تقرير- حسين التلاوي
فشلت كل خطوط الأزياء الحديثة والعطور الباريسية التي شهدتها الدورة الـ60 من مهرجان "كان" السينمائي الدولي في إخفاء حقيقته؛ مما كرَّس مكانته كأحد أبرز الأدوات التي يستخدمها الفرنسيون في نشر مفردات ثقافتهم في مختلف أنحاء العالم بعد تجميلها بكل مساحيق التجميل التي تشتهر بها فرنسا!!
ففي الدورة الـ60 من المهرجان- والتي عُقدت بالفترة بين 16 و27 مايو الحالي- جاءت الجوائز لتعبِّر عن الإطار الذي يتحرك فيه المهرجان السينمائي الفرنسي، وهو نشر القيم الثقافية الفرنسية، من خلال دعم الأفلام التي تروِّج لها، بعيدًا عن مفاهيم الحيادية، ودعم الفن، والتواصل مع العالم، التي يدَّعي القائمون على المهرجان أنه يكرِّس نفسه لها منذ انطلاق دورته الأولى قبل 60 عامًا.
وبنظرةٍ على تاريخ المهرجان وبإلقاء الضوء على الاتجاهات التي ذهبت فيها جوائز الدورة الأخيرة من المهرجان يمكن العثور بوضوحٍ على آثار لـ"العطر السياسي" البارز التي عجزت كل العطور الأخرى- التي تنسَّمتها مدينة "كان" الفرنسية طوال فترة عقد المهرجان- عن إخفائها، ففاحت حتى تجاوزت أجواء تلك المدينة الساحلية الفرنسية.
بداية المهرجان
بدأ مهرجان "كان" السينمائي الدولي كفكرةٍ ضربت ذهن وزير التعليم العام والفنون جان زي في العام 1939م، في محاولةٍ لتنظيم مهرجان دولي للأفلام في فرنسا، وتم اختيار مدينة "كان"؛ بسبب مميزاتها الطبيعية كمدينةٍ ساحلية لتكون مقرًّا للمهرجان، إلا أن ظروف اندلاع الحرب العالمية في العام نفسه حالت دون انعقاد المهرجان حتى انتهت الحرب رسميًّا في العام 1945م، ومن ثَمَّ بدأ التفكير مجدّدًا في إطلاق المهرجان.
وفي العام التالي رأى المهرجان النور رسميًّا؛ حيث انطلقت الدورة الأولى منه في 20 سبتمبر من العام 1946م، واستمرَّ المهرجان في انعقاده في سبتمبر من كلِّ عامٍ حتى العام 1951م؛ حيث بدأ تنظيمه في شهر مايو.
وقد تعرَّض المهرجان للتأجيل في دورتين: الأولى كانت في العام 1948م، والثانية في العام 1950م؛ بسبب ظروف نقص التمويل، ثم استمر المهرجان بلا انقطاعٍ بعد ذلك؛ ليتحول إلى واحد من أبرز الأحداث السينمائية في العام؛ حيث يستقطب سنويًّا ما يصل إلى 4 آلاف صحفي يعملون لصالح 1600 مؤسسة صحفية.
ويقول القائمون على المهرجان إنه مهرجان "ليست له أهداف سياسية أو جنسية معينة، ويهدف إلى إعطاء صورة مصغرة عن الوضع الذي سيكون عليه العالم، إذا ما استطاع الناس التواصل مباشرة والحديث بلغة واحدة"، لكن هل بالفعل هذه هي سمات المهرجان؟!
إلى أين ذهبت الجوائز؟!
نظرة واحدة على الاتجاهات التي ذهبت فيها الكثير من جوائز الدورة الـ60 من مهرجان "كان" الدولي توضح أن هناك بالفعل محاولةً لجعل العالم يتكلم بلغة واحدة ولكن أية لغة تلك؟!
من الواضح أنها لغة الحضارة الغربية، فعلى الرغم من أن صانعي المهرجان ادَّعَوا في البداية أنه يريد تأسيس عالم واحد يتعايش فيه الجميع.. إلا أنهم وضعوا شرطًا قاسيًّا يضرب مشروعهم "الإنساني" في مقتل، وهو شرط أن يكون العالم محكومًا بالشروط التي يرونها.
