د. إبراهيم الزعفراني

اسمحوا لي أن أخاطب فيكم طهارة قلمكم، وعدله ونزاهته، وأخاطب ضميركم الإنساني الحي، في شعب يموت جوعًا وفقرًا وقتلاً وضياعًا، بين أعدائه وإخوانه، هذا هو الشعب الفلسطيني المسكين، الذي يعاني الاستعمار منذ ستين عامًا، ويعاني التشريد، ويعيش تحت الخوف والجوع، والخنق والاستعباد في الداخل، ويعيش لاجئًا في مخيماتٍ لا إنسانية.. خمسة ملايين من البشر مشرَّدون.. في أكبر وأطول تشريد لشعب في عصرنا الحديث!!
أناشدكم باسم الأطفال اليتامى الجوعى الباكين.. أناشدكم باسم الأرامل الثكالي في فلسطين.. أناشدكم باسم أمهات وزوجات الشهداء.. أناشدكم باسم العجائز والمسنِّين.. أناشدكم باسم ربع مليون عاطل عن العمل، لا يجدون لهم ولا لأُسَرِهم لقمةَ طعامٍ ولا مجالَ عملٍ.. أناشدكم باسم سكان المخيمات في لبنان وسوريا والأردن.. دعكم من مائة وستين ألف موظف يقبضون جزءًا من مرتبهم، فمَن لهؤلاء العاطلين الممنوعين حتى من العمل داخل الأراضي المحتلة؟!
وبوصفي أمينًا للجنة غوث باتحاد الأطباء العرب أصارحكم بأن مصيبة هؤلاء المنكوبين قد ازدادت سوءًا هذه الأيام عنها في بداية الحصار بعد تكوين حماس حكومةَ السلطة الفلسطينية.
فلقد ساهمتم بقلمكم الحرّ مع كل الأحرار، وقمنا بحملة المليار لفكِّ الحصار المالي عن هذا الشعب المسكين، الذي كان يفتقر لكل مواد الإغاثة، من طعام وشراب، وكساء ودواء ومأوى، ولقد تعاطفت جماهير شعوبنا الحرَّة ضد هذا الحصار لما يزيد عن مليون ونصف المليون من البشر المساكين، الذين لا حول لها ولا قوة.
تعاطفت الشعوب وأفلحنا إلى حدٍّ كبيرٍ- كلجانِ إغاثة- في رفع جزءٍ من المعاناة طوال ثمانية أشهر، فكانت المساعدات تتدفَّق من القلوب الرحيمة والنفوس ذات النخوة والنجدة والوفاء للأخوَّة الإنسانية.
وأنا لا أخفي عليكم أن اتفاق مكة وحكومة الوحدة الوطنية- برغم أنه خيرٌ للفلسطينيين في جانبه السياسي- إلا أنه جاء محنةً على الحياة الإنسانية والاجتماعية للشعب الفلسطيني؛ حيث إن كثيرًا من الشعوب توقَّفت عن المساعدات الإنسانية لهذا الشعب، متوهِّمةً أن الدول التي رعت اتفاق مكة والصلح ببن الفلسطينيين أصبحت تتولَّى الشئون الإنسانية والإغاثية لهذا الشعب المسكين، وأن حكومة الوحدة الوطنية ساعدت على رفع الحصار عن الشعب الفلسطيني.. وأنا أؤكد لسيادتكم أن الحصار لم يُرفَع بعد، بل لا يزال قائمًا وأشدّ.
إن كل ما أضافه الاتفاق هو أموال قليلة لدفع جزءٍ من رواتب الموظفين الذين لا يتجاوز عددهم مائةً وستين ألف موظف من بين أكثر من مليونين ونصف المليون من الشعب الأسير في فلسطين، وأكثر من ثلاثة ملايين في مخيمات الشتات، ثم انضافت المصيبة الكبرى، وهي الاقتتال الداخلي، فتوقَّفت التبرُّعات تمامًا!!
ونحن في لجان الإغاثة لا يعنينا مَن المخطئ ومَن المصيب في هذا الاقتتال، الذي يعنينا أن أهل الخير وأهل العطاء الذين كانوا يمدُّون هذا الشعب الفقير المسكين توقَّفوا عن مساعدته.. هل إذا اشتبك السياسيون أو الأمنيون أو حتى تقاتلوا يكون ردُّ فعل أهل الخير من المتبرِّعين أن يشاركوا في قتل الأطفال واليتامى والأرامل والجياع والمشرَّدين بمنع المساعدات عنهم؟ وما ذنبهم؟
نحن نصرخ كلجان إغاثة، ونرجو منكم أن تناشدوا معنا هؤلاء الخيِّرين من الأمة أن الشعب الفلسطيني المحاصَر الجائع العريان المشرَّد الذي يقتله الجوعُ والمرضُ والخوفُ.. لا ذنبَ له، فهو الضحية دائمًا، فلا تقطعوا عنه عرق الحياة.
يا أهل النخوة والخير والنجدة.. ما ذنب الأيتام في هذا الاقتتال؟
يا أهل النخوة والخير والنجدة.. ما ذنب الأرامل في هذا الاقتتال؟
يا أهل النخوة والخير والنجدة.. ما ذنب العاطلين (ربع مليون)؟
يا أهل النخوة والخير والنجدة.. ما ذنب أهل المخيمات الذين هم بالملايين؟
يا أهل النخوة والخير والنجدة.. لا تقطعوا عرق الحياة عن هذا الشعب المسكين في هذه اللحظات الحرجة، ولأسباب لا ذنب لهم فيها، وبغير جريرة اقترفوها!!