوة شهر يوليو فلتهتفوا بأعلى أصواتكم.. وا محتسباه.

---------

المراجع:

(1) سهام مصطفى أبو زيد، الحسبة في مصر الإسلامية من الفتح العربي إلى نهاية العصر المملوكي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة 1986م.

(2) الماوردي (أبو الحسن على بن محمد بن حبيب البصري البغدادي) ت450ﻫ/1058م، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، الطبعة الأولى، مطبعة الحلبي بمصر1960م.

(3) السيد الباز العريني، الحسبة والمحتسب، مقال بالمجلة التاريخية المصرية، المجلد3، 1950م

(4) ابن الأخوة، معالم القربة، ص 59 ؛ الشيرزي، نهاية الرتبة.

(5) عبد الحميد محمد منظور، نظام الحسبة في الإسلام المحتسب ضبط الأسواق في الماضي ... فهل يضبطها في الحاضر، مجلة تراث العدد 35، أكتوبر 2001م.

 

(6) السقطي (أبي عبد الله محمد بن أبي محمد المالقي الأندلسي) في آداب الحسبة، باريس1930م

----------

* ماجستير آثار إسلامية