وقد تحقَّق ذلك بجلاء في الوجهة التي اتخذتها جائزة السعفة الذهبية التي تعتبر كبرى جوائز المهرجان؛ حيث ذهبت إلى "فيلم 4 أشهر و3 أسابيع ويومان" للمخرج الروماني الشاب كريستيان مونجيو، وهو الفيلم الذي يتناول قضية الإجهاض بصورةٍ تتعاطف مع النساء اللاتي يُرِدْن إجهاض أنفسهن في مجتمعٍ محافظٍ يرفض ذلك؛ مما يؤدي إلى "معاناة النساء مع القواعد الاجتماعية غير المتحضرة"، والتي لا تُبيح الإجهاض!!
وقد اختار الفيلم أن يناقش قصة امرأة تريد أن تُجهض نفسها، إلا أنها لا تستطيع ذلك بسبب القيود التي يفرضها عليها المجتمع الروماني في فترة حكم الرئيس الشيوعي نيكولاي شاوشيسكو التي انتهت بموته في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وبالتالي يريد الفيلم أن يناقش قضية "معاناة المرأة" في المجتمعات التي تتبنَّى بعض القيم التي تتعارض مع قيم "العالم الحر"، مثل إباحة الإجهاض وغيرها من القيم، وبالتالي اختار فترة حكم شاوشيسكو للربط بين قيم رفض الإجهاض وقيم الديكتاتورية؛ مما يقود المشاهد إلى العكس تمامًا بالربط بين قيم الإجهاض وغيرها من القيم مع قيم "العالم الحر" الذي اخترعه الغرب ويسعى لأن يكرِّسه في أذهان العالم أجمع من خلال مثل ذلك الفيلم.
إذن.. حاز ذلك الفيلم جائزةَ السعفة الذهبية؛ لأنه أكد أن رفض الإجهاض من الديكتاتورية، وبالتالي فلكي تكون "غير ديكتاتوري" و"من أنصار العالم الحر" عليك أن تتبنَّى قيم إباحة الإجهاض وغيرها من القيم النظيرة!!
وبالطبع كان من المتوقَّع أن تذهب إحدى الجوائز إلى أحد الأفلام التي تهاجم القيم الإسلامية- كالحجاب- في تنويعٍ على اللحن السائد حاليًا في الغرب من هجومٍ على الحجاب، وقد تمَّ اختيار إيران بالنظر إلى أن الغرب حاليًا في حالة مواجهة سياسية مع النظام الإيراني؛ إذ حصلت المخرجة الإيرانية مرجان ساترابي على جائزة لجنة التحكيم الخاصة عن فيلمها "بريسبوليس" الذي يصوِّر نشأتها في إيران في ظل حكم الثورة الإسلامية الإيرانية؛ حيث عاشت من عمر السادسة وحتى الرابعة عشرة بعد الثورة ويظهر "القمع السياسي" الذي واجهته إيران بعد صعود حكم الثورة الإسلامية في إيران.
وقد أشار الفيلم إلى الحجاب كأحد "رموز القمع" التي حملها النظام الإيراني الجديد في محاولة من معدي الفيلم للربط بين الحجاب والديكتاتوريات، وبالتالي فإن نزع الحجاب يكون إحدى الوسائل "المهمة" لتحدي النظم الديكتاتورية وتوجيه البلاد إلى طريق الانضمام إلـى "العالم الحر".
وبالتالي فإذا كانت جائزة "السعفة الذهبية" قد قالت للمشاهد: "تبنَّ قيمَنا تكنْ منا" فإن جائزة لجنة التحكيم الخاصة قالت للمشاهدات: "انزعن حجابكن لتتحرِّرْن" وهي الدعوة التي يردِّدها الآن بعض الألسنة داخل العالم الإسلامي تحت وطأة آلات الدعاية الغربية وما يجري في فرنسا من أحاديث وتعديات على الحجاب ليس ببعيد.
رائحة صهيونية
كما كانت هناك بعض الجوائز التي اتخذت الطابع السياسي البحت، وفي مقدمتها جائزة "الكاميرا الذهبية" التي يتم منحها إلى الأفلام التي تمثِّل التجربة الأولى في الإخراج للمتسابقين، فقد ذهبت الجائزة إلى فيلم "قنديل البحر" أو "ميدوزوت" الصهيوني لمخرجه إيتجار كيريت الذي شاركته زوجته شيرا جيفين في كتابته.
وتدور أحداث الفيلم حول حياة 3 من النساء الصهيونيات المقيمات في مدينة تل أبيب بالكيان، في إطارٍ يوضح مختلف الأبعاد الاجتماعية لحياتهن وبصورةٍ تظهر الصهيونية على أنها امرأة عادية لها مشكلاتها مثل أية امرأة أخرى حول العالم، وقد احتفى الصهاينة كثيرًا بهذه الجائزة وأفردوا لها الكثيرَ من التغطيات والمتابعات في صحفهم مما يوضح أمرًا هو أن الصهاينة لا يزالون يشعرون بأنهم لم يحصلوا على "الاعتراف" من شعوب العالم، وبالتالي يعملون على تدوير كل معداتهم وآلاتهم وبخاصة الفنية والإعلامية لدفع الرأي العام العالمي إلى رؤيتهم على أنهم "بشر طبيعيون" لا مجرد عصابة اغتصبت الأراضي الفلسطينية وشردت أهلها في واحدةٍ من أكثر المآسي الإنسانية.
كذلك حملت الجوائر الأخرى في المهرجان دعوات صريحة إلى الانضمام للمجتمع الغربي من خلال الهجرة إليه، وقد تمثَّل ذلك في حصول المخرج الألماني من أصل تركي فتحي أكين على جائزة أحسن سيناريو عن فيلم (من الجهة الأخرى)، وهو الفيلم الذي يعني أن هناك "جهة أصلية" يجب أن يقف فيها الإنسان لكي يبتعد عن "الجهة الأخرى"، وبالطبع فإن الاتجاه الأصلي هو العالم الغربي، وقد حصل أحد المهاجرين على الجائزة؛ مما يعني ترسيخًا للقيمة التي ينقلها الفيلم؛ حيث إن كاتب السيناريو هو أحد القادمين من "الجهة الأخرى"، وهو الأمر الذي يضفي المصداقية على العمل الفني فكان لا بد من حصوله على الجائزة لنشر الأفكار التي يحملها.
وفي غير ذلك من الجوائز ظهر "العطر الفرنسي" صريحًا فواحًا في جنبات المهرجان؛ حيث توجَّهت جائزة أفضل مخرج للرسام الأمريكي جوليان شنابل- الذي اتجه للإخراج مؤخرًا- عن فيلمه الناطق بالفرنسية "زي الغطس والفراشة"، والذي يحكي قصة واقعية لأحد الصحفيين الفرنسيين الذي أُصيب بالشلل وكان تميزه في أن مخرجه أمريكي نطق بالفرنسية مما يدخل في إطار الحرب الثقافية بين الفرنسيين والأمريكيين.
وقد ظهرت الحرب الفرنسية على الأمريكيين في حصول فيلم "الفيل" لمخرجه الأمريكي جوس فان سانت على جائزة لجنة التحكيم الخاصة؛ حيث يتناول قضية إطلاق النار في المدارس الأمريكية، وهي القضية التي يعتبرها الفرنسيون عارًا على الأمريكيين، ودليلاً على اتجاه المجتمع الأمريكي للانهيار، وبالتالي كان التكريم واجبًا للفيلم على الرغم من أنه حصل في دورة العام 2003م، على جائزتين هما أفضل مخرج وأفضل فيلم إلا أن الحرب الأمريكية- الفرنسية أوجبت على المهرجان التذكير به.
يظهر- إذن- من اتجاهات الجوائز أن "السجاد الأحمر" الذي يتميز به مهرجان كان السينمائي الدولي يقود إلى طريقٍ وحيدٍ وهو طريق القيم الغربية، وبعد ذلك يقود إلى شارعٍ فرعي وحيد أيضًا وهو الشارع الفرنسي والغريب أن السينما العربية لا تزال تقدم المزيد من التنازلات على مستوى الفكرة والقيم الأخلاقية لكي تحصل على جائزة، ولو صغيرة من جوائز المهرجان؛ مما أدَّى إلى اقترابٍ كبيرٍ وخطير للسينما العربية من التقنيات والقيم الغربية وبخاصة الفرنسية الأمر الذي يضر أكبر الضرر بتلك الصناعة ويحول دون تحقيق الهدف الأبرز منها بنقل قيم مجتمعاتها المحلية؛ حيث تحوَّلت إلى وعاءٍ لنقل القيم الغربية من خلال التزين بـ"العطر الفرنسي"!!